قال تعالى: «الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفاً فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به، من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون»، (سورة الروم الآية: 48).
يقول محمد كامل عبد الصمد في كتابه «الإعجاز العلمي في الإسلام»: قال تعالى: «وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين»، (سورة الحجر الآية:
22).
وقد فسرت هذه الآية في ضوء العلم الحديث، على أن الرياح لواقح النبات بعد ما أثبت أن الكثير من النباتات تحتاج إلى الرياح كوسيلة من أهم وسائل التلقيح، وقد قرر العلم الحديث أن الرياح إنما هي لواقح للسحب التي يتم بها نزول الماء من السماء.. فهي التي ترفع البخار، وهى التي تكون السحب، وهى التي تولد فيها الكهرباء بنوعيها، ثم هي تسبب تلقيحها بعضها ببعض فينزل المطر.
قال تعالى: «إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره»، (سورة الشورى الآية: 33). وقال: «حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف»، ( سورة يونس الآية: 22). وقال: «ولسليمان الريح عاصفة تجرى بأمره»، (سورة الأنبياء الآية: 81). وقال: «فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً»، (سورة فصلت الآية: 16).
بعد دراسة مستفيضة، قسّم العلماء في هذا العصر الرياح إلى أقسام مختلفة لفائدة الطيران والملاحة البحرية عموماً، وجعلوا لتلك الأقسام أسماء اتفق عليها دولياً، كما أكدوا أن الرياح تُقِلّ السحب التي تبشر برحمة الله المتمثلة في نزول المطر.
يقرر العلم الحديث مدى تلازم السحب والمطر والرياح، ولقد كان الرأي السائد أن مياه المطر إنما تأتي هكذا من السماء، ولم يكن يخطر ببال أحد أن الرياح هي التي تثير السحاب الذي يجود بالمطر، حتى أثبت علم الأرصاد الجوية أخيراً في عصر النهضة العلمية أن الأصل في إثارة السحب ونزول المطر هو إرسال الرياح لتتجمع في مكان معين، بل إن آخر تقسيم علمي أجري لأنواع السحب والأمطار، عمل بحيث تطابق أوصافها طبيعة انسياب الرياح التي تثيرها، فكانت السحب الركامية التي تصاحب التيارات الهوائية الرأسية، والسحب الطبقية التي تصاحب انسياب طبقة من الهواء بأكملها في اتجاه صاعد ومن الأولى تنزل الزخات ومن الثانية يهطل المطر.
ويقول الدكتور جمال الدين الفندي في كتابه «من روائع إعجاز القرآن»: لقد آمن العلماء بأنه عندما تتوافر أبخرة المياه في الرياح، فإن السحاب يمطر طبيعياً، ولا تكون هناك حاجة إلى المطر الصناعي (الذي يلجأ إليه العلماء باستمطار السحب بتلقيحها بنوى التكاثف بطريقة صناعية بواسطة الطائرات أو المولدات الأرضية).
أما إذا كانت الرياح عقيماً فلا سبيل إلى نجاح المطر الصناعي.. وسبحان الذي قال: «أفرأيتم الماء الذي تشربون أ أنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون»، (سورة الواقعة الآيتان: 68 و69). ومهما ازداد الإنسان علماً، فلن يستطيع بصفة مستمرة تغيير دورات الرياح العامة، أو تصريفها على الدوام حسب هواه، حتى باستخدام الطاقة النووية، إلاّ في حدود ضيقة محلية.. والسر في ذلك أن الشمس تمد الأرض كل يوم بطاقة تعادل مئات آلاف الطاقة النووية، في حين أن استخدام الطاقة النووية نفسها يلوث الهواء.
والسحاب هو الجسم المسخر لكي يجود المطر الذي هو أصل كل الماء العذب الذي نشربه، ونروي به الأرض، ولهذا يقول تعالى: «فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه»، (سورة الحجر الآية: 22).

دورة الماء

أما قوله: «وما أنتم له بخازنين» فيعني أن هذا الماء العذب لا يختزن في مكان معين، ولكنه يخضع لدورة عامة بين السماء والأرض، تعرف باسم دورة الماء بين السماء والأرض.. ومجملها أن أشعة الشمس تبخر بعض مياه البحار والمحيطات، ويصعد البخار في الهواء لأنه أخف من الهواء أو أقل كثافة، وتحمله الرياح معها في مسلكها عبر آلاف الكيلومترات، ثم تصعد لتكون السحب، وتدأب على تغذية تلك السحب ببخار الماء، فيتكاثف البخار ليصبح مطراً يتساقط على الأرض مكوناً الأنهار، أو يغوص إلى جوف القشرة الأرضية ليعود من جديد إلى البحار والمحيطات، ثم تعود القصة كلها من جديد بفعل أشعة الشمس، وهكذا.
ومن الحقائق العلمية أن الرياح لا تغذي السحب ببخار الماء وحده، بل إنها تمدها وتلقحها كذلك بجسيمات صغيرة مجهرية من مساحيق تمتصها مثل مساحيق ملح الطعام التي تتطاير مع الرياح من البحار والمحيطات. وتسمى تلك الجسيمات باسم «نوى التكاثف» وهي المراد من كلمة «لواقح» التي جاءت في القرآن الكريم.

