د. رشاد سالم *
قال تعالى في سورة الأنعام: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
جعل سبب قتل الأولاد ما يعيش فيه الآباء من الفقر، ولذلك أخبر الله سبحانه وتعالى أنه سيرزق الآباء، فقال: (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ)، ثم ذكر بعدهم رزقه أولادهم، فقال: (وَإِيَّاهُم)، فكان رزقهم أهم عندهم من رزق أولادهم، فقدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم، لأن الخطاب للفقراء، وكأن السياق يشعر بتشفيع الأولاد في رفع فقر الآباء القاتلين، فكأن قد قيل لهم، إنما ترزقون بهم، فلا تقتلوهم.
وجاء الترتيب بخلاف هذا في سورة الإسراء فقال: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا)، فالخطاب في هذه الآية للأغنياء، لأن الخشية خوف من شيء لم يقع، فهم إن قتلوا أولادهم فذلك بسبب خوفهم من أن تؤدي كثرة الأولاد إلى الفقر، فكان رزق أولادهم هو المطلوب دون رزقهم هم، فهو حاصل قبلاً، ولذلك قدم الوعد برزق الأولاد على الوعد برزق الآباء، فقال: (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ).
وروي أن أعرابياً من طيئ كثر عياله، وقلّ ماله، ولسان حاله يقول كما قال خالد بن صفوان التميمي: «لثلاثون من العيال في مال أسرع من السوس في الصوف في الصيف»، فقال الأعرابي: سأنتجع خيبر، عسى أن يخفف عني ثقل هؤلاء، وكأنه يرى أن «قلة العيال أحد اليسارين»، وخيبر مشهورة بحمّاها التي يضرب بها المثل، فيقال: «به الورى، وحمّى خيبرى».
«فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ...»
قال تعالى في سورة الحجر: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ).
حكي أن أحد الأعراب لما سمع هذه الآية سجد، فلما سئل عن سبب سجوده قال: «سجدت لفصاحة هذا الكلام». ونقل أبو حيان عن أبي عبيدة عن رؤبة قوله: «ما في القرآن أغرب من قوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) اشتملت على شرائط الرسالة، وشرائعها، وأحكامها، وحلالها، وحرامها».
فقوله: «فاصدع» بمعنى: امض فيه، وأظهره، واجهر به، قال ابن أبي الإصبع في كتابه (بديع القرآن): «المعنى: صرح بجميع ما أوحي إليك، وبلغ كل ما أمرت ببيانه، وإن شق بعض ذلك على بعض القلوب، فانصدعت، والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصديع في القلوب، فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من التقبض والانبساط، ويلوح عليها من علامات الإنكار أو الاستبشار، كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة من المطروقة في باطنها، فانظر إلى جليل هذه الاستعارة، وإلى عظيم إيجازها، وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة». انتهى كلامه.
فالصدع على هذا القول يكون من الرسول لقلوب الكفار بما أوحى الله تعالى إلى نبيه.
ثم تأملوا رحمني الله وإياكم في تخصيص الآية للمصدوع به بالأوامر فقط، حيث قال الله تعالى: (بِمَا تُؤْمَرُ)، ولم يقل «وبما تنهى» لأنه لما حذف الجار والمجرور بعد قوله: «تؤمر»، حيث أصل الكلام: «بما تؤمر به»، صار اللفظ دالا على الأوامر والنواهي؛ لأن أوامر الله تعالى لنبيه كانت تقضي بأن يأمر الكافرين باتباع الدين الجديد، وينهاهم عن عبادة الأصنام، والطلب من الرسول بتبليغ الكفار أوامر الله تعالى ونواهيه كلها أوامر للرسول، ولأجل ذلك حسن حذف الجار والمجرور، قلم يقل: «بما تؤمر به»؛ إذ لو قيل ذلك لوجب أن يقال: «وبما تنهى عنه»، وما ينهى الإنسان عنه لا يليق به الجهر. والله أعلم.
