تعد آداب المجالس من أبرز ما يميز الشعوب المتحضرة، والتي يمكن أن يقاس بها مدى ما وصل إليه الأفراد في مجتمع ما من التهذيب في التعامل، والرقي في السلوك.. وقد جاء الإسلام بالكثير من آداب السلوك ومستوياته الراقية التي لم تكن موجودة بهذا المستوى قبل الإسلام.
ويتضمن القرآن الكريم توجيهات كثيرة في هذا المجال بدءاً من تقرير أن الكلمة الطيبة «كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء»، (إبراهيم: 24) إلى حسن المجادلة، أي الحوار بالتي هي أحسن «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن»، (النحل: 125). وعدم رفع الصوت أثناء الكلام «يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي»، (الحجرات: 2). والاستئذان قبل دخول البيوت، وغير ذلك من آداب المجالسة والتي ارتقى بها الإسلام وجعلها أدباً وخلقاً لا ينبغي أن يفارق المسلم في كل مكان يذهب إليه ويجلس فيه.
يقول د. حامد طاهر، أستاذ الثقافة والفلسفة الإسلامية، في دراسته عن «آداب المجالسة في الإسلام والحضارة العربية»: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنموذجاً للمسلم المتحضر في أدبه وسلوكه في المجالس، فقد كان يستمع إلى ما يقوله المشركون، ويصغى لأتباع الأديان الأخرى من المخالفين، ويجالس المسلمين بمختلف مستوياتهم، ولم يصدر منه قول ناب، ولا عبارة تؤذي المستمعين، ومما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يحسن الاستماع ويطيل أمده، لمن يتحدث إليه، كما كان يلقي السلام على جماعة الصبيان حين يمر عليهم وهم يلعبون.
استقامة اللسان
ويؤكد د. طاهر أن علماء الحضارة العربية اهتموا بالحديث عن أدب المجالس منذ عهد مبكر، ويعد كتاب «الأدب الكبير» لابن المقفع (ت 145هجرية) موسوعة لأدب المجالس، فالكتاب رغم صغر حجمه لكنه بالغ الأهمية، حيث تحدث فيه عن (آداب الاستماع، وآداب الحديث، وآداب مجالسة الجماعة، وآداب مجالسة الأصحاب، وعلاج عيوب المجالسة) وفي كل ذلك فائدة كبرى لمن يريد أن يتأدب بأفضل الأخلاق ويعرف كيف يجلس وسط الناس ويستمع إليهم ويتحدث معهم على اختلاف مستوياتهم العقلية والعلمية والثقافية.
وفضلًا عما ذكره ابن المقفع في «الأدب الكبير» من آداب واجبة في المجالس، فإن المسلم مطالب بأن يتخلق بأخلاق الإسلام في كل مجالسه، فيلتزم بصور الذوق العام التي رباه عليها دينه الحنيف، فيحرص على خلق القصد في الحديث، وعفة اللسان واحترام آراء الآخرين، والاستماع إليهم والاختلاف معهم بأدب، فالمسلم الحق هو الذي يتحكم في لسانه، ويضبط ألفاظه، ولا يسيء إلى الآخرين بألفاظ جارحة.. أما الأحمق فهو صاحب اللسان المنفلت، يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه».
خلق نبيل
يقول العالم الأزهري د. أحمد عمر هاشم، أستاذ السنة النبوية وعضو هيئة كبار العلماء: يجب على المسلم أن يعود لسانه على الألفاظ الجميلة، والتعبير الحسن، والكلمة الرقيقة، لأن الكلمة الطيبة تأسر القلوب، فكم من حروب وفتن ومصائب حدثت بسبب كلمة منفلتة ألقاها صاحبها من دون أن يلقي لها بالاً، ولذلك حذرنا الإسلام من الكلمات غير المسؤولة التي تجلب لصاحبها وللآخرين كثيراً من المصائب وأمرنا الحق سبحانه وتعالى بأن نقول للناس كل ما هو حسن وجميل.
والقصد في الكلام - كما يقول د. هاشم - سمة الشخصية المعتدلة التي يتخلق صاحبها بالخلق الإسلامي النبيل، فيبدو رزيناً في مجلسه هادئاً في مشاعره، يكسوه الوقار، وتعلوه الهيبة، فلا ينطق لسانه بالقول في أي مجال، ولا يقحم نفسه في أحاديث الناس، فإن الكلام عند كثير من الناس شهوة من الشهوات إذا استبدت بالإنسان أوردته موارد الهلاك، ولذلك فإن من آداب الحديث التي جاء بها الإسلام وربى أتباعه عليها «القصد في الكلام» ومحاسبة الإنسان على ما ينطق به، يقول الحق سبحانه وتعالى: «وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد»، (ق: 18). وقال سبحانه: «لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً»، (النساء: 114).
دليل على الإيمان
واستقامة شخصية المسلم - كما يؤكد عضو هيئة كبار العلماء - تنبع من إيمان صاحبها، وإخلاص قلبه، واستقامة لسانه، والقصد في الكلام من أهم ما يستقيم به اللسان، فلا يتكلم الإنسان إلا بعد تفكير وروية، فالإنسان الذي يوطن نفسه على القصد في الكلام، يقل خطؤه ويحسن قوله، ويتسم بالروية وعدم الاندفاع في الكلام، فهو إما أن يقول الخير، وإما أن يؤثر السكوت، ويلوذ بالصمت، وفي هذا ما يجعله مرموق الشخصية، محبوب الحديث لا يتبرم الناس بمجلسه، ولا يستثقلون رأيه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: «رحم الله امرأً قال خيراً فغنم، أو سكت فسلم».
وقد رفع الإسلام من قيمة الأدب في الحديث والقصد في الكلام حين جعل ذلك آية على الإيمان بالله واليوم الآخر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».
وقد حذرنا الإسلام من الإسراف في الكلام وكثرة المدح للإنسان بما ليس فيه أو المدح على سبيل القطع، فقد أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «ويلك قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك مراراً»، ثم قال: «من كان منكم مادحاً أخاه لا محالة فليقل أحسب فلاناً والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه».
الإعراض عن اللغو
ومن القصد في الكلام الذي علمنا إسلامنا إياه الإعراض عن اللغو والترفع عن الاسترسال فيه مع الغير، قال سبحانه وتعالى: «وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين»، (القصص: 55).
ومن صور الرقي والتحضر التي ربانا عليها إسلامنا التحاور مع الآخرين بأدب، وعدم تحقير آرائهم مهما كانت تفاهتها وعدم جديتها، وقد أرسى الإسلام آداباً وأخلاقيات لتنظيم الحوارات والمناقشات بين الناس لخصها د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الراحل في كتابه الموسوعي «أدب الحوار في الإسلام» في عناصر عدة أبرزها: أن يكون الحوار قائماً على الصدق وتحري الحقيقة، بعيداً عن الكذب والسفسطة والأوهام، والتزام الموضوعية، وعدم الخروج عن الموضوع الذي هو محل النزاع أو الخلاف، وإبراز الدليل الناصع، والبرهان الساطع، والمنطق السليم، فضلاً عن التواضع، وتجنب الغرور، والتزام الأسلوب المهذب، وإفساح المجال أمام المناقش أو المعارض لكي يعبر عن وجهة نظره من دون مصادرة لقوله أو إساءة إلى شخصه، وبحرص تام على تبادل الاحترام فيما بينهما.