كثير من الناس يتشاءمون من كتابة وصاياهم في حياتهم، ويعتبرون ذلك نذير شؤم ودليلاً على دنو الأجل، ولذلك ينصرفون عن هذا الأمر ولا يفكرون فيه مجرد تفكير إلا من رحم ربي.. مع أن «كتابة الوصية» سلوك نبوي، وهناك توجيه كريم منه صلى الله عليه وسلم يقول فيه: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده».. وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: «من مات على وصيته مات على سبيل وسنة، ومات على تقى وشهادة ومات مغفوراً له».

يقول د. صبري عبد الرؤوف أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر: للأسف كثير من المسلمين يتشاءمون من كتابة الوصية أو مجرد التفكير فيها، كما يتشاءمون من تجهيز أو تهيئة قبور لهم، مع أن الآجال بيد الله عز وجل، ولا يدري أحد متى ينتهي أجله.

وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعمل للدنيا كما نعمل للآخرة، وأن نبذل كل طاقاتنا من أجل حياة كريمة عزيزة، وفي الوقت نفسه لا نتمسك بالدنيا ولا نحرص عليها، فرحلتنا فيها قصيرة، ونعيمها مؤقت، وشعور الإنسان العاقل المؤمن فيها مهما كثرت ملذاتها وشهواتها مثل شعور الغريب الذي يتطلع ويحلم بالعودة إلى أهله وعشيرته.

تمسك بسراب

جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».. فالرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا من خلال هذا التوجيه الكريم، وهذه النصيحة المخلصة أن التمسك بالدنيا والحرص عليها والتفاني في ملذاتها ونعيمها الزائل هو تمسك بسراب، فالإنسان مهما كثر ماله وعز سلطانه وملك كل نعم الدنيا مصيره الفناء.. وهنا عليه أن يتوقع الرحيل في أي وقت فالدنيا بكل ما عليها ستدركها الشيخوخة والفناء كما صورها رب العزة بقوله: «اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً».

وإذا كانت الدنيا التي نعيش فيها بهذه الصورة، فالإنسان العاقل كما يقول الفقيه الأزهري الراحل الشيخ عطية صقر لا بد أن يدرك أنه كالغريب الذي لا بد له أن يعود إلى وطنه مهما طال به المقام في مغتربه وكعابر السبيل الذي يقطع المسافة مرحلة مرحلة حتى يستقر في مستقره الأخير، وهو الدار الآخرة.. فحياة الإنسان فيض من نعمة الله، وهو مستردها وإليه، سبحانه المرجع والمصير قال تعالى: «وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون». ومعنى الحيوان كما قال المفسرون الحياة الحقيقية الأصيلة.
وبناء على ما سبق فإن المسلم الحق هو الذي يستعد للرحيل عن هذه الدنيا في أية لحظة ومن ضمن هذا الاستعداد كتابة وصيته.

العدل.. ثم العدل

وكتابة الوصية كما يقول د. عبد الرؤوف مطلب قرآني قبل أن تكون سنة نبوية، ولذلك لا يجوز هجرها أو التشاؤم منها، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: «كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين».

فالله سبحانه وتعالى يقول في الآية الكريمة: «كتب عليكم أيها المؤمنون إنه إذا ظهرت على أحدكم أمارات الموت من مرض ثقيل أو شيخوخة مضاعفة، وكان عنده مال كثير جمعه عن طريق حلال أن يوصي بجانب منه لوالديه وأقاربه رعاية لحقهم وحاجتهم، وأن تكون وصيته لهم بالعدل الذي لا مضارة فيه بين الأقارب، والوصية على هذا الوجه تعتبر حقاً واجباً على المتقين الذين اتخذوا التقوى والخشية من الله طريقا لهم».
وقد جاء حديث القرآن عن الوصية الواجبة بتلك الطريقة الحكيمة لتغيير ما كان من عادات أهل الجاهلية، الذين كانوا يمنعون الإرث حيث كان الجاهلي يتوهم أن أحد أقاربه يتمنى موته ليرثه، وربما فضلوا بعض الأقارب على بعض فيؤدي ذلك إلى التباغض والتحاسد، وقد يفضلون الوصية لغير الأقارب للفخر والتباهي، فشرع الإسلام لأتباعه ما يقوي الروابط ويمنع التحاسد والتعادي.
والمراد بالمعروف هنا كما يقول د. عبد الرؤوف العدل الذي جاءت به الشريعة الإسلامية بألا يتجاوز المسلم بالوصية الثلث، وألا يوصي للأغنياء ويترك الفقراء، أو يوصي للقريب ويترك الأقرب مع أنه أشد فقراً ومسكنة.
وقد قال بعض العلماء إن الوصية للوالدين والأقربين المشار إليها في الآية الكريمة قد نسخت بآية المواريث واستدلوا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا وصية لوارث»، لكن تبقى الوصية سنة ينبغي أن يحرص عليها كل مسلم فيما لا يتعلق بالورثة.

