عندما نقرأ قول الله تعالى في سورة التوبة: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، نجد القرآن قد استعمل مع كلمة الذين كفروا الجملة الفعلية: (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى)، واستعمل مع كلمة الله تعالى الجملة الاسمية: (وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا).
وذلك لأن الجملة الفعلية تدل على الحدوث والتجديد، أما الجملة الاسمية فتدل على الثبوت والدوام والاستمرار.
ولما كانت كلمة الكفار مذبذبة وليست ثابتة، وعلوّها وإن كان ظاهراً شكلياً فهو صائر إلى هبوط وتسفل ناسبتها الجملة الفعلية عند الإخبار عنها.
ولما كانت كلمة الله تعالى عالية أزلاً وبلا نهاية ناسبتها الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
وجيء في الاسمية بالضمير (هي) لتأكد علوّ كلمة الله بعد إفادة أزليتها، فالضمير لتأكيد الإسناد بتكراره، والجملة الاسمية لتأكيد أزلية العلو للكلمة واستمراره بلا نهاية.
وعندما نقرأ قوله سبحانه في سورة الفرقان: (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا).
نجد جواب الشرط جاء ماضياً: (جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ( وعطف عليه فعل آخر لكنه مضارع: (وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا). ولعلك تسأل عن حكمة المغايرة، وعن سبب العدول عن الإتيان بالفعلين ماضيين.
أي.. لماذا لم يقل الله في تلك الآية الكريمة «جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار وجعل لك قصوراً»؟
أو.. لماذا لم يؤت بالفعلين مضارعين معاً ليحدث الاتساق والاتفاق؟
فأقول والله أعلم بمراده :
إن الفعل الماضي المذكور أولاً: (جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ) منصب على الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، والتمتع بهذه الجنات الوارفة المزهرة، المتجددة الثمار يحصل وإن كان الجعل ماضياً منقطعاً، فالله يمنح الجنات فيحدث التمتع بها في استمرار؛ لاستمرار إزهارها وجريان أنهارها.
أما القصور فمهما كانت فخمة ضخمة، ومهما كانت مزينة باهرة، فهي جامدة صامتة، لا تتحرك تحرك الأزهار والثمار والأنهار، فالتمتع بها يكون ساعة منحها، وبمرور الزمن تسأم النفس التمتع بتلك القصور، وتملّ النظر إليها مع فخامتها وجمالها لجمودها وصمتها.
فجمال الجنات والأنهار متحرك نابض، وجمال القصور جامد ثابت، ومن ثم ناسب أن يؤتى مع المتحرك بالفعل الماضي، الدال على الثبوت والانقطاع، لأن التمتع حاصل بدونه، وناسب أن يؤتى مع الثابت الجامد كالقصور بالفعل المضارع الدال على التجدد، ليحدث مع الجامد الثابت نوعاً من الحركة يحدث به التمتع المنشود.
* مدير الجامعة القاسمية - الشارقة
في رحاب آية
«...وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا...»
18 يونيو 2017 00:23 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 يونيو 00:23 2017
شارك
د. رشاد سالم
د. رشاد سالم *