بعد أن اختار قوم نوح -عليه السلام- طريق الغواية ولج القوم في طغيانهم، واشتد أذاهم وتمادت سخريتهم، وصموا آذانهم عن سماع دعوته أوحى الله -تعالى- إليه بأن يكتفي بمن معه من المؤمنين، فإنه لم يبق في قومه من يستجيب له فالتجأ نوح إلى مولاه ودعا الله -تعالى- عليهم، وسأله النجاة والسلامة، ولكل نبي دعوة مستجابة في أمته (قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا ونَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فلبَّى اللَّه دعوته وأجاب طِلْبَتَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ).
دعا نوح -عليه السلام- دعاء المغلوب المظلوم والتجأ إلى الناصر المعين: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ.
يا الله ما أعظم هذا الدعاء، إنها دعوات تلجلجت في صدر نوح وانطلقت من نبي عانى الكفر والاستكبار والطغيان بألوانه ما يقرب من ألف سنة.
إذا لَمْ أستعِن بِكَ يا إلهي
فمَن عوني سِواكَ ومَن مجيري
تضيق بِنا الحياة وحين نهفو
إلى نجواكَ نحظى بالسرورِ
ومن رحمته - سبحانه وتعالى- بنوح والبقية المؤمنة أن أوحى الله له ببناء السفينة فقال: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ).
أي: ولا تخاطبني يا نوح في شأن هؤلاء الظالمين، بأن ترجوني في دفع العذاب عنهم، فقد صدر أمري بإغراقهم ولا راد لقضائي.
(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) أي: يستهزئون به استبعاداً لوقوع ما توعدهم به، وقوله - تعالى -(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) بيان لامتثال نوح لأمر ربه، وجاء التعبير بالفعل المضارع مع أن الصنع كان في الماضي:
استحضاراً لصورة الصنع، حتى لكأن نوحاً - عليه السلام - وهو متقدم في العمر ما يقرب من ألف سنة. يُشاهد وهو منهمك في صنع السفينة، ثم بين- سبحانه - موقف قومه منه وهو يصنعها وقال:
(وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) فكان الكفار من قومه كلما مروا به وهو يصنع السفينة استهزؤوا به، وتعجبوا من حاله؛ إذ كيف يصنع سفينة وهم يعيشون في صحراء جرداء لا بحر فيها ولا ماء، وترتفع ضحكات الكافرين، وكأنك تسمع قهقهاتِهم وكلماتهم الجارحة وسخريتهم من نوح عليه السلام في غدوّهم عليه ورواحهم. وهم يقولون له على سبيل التهكم، كما رُوي في بعض الآثار: (يا نوح نراك قد صرت نجاراً بعد أن كُنْتَ نَبيًّا).
وهنا يَرد عليهم نوح -عليه السلام- بكل هدوء ويقين بقوله: (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ).
أي: إن تسخروا مني ومن أتباعي اليوم لصنعنا السفينة، وتستجهلوا منا هذا العمل، لرؤيتكم ما لا تتصورون له فائدة، فإنا سنسخر منكم في الوقت القريب سخرية محققة لما سيحلّ بكم في مقابل سخريتكم الباطلة.
فلو علم قومُه ما يُعدُّ لهم من العذاب الدنيوي والأُخرويِّ ما سخروا من نوح حين بدأ بصنع السفينة؛ بل لبكوا وتضرّعوا وسارعوا إلى الإيمان بالله، ولكنْ ما تقول في قوم صدّوا عن سبيل الله؟ و(رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) فالاستكبار يمنع الإيمان
(فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون) وهذا هو حال الأنبياء كلهم، فما من نبي إلا وعودي وقوتل من قبل قومه، من لدن أول الرسل نوح عليه السلام إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الغلبة تكون لله ولرسوله ولكتابه ولعباده الصالحين؛ ولذا نجد هذا التوجيه في نهاية قصة نوح في سورة هود فقد وجه الله خطابه إلى المصطفى -صلى الله عليه وسلم- قائلاً: (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) تلك حقيقة حتمية، وسنة ثابتة ؛ فإن العاقبة للحق والنتائج الطيبة في الدنيا والآخرة لأولياء الله (أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
تالله ما الطغيان يهزم دعوة
يومًا، وفي التاريخ بِرُّ يميني
ستسير فُلْكُ الحق تحمل جنده
وستنتهي للشاطئ المأمونِ
بالله مجراها ومرساها فهل
تخشى الردى والله خير ضمينِ؟!
يامن أجبت دعاء نوح فانتصر
وحَمَلْتَه في فلكك المشحونِ
الطف بنا يا ربنا فيما جرى
وارحم عبادا رددوا آمين
[email protected]
قدوات خالدة
«..واصنع الفلك بأعيننا ووحينا»
23 يونيو 2017 05:23 صباحًا
|
آخر تحديث:
23 يونيو 05:23 2017
شارك
د. سالم بن علي الشويهي