احذروا تغيير الوصية

وقد حذر القرآن من تغيير الوصية بعد موت الموصي فقال سبحانه: «فمن بدله من بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه»، وتغيير الوصية يحدث بالزيادة في الموصى به أو النقص منه أو كتمانه أو غير ذلك من وجوه التغيير للموصي به بعد وفاة الموصي، وكل من يغير في الوصية هو خائن للأمانة ومخالف لشرع الله تعالى، ولن يلحق الموصي شيئاً من الإثم، لأنه قد أدى ما عليه بفعله للوصية كما يريدها الخالق سبحانه.

وقد ختم الله سبحانه حديثه عن الوصية بقوله: «إن الله سميع عليم»، للإشعار بالوعيد الشديد الذي توعد الله به كل من غير وبدل هذا الحق عن وجهه، لأن الله سبحانه لا يخفى عليه شيء من حيل الناس الباطلة، فهو سبحانه، عليم بما يقع في الوصية من تبديل وتحريف.
سألت أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر: ما الحكم لو أوصى إنسان قبل موته بكل أو معظم تركته لأحد أبنائه وحرم الآخرين أو أوصى لشخص من خارج الأسرة بمعظم تركته وحرم الأبناء والأقارب.. هل تنفذ وصيته؟
قال: الحق سبحانه وتعالى عالج هذا الأمر بنص قرآني واضح فقال بعد أية الوصية: «فمن خان من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه» «.. والمراد ب«الجنف» هنا: الميل عن الحق في الوصية.. ولذلك قال العلماء.. استناداً لهذه الآية الكريمة أن الموصي إذا حاد في وصيته عن حدود العدل فللوصي أن يصلح ويعدل فيها بحيث يجعلها متفقة مع ما شرعه الله، وهو في هذه الحالة لا إثم عليه لأنه غير الباطل بالحق.
ويرى بعض العلماء أن هذا الآية واردة في شأن كل من يبغي الإصلاح من الناس وإنها تتعلق بمراجعة الموصي قبل موته، بأن يرى شخصا آخر يوصي، وقد جانبه العدل والصواب في وصيته فيراجعه ليعدل هو في وصيته قبل موته، وأن يزيل ما حدث من ظلم.
وعلى هذا الرأي يكون معنى الآية الكريمة: إن خرج الموصي في وصيته عن حدود العدالة ورأى أمارات ذلك من يريد الإصلاح من الناس وتوقع أن شرا سيترتب على هذه الوصية التي فيها جور، أو شاهد نزاعا بين الموصي لهم بسبب ذلك، فلا إثم على هذا المصلح في أن يصلح بين الموصي والموصي لهم، وأن يرشد الموصي إلى طريق العدل والحق.

ثلاثة آراء

وإذا كان رسول الله قد قال في الحديث الصحيح: «من مات على وصية مات على سبيل وسنة، ومات على تقى وشهادة ومات مغفوراً له»، فهل الوصية مطلوبة من المسلم على سبيل الوجوب وما حكم من أهملها؟
يقول د. صبري عبد الرؤوف: الفقهاء هنا على ثلاثة آراء:
الأول: إنها واجبة عن كل من ترك مالاً قليلاً كان أو كثيراً.
الثاني: إنها تجب للوالدين والأقربين الذين لا يرثون الميت.
الثالث: إنها ليست فرضاً.. وهو رأي الأئمة الأربعة، بل تعتريها الأحكام الخمسة.
1 - فقد تكون واجبة إذا كان على الإنسان حق شرعي يخشى أن يضيع إن لم يوص به كوديعة ودين لله أو لآدمي.
2 - وقد تكون مستحبة، وذلك في الطاعات وللأقارب والصالحين.
3 - وقد تكون محرمة، إذا كان فيها إضرار بالورثة كما تحرم إذا أوصى بمحرم.
4 - وقد تكون مكروهة إذا كان الموصي قليل المال وله وارث أو وورثة يحتاجون إليه، كما تكره لأهل الفسق إن غلب على الظن أنهم يستعينون بها عليه.
5 - وقد تكون مباحة إذا كانت لغني سواء أكان الموصي له قريباً أو بعيداً.
وإذا كانت الوصية في الأموال - كما يؤكد العلماء - دعوة إلى التراحم والتكافل وغرس لأواصر المودة والمحبة بين الأبناء والآباء وبين الأقارب بعضهم مع بعض.. فما أحوجنا نحن المسلمي اليوم إلى إحياء هذه السنة النبوية المهجورة.