* مدير الجامعة القاسمية - الشارقة
قال تعالى في سورة الأنعام: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
جعل سبب قتل الأولاد ما يعيش فيه الآباء من الفقر، ولذلك أخبر الله سبحانه وتعالى أنه سيرزق الآباء، فقال: (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ)، ثم ذكر بعدهم رزقه أولادهم، فقال: (وَإِيَّاهُم)، فكان رزقهم أهم عندهم من رزق أولادهم، فقدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم، لأن الخطاب للفقراء، وكأن السياق يشعر بتشفيع الأولاد في رفع فقر الآباء القاتلين، فكأن قد قيل لهم، إنما ترزقون بهم، فلا تقتلوهم.
وجاء الترتيب بخلاف هذا في سورة الإسراء فقال: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا)، فالخطاب في هذه الآية للأغنياء، لأن الخشية خوف من شيء لم يقع، فهم إن قتلوا أولادهم فذلك بسبب خوفهم من أن تؤدي كثرة الأولاد إلى الفقر، فكان رزق أولادهم هو المطلوب دون رزقهم هم، فهو حاصل قبلاً، ولذلك قدم الوعد برزق الأولاد على الوعد برزق الآباء، فقال: (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ).
وروي أن أعرابياً من طيئ كثر عياله، وقلّ ماله، ولسان حاله يقول كما قال خالد بن صفوان التميمي: «لثلاثون من العيال في مال أسرع من السوس في الصوف في الصيف»، فقال الأعرابي: سأنتجع خيبر، عسى أن يخفف عني ثقل هؤلاء، وكأنه يرى أن «قلة العيال أحد اليسارين»، وخيبر مشهورة بحمّاها التي يضرب بها المثل، فيقال: «به الورى، وحمّى خيبرى».
«فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ...»
قال تعالى في سورة الحجر: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ).
حكي أن أحد الأعراب لما سمع هذه الآية سجد، فلما سئل عن سبب سجوده قال: «سجدت لفصاحة هذا الكلام». ونقل أبو حيان عن أبي عبيدة عن رؤبة قوله: «ما في القرآن أغرب من قوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) اشتملت على شرائط الرسالة، وشرائعها، وأحكامها، وحلالها، وحرامها».
فقوله: «فاصدع» بمعنى: امض فيه، وأظهره، واجهر به، قال ابن أبي الإصبع في كتابه (بديع القرآن): «المعنى: صرح بجميع ما أوحي إليك، وبلغ كل ما أمرت ببيانه، وإن شق بعض ذلك على بعض القلوب، فانصدعت، والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصديع في القلوب، فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من التقبض والانبساط، ويلوح عليها من علامات الإنكار أو الاستبشار، كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة من المطروقة في باطنها، فانظر إلى جليل هذه الاستعارة، وإلى عظيم إيجازها، وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة». انتهى كلامه.
فالصدع على هذا القول يكون من الرسول لقلوب الكفار بما أوحى الله تعالى إلى نبيه.
ثم تأملوا رحمني الله وإياكم في تخصيص الآية للمصدوع به بالأوامر فقط، حيث قال الله تعالى: (بِمَا تُؤْمَرُ)، ولم يقل «وبما تنهى» لأنه لما حذف الجار والمجرور بعد قوله: «تؤمر»، حيث أصل الكلام: «بما تؤمر به»، صار اللفظ دالا على الأوامر والنواهي؛ لأن أوامر الله تعالى لنبيه كانت تقضي بأن يأمر الكافرين باتباع الدين الجديد، وينهاهم عن عبادة الأصنام، والطلب من الرسول بتبليغ الكفار أوامر الله تعالى ونواهيه كلها أوامر للرسول، ولأجل ذلك حسن حذف الجار والمجرور، قلم يقل: «بما تؤمر به»؛ إذ لو قيل ذلك لوجب أن يقال: «وبما تنهى عنه»، وما ينهى الإنسان عنه لا يليق به الجهر. والله أعلم.
* مدير الجامعة القاسمية - الشارقة