القرآن كتاب الله القويم، وحبله المتين، ‮ والذي أعجز العرب وهم سادة البلاغة والفصاحة يتضمن آيات قد تحتار فيها العقول، لما فيها من‮ ‬غموض‮..‬ ومن هذه الآيات قول الله تبارك وتعالى في‮ ‬الآية‮ 201‮ ‬من سورة التوبة‮ «‬وَآخَرُونَ‮ ‬اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ‮ ‬خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ‮ ‬سَيِّئًا عسى الله أن‮ ‬يتوب عليهم‮..» ‬فمن هم هؤلاء وما قصتهم؟‮.‬

يقول جلال الدين السيوطي‮ ‬في‮ ‬كتابه‮ «‬مفحمات الأقران في‮ ‬مبهمات القرآن‮»: «‬وآخرون اعترفوا بذنوبهم‮»: ‬قال ابن عباس‮: ‬هم سبعة‮: ‬«أبو لبابة وأصحابه»‮.. ‬وقال زيد بن أسلم‮: ‬ثمانية، ‮ ‬منهم، ‮ ‬أبو لبابة، ‮ ‬وكدوم، ‮ ‬ومرداس‮.. ‬وقال قتادة‮: ‬سبعة من الأنصار، ‬منهم‮: ‬جد بن قيس، ‮ ‬وأبو لبابة، وجذام،‮ ‬وأوس‮. ‬أخرج ذلك ابن أبي‮ ‬حاتم‮.‬

المتخلفون عن «تبوك»

وقال الطاهر بن عاشور في‮ ‬تفسيره‮ «‬التحرير والتنوير‮»: «وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن‮ ‬يتوب عليهم إن الله‮ ‬غفور رحيم‮»، ‬الأظهر أن جملة‮: ‬«وآخرون اعترفوا» عطف على جملة‮: ‬و«ممن حولكم‮» (‬التوبة‮:‬101‮) ‬، ‮ ‬أي‮ ‬وممن حولكم من الأعراب منافقون، ‮ ‬ومن أهل المدينة آخرون أذنبوا بالتخلف فاعترفوا بذنوبهم بالتقصير‮. ‬فقوله‮: ‬إيجاز لأنه‮ ‬يدل على أنهم أذنبوا واعترفوا بذنوبهم ولم‮ ‬يكونوا منافقين لأن التعبير بالذنوب بصيغة الجمع‮ ‬يقتضي‮ ‬أنها أعمال سيئة في‮ ‬حالة الإيمان، ‮ ‬وكذلك التعبير عن ارتكاب الذنوب بخلط العمل الصالح بالسيئ‮..‬وكان من هؤلاء جماعة منهم الجد بن قيس، ‮ ‬وكردم، ‮ ‬وأرس بن ثعلبة، ‮ ‬ووديعة بن حزام، ‮ ‬ومرداس، ‮ ‬وأبو قيس، ‮ ‬وأبو لبابة في‮ ‬عشرة نفر اعترفوا بذنبهم في‮ ‬التخلف عن‮ ‬غزوة تبوك وتابوا إلى الله وربطوا أنفسهم في‮ ‬سواري‮ ‬المسجد النبوي‮ ‬أياماً حتى نزلت هذه الآية في‮ ‬توبة الله عليهم‮.‬
«والاعتراف على وزن افتعال من عرف‮. ‬وهو للمبالغة في‮ ‬المعرفة، ‮ ‬ولذلك صار بمعنى الإقرار بالشيء وترك إنكاره، ‮ ‬فالاعتراف بالذنب كناية عن التوبة منه، ‮ ‬لأن الإقرار بالذنب الفائت إنما‮ ‬يكون عند الندم والعزم على عدم العود إليه، ‮ ‬ولا‮ ‬يتصور فيه الإقلاع الذي‮ ‬هو من أركان التوبة لأنه ذنب مضى، ‮ ‬ولكن‮ ‬يشترط فيه العزم على ألا‮ ‬يعود‮..‬ وخلطهم العمل الصالح والسيئ هو خلطهم حسنات أعمالهم بسيئات التخلف عن الغزو وعدم الإنفاق على الجيش‮».‬

الإقامة والصفاقة

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي‮ ‬في‮ ‬تفسيره المعروف ب«الخواطر‮»: «وآخرون اعترفوا بذنوبهم‮» معطوفة على قوله‮: «‬ومن أهل المدينة مردوا على النفاق‮» ‬في‮ ‬الآية التي‮ ‬تسبقها‮ ‬، واعترفوا بذنوبهم، ‮ ‬الاعتراف لون من الإقرار‮. ‬والإقرار بالذنب أنواع، ‮ ‬فهناك من‮ ‬يقر بالذنب إفاقة، ‮ ‬وآخر‮ ‬يقر الذنب في‮ ‬صفاقة، ‮ ‬مثلما تقول لواحد‮: ‬هل ضربت فلانا؟ فيقول‮: ‬نعم ضربته، ‮ ‬أي‮ ‬أنه اعترف بذنبه، ‮ ‬وقد‮ ‬يضيف‮: ‬وسأضرب من‮ ‬يدافع عنه أيضاً، ‮ ‬وهذا اعتراف فيه صفاقة‮.‬

