اسمه: صُدَيّ (بالتصغير) بن عجلان بن الحارث، ويقال: بن وهب، ويقال: بن عمرو بن وهب بن عريب بن وهب بن رياح بن الحارث بن معن بن مالك بن أعصر الباهلي، وغلبت عليه كنيته أبو أمامة الباهلي، واشتهر بها، من المكثرين من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثم قال له:يا أبا أمامة، إنّ مِنَ المؤمنين مَنْ يَلينُ له قلبي، بايع النبي صلى الله عليه وسلم في بيعة الرضوان، ويروى عنه أنه قال: لما نزلت: لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (الفتح18)، قلت: يا رسول الله أنا ممن بايعك تحت الشجرة، قال صلى الله عليه وسلم: أنت مني وأنا منك.
طالب الشهادة
ظل أبو أمامة ملازمًا النبي صلى الله عليه وسلم في جميع غزواته، لا يتخلف عن غزوة، ولا يتقاعس عن جهاد، وشارك رضي الله عنه في جميع الحروب مع خلفاء الرسول، وكان رضي الله عنه من طلاب الشهادة في سبيل الله، ملحا عليها ابتغاء رضوان الله، وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة، قال: أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة، فأتيته فقلت: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم سلمهم وغنمهم، قال: فسلمنا وغنمنا، قال ثم أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوا ثانيا فأتيته فقلت: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم سلمهم وغنمهم، قال: ثم أنشأ غزوا ثالثا فأتيته فقلت: يا رسول الله إني أتيتك مرتين قبل مرتي هذه فسألتك أن تدعو الله لي بالشهادة فدعوت الله عز وجل أن يسلمنا ويغنمنا فسلمنا وغنمنا، يا رسول الله فادع الله لي بالشهادة، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم سلمهم وغنمهم، قال فسلمنا وغنمنا، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله مرني بعمل، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له، يقول الراوي: فما رئي أبو أمامة ولا امرأته ولا خادمه إلا صياما، فكان إذا رئي في دارهم دخان بالنهار قيل اعتراهم ضيف، نزل بهم نازل.
ولكن أبا أمامة لا يتوقف عن سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم عن عمل آخر يقربه إلى الله عز وجل وقد رأى خيرا كثيرا من وراء ملازمة الصوم يقول: فلبثت بذلك ما شاء الله ثم أتيته فقلت: يا رسول الله أمرتنا بالصيام فأرجو أن يكون قد بارك الله لنا فيه، يا رسول الله فمرني بعمل آخر، قال صلى الله عليه وسلم: أعلم أنك لن تسجد لله سجدة إلا رفع الله لك بها درجة، وحط عنك بها خطيئة.
وكان رضي الله عنه يسعى صادقًا ليحصل شرف الجهاد في سبيل الله، وفي يوم بدر أراد أن يخرج مع رسول الله فقال له خاله أبو بردة بن نيار: ابق مع أمك العجوز، لتقض حاجتها، فقال له أبو أمامة: بل ابق أنت مع أختك. وظل كل منهما يريد أن يخرج مع رسول الله للجهاد، فاحتكما إلى رسول الله في ذلك، فأمر رسول الله أبا أمامة أن يبقى مع أمه.
