قال تعالى في سورة الإسراء: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).
قيّد إيفاء الكيل بقوله: (إِذَا كِلْتُمْ)، ولم يفعل ذلك مع الوزن، ولذلك فائدة جليلة، فالكيل إما أن يكيله الإنسان، أو يكتاله، فالأول بيع، وهو الذي يقع فيه البخس والتطفيف، قال تعالى في سورة المطففين: (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)، والثاني، وهو الاكتيال، شراء لا حاجة إلى الأمر بإيفائه؛ لأن المشتري سيكون حريصا على ذلك من دون أن يوصى به، قال تعالى في سورة المطففين: (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ)، بل إن المشتري مأمور بأن يتسامح عند الكيل له.
ولو لم يقيد ذلك بقوله: «إذا كلتم» لأوهم أن الإيفاء مطلوب في الكيل والاكتيال، لكنه لما قيّد بالشرط أفهم أن المقصود وقت الكيل، لا وقت الاكتيال، وقال أبو حيان: «إن المراد ألا يتأخر الإيفاء، بأن يكيل به بنقصان ما، ثم يوفيه بعده، فلا يتأخر الإيفاء عن وقت الكيل».
أما عدم تقييد الوزن ب «إذا وزنتم»، فلعل الاكتفاء بتقييد كون الوزن بالقسطاس المستقيم يغني عن ذكر الشرط؛ لأنه إذا وزن بالميزان المستقيم لا يتصور الجور غالباً، بخلاف الكيل فإنه كثيراً ما يقع التطفيف مع استقامة الآلة، كذا قال أبو السعود. والله أعلم.
قال تعالى في سورة الكهف: (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا)، نسب النسيان إلى موسى وفتاه، مع أن الناسي هو الفتى، فأشرك موسى فيه، لسكوته وعدم سؤاله عنه.
«...فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ...»
قال تعالى في سورة النحل: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ).
إذا تأمل القارئ قوله تعالى: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ)، فقد يبدو له أن قوله: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ) مغن عن قوله: (مِنْ فَوْقِهِمْ)؛ لأن (خرّ) و(عليهم) و(السقف) كلها تدل على حصول الخر من فوقهم؛ والخر لا يكون إلا فيما سقط من العلو إلى الأسفل، و(على) في أصل استعمالها تدل على وقوع الشيء من أعلى إلى أسفل، والسقف أصله أن يكون في العلو.
لكن المتدبر لهذه الآية يدرك أن لقوله: «من فوقهم» فائدة جليلة؛ إذ دلت على الفوقية الحقيقية، فالسقف قد وقع عليهم، وكانوا تحته، فهلكوا، وما أفلتوا، ولولا ذكر «من فوقهم» لتوهم غير ذلك، لأن (على) ليست قطعية في الدلالة على العلو، بل قد تكون هنا بمعنى (عن) أي: خرّ عن كفرهم بالله، كما تقول: اشتكى فلان عن دواء شربه، أي: من أجل كفرهم. أو بمعنى (اللام)، أي: فخرّ لهم، وذكر ابن جني أن (على) قد تخرج عن الاستعمال في العلو إلى الاستعمال في الأفعال الشاقة المستثقلة على حد قول من يقول: قد سرنا عشرا، وبقيت عليها ليلتان، وقد حفظت القرآن، وبقيت علي منه سورتان، وقد صمنا عشرين وبقي علينا عشر.
وكذلك يقال في الاعتداد على الإنسان بذنوبه وقبيح أفعاله: قد خرّب عليّ ضيعتي، وموّت عليّ عواملي، وأبطل علي ّانتفاعي، فعلى هذا لو قيل: «فخر عليهم السقف»، ولم يقل: «من فوقهم» لجاز أن يظن به أنه كقولك: قد خربت عليهم دارهم، وقد أهلكت عليهم مواشيهم وغلاتهم، وقد تلفت عليهم تجارتهم، فإذا قال: «من فوقهم» زال ذلك المعنى المحتمل، وصار معناه أنه سقط وهم من تحته، ويؤيد ذلك أنه يقال: سقط عليه موضع كذا، إذا كان يملكه، وإن لم يكن من فوقه، بل تحته.
كما أنه ليس كل سقف يكون من فوق؛ «فإن كثيراً من السقوف يكون أرضاً لقومه، وسقفا لآخرين»، فرفع احتمال أن يكون السقف تحتهم بقوله: «من فوقهم». والله أعلم.
* مدير الجامعة القاسمية - الشارقة
في رحاب آية
«وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ»
8 يونيو 2017 02:08 صباحًا
|
آخر تحديث:
8 يونيو 02:08 2017
شارك
د. رشاد سالم