ونحن هنا نقدم نخبة مختارة من النساء الخالدات اللاتي يعتز بهن الإسلام، لنوضح للمرأة المسلمة المعاصرة حجم العطاء المنتظر منها تجاه دينها ووطنها وأسرتها، خاصة في هذا الزمن الذي يموج بتحديات ومشكلات جمة تحاول صرف المرأة عن القيام بدورها الذي رسمه لها دينها الحنيف .
ضيفتنا اليوم امرأة مؤمنة صادقة عاشت في كنف رجل ظالم يملك قلباً قاسياً جاحداً، لكنه فشل في زرع القسوة والجحود بداخلها، حيث لجأت إلى خالقها تطلب النجدة وتؤكد إصرارها على الهداية والإيمان، وتعلن رفضها لكل المغريات التي يقدمها لها زوجها لكي تشاركه إثمه وتسير على درب جحوده .
امرأة صالحة
هذه المرأة التقية الطائعة الصالحة كافأها خالقها بالذكر الطيب الحميد في القرآن الكريم، وشرفها وأعلى قدرها في معرض المقارنة بين النساء المؤمنات الفضليات المتوجهات بعقولهن وقلوبهن وأرواحهن إلى الله، عز وجل، والنساء الضالات الكافرات الخائنات، وذلك في قول الله عز وجل: "ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين . وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين"، وليس المراد بالخيانة هنا ارتكابهما جريمة الفاحشة، فزوجات الأنبياء معصومات من هذه الخيانة، إنما الخيانة المقصودة في الآية كما قال المفسرون هي الخيانة الإيمانية، أي لم تؤمنا بهما وبرسالتهما وبالهداية التي جاءا بها .
هذه المرأة الصالحة الفاضلة هي (آسية بنت مزاحم) وقد ذكرها القرآن الكريم بالصفة، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بالاسم وزكاها في قوله: "خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد رسول الله"، وهي تستحق تكريم الله ورسوله، حيث لم يمنعها ظلام الكفر الذي كانت تعيش فيه في بيت فرعون، ولم يشغلها ما كانت فيه من متاع الحياة الدنيا وزينتها عن أن تطلب الحق، وتعرض عن الباطل، وأن تكفر بكل ما يدعيه زوجها من كذب وطغيان .
قال الجمل في حاشيته: "آمنت آسية بموسى عليه السلام لما غلب السحرة، وتبين لها أنه على الحق، ولم تضرها الوصلة بالكافر أي صلتها بزوجها فرعون وهي الزوجية التي هي من أعظم الوصل ولا نفعه إيمانها، لأن كل امرئ بما كسب رهين" .
في نسبها تقول التراجم إنها: آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان ملكاً لمصر في عهد يوسف بن يعقوب عليه السلام، وهي امرأة صالحة كانت تدين بدين إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف عليهم الصلاة والسلام . . قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "كمل من الرجال كثير . ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران . وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" .
وقد اختلف الباحثون في هوية آسية بنت مزاحم، وهل هي التي استقبلت موسى في قصرها وذكرها القرآن الكريم بقول الله عز وجل: "وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً" .
أم هي التي آمنت بموسى حين بعث وفيها يقول الله عز وجل: "وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون . ." والأرجح أنها هي التي استقبلت موسى وليداً وهي التي أشرفت على تربيته ثم هي التي آمنت به حين بعث .
منام غريب
ومن فضائل هذه المرأة كما يقول المفسرون أنها اختارت القتل على الملك، وعذاب الدنيا على النعيم الذي كانت فيه بعد أن خالط الإيمان قلبها .
قصة ميلاد آسية بنت مزاحم وقصة زواجها من فرعون من القصص الغريبة المثيرة، حيث يروى أن مزاحم والد آسية رأى في منامه كأن شجرة خضراء خرجت من ظهره، فإذا بغراب قد انقض عليها، وقال: أنا صاحب هذه الشجرة فقص مزاحم ذلك على أحد صلحاء المفسرين للأحلام فأخبره بأنه سيرزق بابنة حسناء صديقة وتكون عند رجل كافر وترزق الشهادة . . فلما ولدت آسية وصار لها من العمر عشرين سنة فإذا هي بطائر مثل الحمامة في فمه درة . فرمى بها في حجر آسية وقال لها: يا آسية خذي هذه الخرزة فإذا اخضرت فهو أوان تزويجك وإذا احمرت فهو وقت الشهادة .
ثم طار الطائر فأخذت الخرزة وربطتها على عضدها وأخذت في العبادة واشتهر أمرها بالخيرات فوصفت لفرعون فأحب أن يتزوجها فخطبها من أبيها فاغتم أبوها لذلك، وحاول صرف فرعون عنها ولم يفلح، وحاولت آسية الهروب من هذا الرجل القاسي الجبار فلم تستطع فاضطرت للرضوح بعد أن قال لها المقربون منها: أنت على دينك وهو على دينه، وذلك لتفادي أذاه وتنكيله وانتقامه منها ومن أبيها، فلما صارت آسية عند فرعون دخل عليها وهمّ بها فلم يقدر على ذلك، وكان هذا حاله معها فرضي بالنظر منها فقط .
