يقول جلال الدين السيوطي في كتابه «مفحمات الأقران في مبهمات القرآن»: «وآخرون اعترفوا بذنوبهم»: قال ابن عباس: هم سبعة: «أبو لبابة وأصحابه».. وقال زيد بن أسلم: ثمانية، منهم، أبو لبابة، وكدوم، ومرداس.. وقال قتادة: سبعة من الأنصار، منهم: جد بن قيس، وأبو لبابة، وجذام، وأوس. أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
المتخلفون عن «تبوك»
وقال الطاهر بن عاشور في تفسيره «التحرير والتنوير»: «وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم»، الأظهر أن جملة: «وآخرون اعترفوا» عطف على جملة: و«ممن حولكم» (التوبة:101) ، أي وممن حولكم من الأعراب منافقون، ومن أهل المدينة آخرون أذنبوا بالتخلف فاعترفوا بذنوبهم بالتقصير. فقوله: إيجاز لأنه يدل على أنهم أذنبوا واعترفوا بذنوبهم ولم يكونوا منافقين لأن التعبير بالذنوب بصيغة الجمع يقتضي أنها أعمال سيئة في حالة الإيمان، وكذلك التعبير عن ارتكاب الذنوب بخلط العمل الصالح بالسيئ..وكان من هؤلاء جماعة منهم الجد بن قيس، وكردم، وأرس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام، ومرداس، وأبو قيس، وأبو لبابة في عشرة نفر اعترفوا بذنبهم في التخلف عن غزوة تبوك وتابوا إلى الله وربطوا أنفسهم في سواري المسجد النبوي أياماً حتى نزلت هذه الآية في توبة الله عليهم.
«والاعتراف على وزن افتعال من عرف. وهو للمبالغة في المعرفة، ولذلك صار بمعنى الإقرار بالشيء وترك إنكاره، فالاعتراف بالذنب كناية عن التوبة منه، لأن الإقرار بالذنب الفائت إنما يكون عند الندم والعزم على عدم العود إليه، ولا يتصور فيه الإقلاع الذي هو من أركان التوبة لأنه ذنب مضى، ولكن يشترط فيه العزم على ألا يعود.. وخلطهم العمل الصالح والسيئ هو خلطهم حسنات أعمالهم بسيئات التخلف عن الغزو وعدم الإنفاق على الجيش».
الإقامة والصفاقة
ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسيره المعروف ب«الخواطر»: «وآخرون اعترفوا بذنوبهم» معطوفة على قوله: «ومن أهل المدينة مردوا على النفاق» في الآية التي تسبقها ، واعترفوا بذنوبهم، الاعتراف لون من الإقرار. والإقرار بالذنب أنواع، فهناك من يقر بالذنب إفاقة، وآخر يقر الذنب في صفاقة، مثلما تقول لواحد: هل ضربت فلانا؟ فيقول: نعم ضربته، أي أنه اعترف بذنبه، وقد يضيف: وسأضرب من يدافع عنه أيضاً، وهذا اعتراف فيه صفاقة.
أما من يعترف اعتراف إفاقة، فهو يقر بأنه ارتكب الذنب ويطلب الصفح عنه، وهذا هو الاعتراف المقبول عند الله. وهم قد «اعترفوا بذنوبهم» اعتراف إفاقة، بدليل أن الله قال فيهم: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً» وعملهم الصالح هنا هو إقرارهم بالذنب ومعرفتهم أن فضيحة الدنيا أهون من فضيحة الآخرة، أما عملهم السيئ فهو التخلف عن الجهاد والإنفاق.. واختلف العلماء: هل هذا الاعتراف يعتبر توبة أم لا؟ نقول والكلام للشعراوي إن الحق سبحانه وتعالى حينما قال: «اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا» ثم قوله: «عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم» أي: رجاء أن يتوب عليهم، فهذه مقدمات توبة وليست توبة، فإن صاحبها الندم على ما مضى، والإصرار على عدم العودة في المستقبل فينظر هل هذا كان منه مخافة أن يفضح أم موافقة لمنهج الله؟ إن كان الأمر موافقة لمنهج الله فتكون التوبة مرجوة لهم.. فهم خطلوا العمل الصالح والعمل السيئ، لم يجعلوا من العمل الصالح والعمل السيئ مزيجاً واحداً.. لكن العمل الصالح ظل صالحاً، والعمل الفاسد ظل فاسداً».
«ليس لنا عذر»
والذين اعترفوا بذنوبهم هم قوم تخلفوا بغير عذر، ثم جاؤوا وقالوا: ليس لنا عذر، ولم يختلقوا أعذاراً؛ لأن هناك أناساً لم يعتذروا، وأناساً آخرين اعتذروا بأعذار صادقة، وآخرين اعتذروا باعتذارات كاذبة، وهم قد «اعترفوا بذنوبهم» أي: «أعلنوا أن اعتذاراتهم عن الغزوة لم تكن حقيقية، وأنه لم يكن عندهم ما يبرر تخلفهم عن الغزو؛ فهؤلاء تاب الله عليهم في نفوسهم أولا، ورسول الله لا يزال في الغزوة في تبوك التي تخلفوا عنها».
«وكون أبي لبابة يربط نفسه بالسارية، فهذا يدل على أن المؤمن إذا اختمرت في نفسه قضية الإيمان، فإنه لا يترك نفسه إلى أن يلقاه الله بعذابه، بل يقول: لا، أنا أعذب نفسي كي أنجو من عذاب الله، فهو قد تيقن أن هناك عذاباً في الآخرة أقسى من هذا العذاب. فهو لا ينتظر أن يعاقب من الله، بل يبادر هو إلى أن يعاقب نفسه».
وجاء في «التفسير القرآني للقرآن» لعبد الكريم يونس: وآخرون اعترفوا بذنوبهم هي إشارة إلى صنف آخر من الذين نافقوا في غزوة تبوك، فتخلفوا عنها بأعذار ملفّقة، وتعللوا بتعللات كاذبة، وقد وقع في أنفسهم النّدم على ما كان منهم، وجاؤوا إلى النبي معترفين بذنوبهم، ومنهم الثلاثة الذين خلّفوا، والذين ذكرهم الله بعد ذلك في قوله سبحانه: «وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا».. فهؤلاء المخلّفون، قد خلطوا عملاً صالحاً كان منهم قبل هذا التخلف، بآخر سيئ، هو هذا التخلف عن رسول الله وعن المؤمنين في غزوة تبوك.. وفي قوله تعالى: «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» دعوة لهم إلى المبادرة بالتوبة، والانخلاع مما تلبّسوا به من خلاف لله ولرسوله.