هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، وكنيته أبوالعباس، المعروف بالمبرد، إمام العربية ببغداد في زمانه، عاش بين عامي 210- 286ه الموافق 826- 899م فكان أحد أبرز رجال الأدب والأخبار، ولقيت آراء المبرد حظاً كبيراً من عناية الباحثين، فذكرت قصصاً كثيرة تثبت فتحها وأخرى تدل على كسرها، يقول ابن خلكان: المبرد بضم الميم وفتح الباء الموحدة والراء المشددة وبعدها دال مهملة وهو لقب عرف به، واختلف العلماء في سبب تلقيبه بذلك، يقول أبوالفرج الجوزي في كتابه الألقاب سئل المبرد لم لقبت بهذا اللقب فقال: كان سبب ذلك أن صاحب الشرطة طلبني للمنادمة والمذاكرة، فكرهت الذهاب إليه، فدخلت إلى أبي حاتم السجستاني فجاء رسول الوالي يطلبني، فقال لي أبوحاتم: ادخل في هذا: يعني غلاف مزملة فارغاً، فدخلت فيه وغطى رأسي ثم خرج إلى الرسول وقال: ليس هو عندي فقال: أخبرت أنه دخل إليك، فقال: ادخل الدار وفتشها، فدخل فطاف كل موضع في الدار، ولم يفطن لغلاف المزملة ثم خرج فجعل أبوحاتم يصفق، وينادي: على المزملة المبرد، وتسامع الناس بذلك فلهجوا به ثم قال: وقيل: ان الذي لقبه بهذا اللقب شيخه أبوعثمان، وقيل غير ذلك.
في قصر الخليفة
نشأ المبرد بالبصرة، حتى إذا لمع نجمه طلبه الخليفة المتوكل إلى سُرّ من رأى (سامراء) بناء لنصيحة يزيد بن محمد المهلبي الذي كان يريد للخليفة عالماً وأديباً، يساهم في جعل بلاطه منتدى للأدباء والعلماء، وقد رحل المبرد إلى بغداد بعد قتل المتوكل سنة 247ه فالتقى هناك أحمد بن يحيى ثعلب والزجاج وابن الخياط، وقيل إن الزجاج فاتحه بأربع عشرة مسألة، فأجابه عنها جميعاً، فلما رأى ذلك منه قال لأصحابه: عودوا إلى الشيخ ثعلب فلست مفارقاً هذا الرجل، ولا بد لي من ملازمته والأخذ عنه، فعاتبه أصحابه وقالوا له: تأخذ عن مجهول، فقال لهم: لست أقول بالذكر والخمول ولكني أقول بالعلم والنظر.
كان أبوالعباس المبرد في شبابه وسيماً وجميلاً، كما كان في مشيبه ظريف الطبع، خفيف الروح، مليح الأخبار، كثير النوادر، وكان القفطي يقول عنه كان أبوالعباس محمد بن يزيد، يزيد من العلم، وغزارة الأدب، وكثرة الحفظ، وحسن الإشارة، وفصاحة اللسان، وبراعة البيان، وملوكية المجالسة، وكرم العشيرة، وبلاغة المكاتبة، وحلاوة المخاطبة، وجودة الخط، وصحة القريحة، وقرب الإفهام، ووضوح الشرح، وعذوبة المنطق، على ما ليس عليه أحد، ممن تقدمه أو تأخر عنه.
أما ابن خلكان فقد ذكره في كتابه وفيات الأعيان فقال: وكان المبرد كثير الأمالي، حسن النوادر، فمما أملاه أن المنصور ولىّ رجلاً على العميان والأيتام والقواعد من النساء اللواتي لا أزواج لهن، فدخل على هذا المتولي أحد المتخلفين ومعه ولده، فقال: إن رأيت -أصلحك الله- أن تثبت اسمي مع القواعد؟ فقال له المتولي: القواعد نساء فكيف أثبتك فيهن؟ فقال: ففي العميان. فقال: أما هذا فنعم، فإن الله تعالى يقول لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور فقال: وتثبت ولدي في الأيتام، فقال: وهذا أفعله أيضاً فإنه من يكن أنت أباه فهو يتيم، فانصرف عنه وقال أثبته في العميان، وولده في الأيتام.