البرق والرعد

قال تعالى: «ألم تر أن الله يزجى سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار»، (سورة النور الآية: 43). وفي هذه الآية الكريمة يقرر القرآن في بساطة علمية معجزة أن البرد هو المسؤول عن تلك الشحنات الكهربائية التي تسبب عواصف البرق والرعد، التي كانت من أهم ميادين البحث خلال عشرات السنين، وظهر في هذا السبيل العديد من النظريات، حتى انتهى العلماء إلى تلك الحقيقة التي قررها الحكيم الخبير في كتابه منذ أكثر من أربعة عشر قرناً.
وعندما يقوى الهواء على عزل الشحنة السالبة العليا عن الشحنة الموجبة في أسفل، يحدث التفريغ الكهربائي على هيئة برق وينجم عن التسخين الشديد المفاجئ الذي يحدثه البرق في منطقة انبعاثه تمدد الهواء فجأة وتمزقه محدثاً الرعد.. وما جلجلة الرعد إلاّ عملية طبيعية بسبب سلسلة الانعكاسات التي تحدث من قواعد السحب لصوت الرعد الأصلي.. وقد يحدث في بعض العواصف أن يتكرر حدوث البرق داخل السحابة أربعين مرة في الدقيقة الواحدة.. أما إذا حدث التفريغ الكهربائي بين السحابة وأى جسم مرتفع عن سطح الأرض فإنه يسمى صاعقة.
عندما صورت بالرادار وجد أن السحابة الركامية الواحدة تبدأ بنتف صغيرة تظهر في السماء ثم تتحد كل خليتين أو أكثر مع بعضها البعض لتكون الخلية الكبيرة التي سرعان ما تصبح كالجبل الشامخ وينزل منها المطر..
ودلت التجارب العلمية الحديثة على أن المكونات الثلجية عندما تنمو أو تنصهر، تكتسب شحنات كهربائية، كما تشير الآية السابقة في إيجاز رائع إلى أن أهم أخطار البرق، الذهاب بالبصر.. والعجيب أن هذا هو ما يعانيه الطيار من أخطار في حالات عواصف الرعد، لاسيما في المناطق الحارة الرطبة، حيث تبلغ ومضات البرق في الدقيقة الواحدة أربعين ومضة أو شرارة هائلة، فيصيبه فقد البصر. ولا يقوى على الاستمرار في قيادة طائرته.

تكوّن الصواعق

أما الصواعق فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في عدة آيات، مثل قوله تعالى: «يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت»، (سورة البقرة الآية: 19). وقوله: «ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء»، (سورة الرعد الآية: 13). وقوله: «مثل صاعقة عاد وثمود»، (سورة فصلت: الآية 13). وقد قرر العلم الحديث أنه إذا ما أصيب شخص بمس من صاعقة، وجبت المبادرة إلى إجراء التنفس الصناعي له مدة لا تقل عن ساعة، فقد تعود إليه الحياة من جديد، إلا أنها مدمرة في عمومها، يرسلها الله نقمة ينتقم بها ممن يشاء.
ويقول الدكتور جمال الدين الفندي في «القرآن والعلم»: «الصواعق هي نتيجة التفريغ الكهربائي ما بين السحب والأرض، ويتم هذا التفريغ عادة من خلال الأجسام المرتفعة أو القابلة للتوصيل الكهربائي. والصواعق تصاحب البرق والرعد والسحاب في بعض الأحيان، وهى بذاتها ذات أثر قاتل في النفس، ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد والصواعق يقول: «اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك». (رواه الترمذي والنسائي).
أما الرعد فقد ورد ذكره في القرآن حيث يقول تعالى: «ويسبح الرعد بحمده» (سورة الرعد الآية: 13). ويقول: «أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق»، (سورة البقرة الآية: 19).

آية إعجاز عظمى

تصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض آية عظمى من الإعجاز، فالله سبحانه وتعالى يرسل الرياح فتثير سحاباً يبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفاً، (أي قطعاً متفرقة) ثم ركاماً، ثم يتداخل في بعضه فترى الودق (أي: المطر)، يخرج من خلاله في ومضات خاطفة كهربية، ثم ينزل من السماء ماءً طهوراً يحيي به الزرع ويسقي الضرع والإنسان والكائنات.