صاحب الكرامات
بعثه رسول الله إلى قومه (باهلة) يدعوهم إلى الله عز وجل، ويعرض عليهم شرائع الإسلام، فرفضوا منه وكان له معهم قصة عجيبة، ويروي الواقعة أبوغالب صاحب أبي أمامة عن أبي أمامة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم أدعوهم إلى الله وإلى رسوله وأعرض عليهم شرائع الإسلام فأتيتهم وقد سقوا إبلهم واحتلبوها وشربوا فلما رأوني قالوا: مرحبا بصدي بن عجلان، قالوا: بلغنا أنك صبوت إلى هذا الرجل، قال: قلت: لا ولكني آمنت بالله ورسوله وبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم أعرض عليكم الإسلام وشرائعه، قال: فبينا نحن كذلك، إذ جاءوا بقصعة من دم فوضعوها، واجتمعوا عليها يأكلونها، قال: قالوا هلم يا صدي، قال: قلت ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم، بما أنزله الله عليه، قالوا: وما ذاك؟، قال: فتلوت عليهم هذه الآية: حُرمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَديَةُ وَالنطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السبُعُ إِلا مَا ذَكيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُر فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِن اللّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ (المائدة3)، قال: فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ويأبون علي، فلما أطال الحديث معهم، ويئس منهم، قال لهم: ويحكم اسقوني شربة من ماء فإني شديد العطش، قالوا: لا ولكن ندعك حتى تموت عطشًا، وكان عليه عباءة، يقول: فاغتممت وضربت برأسي في العباءة، ونمت في الرمضاء في حر شديد، قال: فأتاني آتٍ في منامي بقدح زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس شرابا ألذ منه، فأمكنني منها فشربتها، فحيث فرغت من شرابي استيقظت، يقول: وقد عظم بطني، فلما رآه القوم قد استيقظ قال رجل منهم: أتاكم رجل من خياركم وأشرافكم فرددتموه، اذهبوا إليه فأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي، يقول: فأتوني بطعام، قال: لا حاجة لي في طعامكم وشرابكم، فإن الله قد أطعمني وسقاني، فانظروا إلى حالتي التي أنا عليها، ثم أظهر لهم بطنه، فلما رأوها مملوءة، وليس به عطش ولا جوع، قالوا له: ماذا حدث يا أبا أمامة، فحكى لهم ما رآه في منامه، فأسلموا جميعًا، يقول: فآمنوا بي وبما جئتهم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفاز أبو أمامة بشربة يقول عنها: فلا والله ما عطشت ولا غرثت (جعت) بعد تلك الشربة.
ولأبي أمامة كرامة باهرة جزع هو منها، فقد روى أنه تصدق بثلاثة دنانير فلقي تحت كراجته ثلاث مائة دينار، وقد جاءه أحدهم وقال: يا أبا أمامة، إني رأيت في منامي الملائكة تصلي عليك، كلّما دخلتَ وكلّما خرجت، وكلّما قمت وكلّما جلست، قال أبو أمامة: اللهم غفرًا، دَعُونا عنكم، ثم أردف يقول: وأنتم لو شئتم صلّت عليكم الملائكة، ثم قرأ قوله تعالي: يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا، هُوَ الذِي يُصلي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم منَ الظلُمَاتِ إِلَى النورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (سورة الأحزاب).
علم غزير
صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع منه، وروى عنه علمًا كثيراً، فكان من المكثرين في الرواية، وأكثر حديثه عند الشاميين، وفي كتابه أسماء الصحابة وما لكل واحد منهم من العدد وضعه ابن حزم الأندلسي رقم سابع عشر في المكثرين من أصحاب المائتين، وذكر أن له مائتي حديث وخمسين حديثًا، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وروى عن عمر بن الخطاب (في الترمذي وابن ماجه)، وعن عثمان بن عفان، وعن علي بن أبي طالب، وعن أبي عبيدة بن الجراح، وعن معاذ بن جبل، وعن عمار بن ياسر، وعن عبادة بن الصامت (في الترمذي والنسائي وابن ماجه)، وروى عن عمرو بن عبسة (في مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي)، كما روى عن أبي الدرداء.