حس نقدي رفيع
وعرف المبرد بحسه النقدي الرفيع في الحياة والمجتمع، كما في الأدب واللغة، وقد جمع بعضهم أخباره الظريفة ونكاته اللطيفة التي تشف عن سعة علمه، كما تشف عن جمال أدبه وحديثه، قال أبوبكر بن عبدالملك كان المبرد من أبخل الناس بكل شيء، قال أبوعبيدة بن المثنى: لا يكون النحوي شجاعاً، فقيل له وكيف؟ فقال: ترونه يفرق بين الساكن والمتحرك ولا يفرق بين الموت والحياة؟ فقال المبرد: وأنا أقول إنه لا يكون نحوي جواداً. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: ترونه يفرق بين الهمزتين ولا يفرق بين سبب الغنى والفقر! يريد أن الإمساك سبب من أسباب الغنى، والعطاء سبب من أسباب الفقر، وتبع ذلك أنه كان مقتصداً في زيه وملبسه، فقد ذكر ابن خلكان أنه كثيراً ما كان ينشد في مجالسه:
يا من تلبس أثواباً يتيه بها
تيه الملوك على بعض المساكينِ
ما غيرّ الجُل أخلاق الحمير ولا
نقشُ البراذِعِ أخلاق البراذينِ
ولا شك أن المبرد كان من الشعراء المعدودين، وقد ذكره المرزباني في معجم الشعراء فقال: إنه دخل إلى المتوكل فقال له: يا بصري، أرأيت أحسن وجهاً مني؟ قال: فقلت: ولا أسمح راحة، ثم تجاسرت فقلت:
جهرتُ بحلفةٍ لا أتقيها
لشكٍ في اليمين ولا ارتيابِ
بأنك أحسنُ الخلفاءِ وجهاً
وأسمحُ راحتين ولا أحابي
وأن مطيعك الأعلى جدوداً
ومن عاصاك يهوى في تبابِ
فقال لي: أحسنت، وأجملت في حسن طبعك، وبديهتك.
الكامل في الأدب
وإذا ما انتهينا إلى مؤلفات المبرد، فإن الكتب التي ألفها أبوالعباس، تكاد أن تلامس فروع العربية جميعاً، غير أن حوادث الأيام كانت قد عصفت بكثير منها، وقد بقي لنا أنفس مؤلفاته، ويأتي كتابه الكامل في الأدب ليشكل لنا صورة صادقة لما انطبع في نفس المبرد من معارف، وما تثقف به من ثقافات لغوية ونحوية وأدبية، وما اشتمل عليه من أسلوب في فن الكتابة والحديث، وخير ما نستشهد به على ذلك قول أبي الفرج المعافى (ت: 390 ه) في كتابه الجليس الصالح حيث قال في مقدمته عن الكامل: إنه ضمنه أخباراً وقصصاً لا إسناد لكثير منها، أودعه من اشتقاق اللغة، وشرحها، وبيان أسرارها، وفقهها ما يأتي به مثله لسعة علمه، وقوة فهمه، ولطيف فكرته، وصفاء قريحته، ومن جُلى النحو والإعراب وغامضهما، ما يقل وجود من يسد فيه مسده.
ولا شك أن أظهر عمل للمبرد من الناحية الأدبية، هو الجمع والاختيار للقصص والنوادر والأخبار، وقد قيل: اختيار الرجل وافر عقله. وقال افلاطون: عقول الناس مدونة في أطراف أقلامهم، وظاهرة في حسن اختيارهم ولا شك أن ما تفرق في ثنايا الكامل للمبرد، من تقسيم تشبيهات العرب إلى مفرط ومصيب ومقارب وبعيد، وذكر ما خرج من باب الاحتيال إلى باب الاستحسان، ثم جمل جودة الألفاظ وحسن الرصف واستواء النظم، بالإضافة إلى إشارته إلى طريف المعاني، وما تعرض له من فصول النقد الأدبي وأخذ المعاني وتوليدها فإن كل ذلك إنما يدل على ذوقه الأدبي الرفيع فجعل ابن خلدون الكامل من أركان الأدب الأربعة.