إنقاذ موسى
لقد أراد الله أن تتزوج آسية من فرعون وهي كارهة له، غير راغبة في ثرواته وملكه ليكون لها دور عظيم في إنقاذ نبي الله موسى عليه السلام من الذبح وفي احتضانه وتربيته ورعايته حتى بلغ أشده وآتاه الله عز وجل حكماً وعلماً . ومن ثم كان لها دور في رسالته التي هي رسالة كل الأنبياء وهي الدعوة للتوحيد الخالص، فقد كان بنو إسرائيل يتداولون فيما بينهم أنه سيظهر من بينهم غلام يكون صاحب رسالة وأن نهاية فرعون سوف تكون على يديه . ثم إن فرعون رأى مناماً مفزعاً فسّره له كهنته على أن غلاماً من بني إسرائيل سوف يظهر وسوف تكون نهايته على يديه، فأمر فرعون بذبح كل ذكر يولد لبني إسرائيل . وجنّد العسس والقوابل للطواف والمرور على بيوت بني إسرائيل ومراقبة كل امرأة حبلى حتى تلد . فإذا ولدت ذكراً ذبحوه وإذا وضعت أنثى تركوها فتناقص عدد بني إسرائيل فاشتكى كهنة فرعون من أنه إذا استمر هذا التناقص فقد يأتي يوم يضطر فيه المصريون (القبط) إلى القيام بأعمال الخدمة وغيرها من الأعمال الحقيرة التي يقوم بها بنو إسرائيل، فقرر أن يتم الذبح عاماً ويتوقف عاماً .
وحملت يوكابد أم موسى بهارون ووضعته في عام المسامحة من الذبح ثم حملت في موسى في عام الذبح . فاحترزت من أول ما حبلت ولم يكن يظهر عليها مخايل الحبل، فلما وضعت ألهمت أن اتخذي له تابوتاً فربطته في حبل، وكانت دارها متاخمة للنيل فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في التابوت فأرسلته في النهر وأمسكت طرف الحبل عندها . فإذا ذهبوا استرجعته إليها . ولكن قدر الله لا بد أن يتم وما قضى الله به لا بد أن يحدث فقد أرسلت التابوت في يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على قصر فرعون .
وفي الوقت الذي أصيبت فيه أم موسى بالهلع والرعب من فقدها وليدها العزيز أتاها الوحي بأن الله عز وجل سيرده إليها وسوف يجعله نبياً من الصالحين . وحتى يتحقق وعد الله التقطت جواري فرعون التابوت وخشين أن يفتحنه من عقاب سيدتهن آسية بنت مزاحم، فحملن إليها التابوت فلما فتحته رأت وجهه مشرقاً حسناً، فلما وقع نظرها عليه أحبته حباً شديداً فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه فرجته أن يتركه ويهبه لها .
وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى "وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً" . فقال لها فرعون: أما لك فنعم وأما لي فلا أي لا حاجة لي به وقد أنالها الله ما رجت من النفع . أما في الدنيا فهداها الله به . وأما في الآخرة فأسكنها الجنة بسببه، ذلك أنهما تبنياه لأنه لم يكن لهما ولد .
بيت في الجنة
وبعد إنقاذ حياة موسى الوليد الصغير جاء دور تربيته ورعايته . وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقر في مصر فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثدياً ولا أخذ طعاماً، فحاروا في أمره واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق لعلهم يجدون من توافق على إرضاعه، وبينما هم مجتمعون حوله كانت أخته تراقب عن بعد تنفيذاً لأوامر أمها، فلما رأت ذلك تقدمت إليهم وعرضت عليهم أن تدلهم على مرضعة، فلما ذهبوا به إلى أمه ومن دون أن يعلموا أنها أمه أرضعته فإذا هو يتلقم ثديها ويرتضعه . ففرحوا بذلك فرحاً شديداً وذهب البشير يعلم آسية بذلك .
استدعت آسية يوكابد أم موسى وعرضت عليها أن تكون عندها وأن تحسن إليها فأبت عليها وقالت: إن لي بعلاً وأولاداً ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي . فأرسلته معها ورتبت لها رواتب وأجرت عليها النفقات والكساوي والهبات فرجعت به تحوزه إلى رجلها وقد جمع الله شمله معها، وهكذا صدق وعد الله عز وجل في البداية وفي النهاية وفي كل وقت . وأسبغ الله عنايته على نبيه موسى عليه السلام . وقد سجل الله تعالى ذلك في قوله تعالى: "قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ولقد مننا عليك مرة أخرى، إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى . أن أقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل . . ." إلى آخر الآيات التي تسجل قصة نجاة موسى من فرعون .
ما أعظم هذه المرأة القوية الصالحة وما أروع ما فعلت مع نبي الله موسى عليه السلام، فاستحقت أن تكون من خيرة نساء العالمين، وأن يبني الله لها بيتاً في الجنة كما بشرها رسول الله الخاتم صلوات الله وسلامه عليه .