وروى عنه كل من أزهر بن سعيد الحرازي (البخاري)، وأسد بن وداعة، وأيوب بن سليمان الشامي (ابن ماجه)، وحاتم بن حريث الطائي (النسائي)، وحصين بن الأسود الهلالي، وخالد بن معدان (البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه)، وراشد بن سعد المقرائي (ابن ماجه)، ورجاء بن حيوة الكندي (النسائي)، وزيد بن أرطأة الفزاري (الترمذي)، وسالم بن أبي الجعد (الترمذي وابن ماجه)، وسليم بن عامر الخبائري (البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه)، وسليمان بن حبيب المحاربي (البخاري وأبو داود وابن ماجه)، وسيار الشامي (الترمذي)، ومولى آل معاوية بن أبي سفيان، وشداد أبو عمار الدمشقي (مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي)، وشرحبيل بن مسلم الخولاني (أبو داود والترمذي وابن ماجه)، وشريح بن عبيد الحضرمي (أبو داود)، شهر بن حوشب (أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه)، وصفوان الطائي الأصم، وضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدي (الترمذي والنسائي)، وعبدالله بن يزيد بن آدم الدمشقي، وعبد الأعلى بن هلال السلمي، وعبدالرحمن بن سابط الجمحي المكي (الترمذي والنسائي)، وعبدالرحمن بن ميسرة الحضرمي، وعبدالواحد بن قيس، وعبيدالله بن بسر الحمصي (الترمذي)، وعمرو بن عبدالله الحضرمي (أبو داود)، وغيلان بن معشر، وفضال بن جبير، ويقال: ابن الزبير، والقاسم أبو عبدالرحمن مولي بني أمية (البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه)، وقحافة بن ربيعة، وكهيل بن حرملة، ولقمان بن عامر (النسائي وابن ماجه)، ومحمد بن زياد الألهاني ( البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه)، ومحمد بن سعد بن زرارة المدني (النسائي)، ومكحول الشامي (ابن ماجه)، وأبو طلحة نعيم بن زياد (النسائي)، والهيثم بن يزيد الوليد بن عبدالرحمن الجرشي، ويحيى بن أبي كثير (مسلم)، ويزيد بن خمير، ويزيد بن شريح الحضرمي (ابن ماجه)، وأبو إدريس الخولاني، وأبو حفص الدمشقي (ابن ماجه)، وأبوسلام الأسود (مسلم الترمذي وابن ماجه)، وأبو صالح الأشعري (ابن ماجه)، ويقال: الأنصاري، وأبو طيبة الكلاعي (ابن ماجه)، وأبو عامر الألهاني، وأبوالعلاء الشامي (الترمذي وابن ماجه)، وأبو غالب الراسبي (البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه)، وأبو اليمان الهوزني.
وصيته ووفاته
عُمر أبو أمامة طويلا سكن مصر، ثم انتقل منها فسكن حمص من الشام، وظل حريصا على أن يبلغ ما معه من علم كثير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أدركه من المسلمين، ويروي سُلَيم بن عامر فيقول: كنّا نجلس إلى أبي أمامة، فيُحدّثنا كثيرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: اعقِلوا، وبَلّغوا عنّا ما تسمعون، ودخل سليمان بن حبيب المحاربي مسجد حمص، فإذا مكحول وابن أبي زكريا جالسان فقال: لو قمنا إلى أبي أمامة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدّينا من حقّه وسمعنا منه، فقاموا جميعًا وأتوه وسلّموا عليه، فردّ السلام وقال: إنّ دخولكم عليّ رحمةٌ لكم وحجّة عليكم، ولم أرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، من شيءٍ أشد خوفًا من هذه الأمة من الكذب والمعصية، ألا وإنه أمرنا أن نبلّغكم ذلك عنه، ألا قد فعلنا، فأبْلِغوا عنّا ما قد بلّغناكم.
وكان رضي الله عنه يقول: المؤمنُ في الدنيا بينَ أربعةٍ: بين مؤمن يحسده، ومنافق يُبغضه، وكافر يُقاتله، وشيطان قد يُوكَلُ به، وظل يوصي المسلمين فيقول: حبّبوا الله إلى الناس، يُحْبِبْكُم الله.
مات أبو أمامة الباهلي سنة ست وثمانين، وقيل: سنة إحدى وثمانين، وأخرج البخاري في تاريخه من طريق حميد بن ربيعة: رأيت أبا أمامة خرج من عند الوليد بن عبدالملك في ولايته سنة ست وثمانين، وقال ابن عيينة: هو آخر من مات من الصحابة بالشام.
يقول سعيد الأزدي: شهدت أبا أمامة وهو في النزع، فقال لي يا سعيد إذا أنا مت فافعلوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لنا إذا مات أحدكم فنثرتم عليه التراب، فليقم رجل منكم عند رأسه ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمع ولكنه لا يجيب، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي جالسًا، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ثم ليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًا، وبمحمد نبيًا، وبالإسلام دينًا، فإنه إذا فعل ذلك قال منكر ونكير: اخرج بنا من عند هذا، ما نصنع به، وقد لقن حجته، قيل يا رسول الله فإن لم أعرف أمه، قال: انسبه إلى حواء.