أما من‮ ‬يعترف اعتراف إفاقة، ‮ ‬فهو‮ ‬يقر بأنه ارتكب الذنب ويطلب الصفح عنه، ‮ ‬وهذا هو الاعتراف المقبول عند الله‮. ‬وهم قد «‬اعترفوا بذنوبهم‮» ‬اعتراف إفاقة، ‮ ‬بدليل أن الله قال فيهم‮: «‬خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئا‮ً» ‬وعملهم الصالح هنا هو إقرارهم بالذنب ومعرفتهم أن فضيحة الدنيا أهون من فضيحة الآخرة، ‮ ‬أما عملهم السيئ فهو التخلف عن الجهاد والإنفاق‮..‬ واختلف العلماء‮: ‬هل هذا الاعتراف‮ ‬يعتبر توبة أم لا؟ نقول والكلام للشعراوي‮ ‬ إن الحق سبحانه وتعالى حينما قال‮: «‬اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا‮» ‬ثم قوله‮: «‬عسى الله أن‮ ‬يتوب عليهم إن الله‮ ‬غفور رحيم‮» ‬أي‮: ‬رجاء أن‮ ‬يتوب عليهم، ‮ ‬فهذه مقدمات توبة وليست توبة، ‮ ‬فإن صاحبها الندم على ما مضى، ‮ ‬والإصرار على عدم العودة في‮ ‬المستقبل فينظر هل هذا كان منه مخافة أن‮ ‬يفضح أم موافقة لمنهج الله؟ إن كان الأمر موافقة لمنهج الله فتكون التوبة مرجوة لهم‮.. ‬فهم خطلوا العمل الصالح والعمل السيئ، ‮ ‬لم‮ ‬يجعلوا من العمل الصالح والعمل السيئ مزيجاً واحدا‮ً.. ‬لكن العمل الصالح ظل صالحاً، ‮ ‬والعمل الفاسد ظل فاسداً»‮.‬

«ليس لنا عذر»

والذين اعترفوا بذنوبهم هم قوم تخلفوا بغير عذر، ‮ ‬ثم جاؤوا وقالوا‮: ‬ليس لنا عذر، ‮ ‬ولم‮ ‬يختلقوا أعذاراً؛ لأن هناك أناساً لم‮ ‬يعتذروا، ‮وأناساً آخرين اعتذروا بأعذار صادقة، ‮ ‬وآخرين اعتذروا باعتذارات كاذبة، ‮ ‬وهم قد «‬اعترفوا بذنوبهم» أي‮: ‬«أعلنوا أن اعتذاراتهم عن الغزوة لم تكن حقيقية، وأنه لم‮ ‬يكن عندهم ما‮ ‬يبرر تخلفهم عن الغزو؛ فهؤلاء تاب الله عليهم في‮ ‬نفوسهم أولا، ‮ورسول الله لا‮ ‬يزال في‮ ‬الغزوة في‮ ‬تبوك التي‮ ‬تخلفوا عنها»‮.‬
«وكون أبي‮ ‬لبابة‮ ‬يربط نفسه بالسارية، ‮ ‬فهذا‮ ‬يدل على أن المؤمن إذا اختمرت في‮ ‬نفسه قضية الإيمان، ‮ ‬فإنه لا‮ ‬يترك نفسه إلى أن‮ ‬يلقاه الله بعذابه، ‮بل‮ ‬يقول‮: ‬لا، ‮أنا أعذب نفسي‮ ‬كي‮ ‬أنجو من عذاب الله، ‮ ‬فهو قد تيقن أن هناك عذاباً في‮ ‬الآخرة أقسى من هذا العذاب‮. ‬فهو لا‮ ‬ينتظر أن‮ ‬يعاقب من الله، ‮ ‬بل‮ ‬يبادر هو إلى أن‮ ‬يعاقب نفسه»‮.‬
وجاء في‮ «‬التفسير القرآني‮ ‬للقرآن‮» ‬لعبد الكريم‮ ‬يونس‮: ‬وآخرون اعترفوا بذنوبهم هي إشارة إلى صنف آخر من الذين نافقوا في‮ ‬غزوة تبوك، ‮ ‬فتخلفوا عنها بأعذار ملفّقة، ‮ ‬وتعللوا بتعللات كاذبة، ‮ ‬وقد وقع في أنفسهم النّدم على ما كان منهم، ‮ ‬وجاؤوا إلى النبي ‬معترفين بذنوبهم، ‮ ‬ومنهم الثلاثة الذين خلّفوا، ‮ ‬والذين ذكرهم الله بعد ذلك في قوله سبحانه‮: «‬وَعَلَى الثَّلاثَةِ‮ ‬الَّذِينَ‮ ‬خُلِّفُوا‮».. ‬فهؤلاء المخلّفون، ‮ ‬قد خلطوا عملاً صالحاً كان منهم قبل هذا التخلف، ‮ ‬بآخر سيئ، ‮ ‬هو هذا التخلف عن رسول الله وعن المؤمنين في‮ ‬غزوة تبوك‮.. ‬وفي قوله تعالى‮: «‬عَسَى اللَّهُ‮ ‬أَنْ‮ ‬يَتُوبَ‮ ‬عَلَيْهِمْ‮ ‬إِنَّ‮ ‬اللَّهَ‮ ‬غَفُورٌ‮ ‬رَحِيمٌ‮» ‬دعوة لهم إلى المبادرة بالتوبة، ‮ ‬والانخلاع مما تلبّسوا به من خلاف لله ولرسوله‮.