هو من كبار الصحابة، وأحد السابقين الأولين من الأنصار، كان من أحب الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، خصه النبي لما قدم المدينة بالنزول عليه في بيته، فأقام عنده، وأحاط رضي الله عنه النبي بالحفاوة التي هو أهل لها، وبالغ في إكرامه، وبقي صلى الله عليه وسلم في بيته حتى انتهى من بناء المسجد، وبنيت له حجرة أم المؤمنين سودة.

وهو الذي كذب ما قيل في حديث الإفك عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت له امرأته أم أيوب: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟، قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟، قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك، فنزلت: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين) (النور: 12).

وكان رضي الله عنه زاهدا ورعا لا يحب البذخ أو الترف، ويحاسب المرء على قدر ورعه، وقد دعي إلى عرس سالم بن عبد الله بن عمر، وكان عبد الله معروفا بورعه وزهده وإحسانه، فدخل البيت فوجدهم قد زينوه بالستائر، فغادر المكان معاتبا، يروي سالم: أعرست، فدعا أبي الناس، فيهم أبو أيوب، وقد ستروا بيتي بجنادي أخضر، فجاء أبو أيوب فطأطأ رأسه، فنظر فإذا البيت مستر، فقال: يا عبد الله تسترون الجدر؟، فقال أبي: غلبنا النساء يا أبا أيوب، فقال: من خشيت أن تغلبه النساء، فلم أخش أن يغلبنك، لا أدخل لكم بيتا، ولا آكل لكم طعاما.

إنه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، حفيد مالك بن النجار، اسمه خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عمرو بن عوف بن غنم بن مالك بن الخزرج، وأمه هند بنت سعيد بن عمرو من بني الحارث بن الخزرج، أسلم قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة مع السبعين من الأنصار، وشارك معه في معركة الإسلام الأولى بدر، وشهد الغزوات الأخرى كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أبي أيوب الأنصاري وبين مصعب بن عمير، أول سفير له إلى المدينة قبل هجرته صلى الله عليه وسلم إليها.

بيت مبارك

كان لأبي أيوب مكانة كبيرة وحظ شريف في أول أيام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة، وكانت فرحة المسلمين عظيمة بقدوم نبي الله إليهم، فخرجت جموعهم تستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزاحم الناس حول زمام ناقته، كل يريد أن يستضيفه، وبلغ الموكب دور بني سالم بن عوف فاعترضوا طريق الناقة وهم يقولون: يا رسول الله، أقم عندنا، فلدينا العدد والعدة والمنعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم وقد قبضوا بأيديهم على زمام الناقة: (خلوا سبيلها، فإنها مأمورة)، ويمضي الركب المبارك في طريقه، ويصل إلى حي بني ساعدة، فحي بني الحارث، فحي بني عدي، ويخرج من كل حي أهله يعترضون طريق الناقة يملؤهم الأمل في أن يسعدوا بنزول رسول الله في ديارهم، وفي كل مرة يسمعون قولته صلى الله عليه وسلم: (خلوا سبيلها، فإنها مأمورة)، وفي حي بني النجار، أخوال النبي، تبرك الناقة المأمورة أمام دار أبي أيوب، ثم نهضت وطوفت بالمكان، ثم عادت إلى مكانها الأول، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مستبشرا بقدر الله، وقد عمرت الفرحة قلب أبي أيوب وهو يحمل متاع النبي ليدخله بيته، ويدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (المرء مع رحله)، ليكون حظ أبي أيوب أن يكون النبي ضيفه، وأن تكون داره أول دار يسكنها في دار الهجرة، وهي مكانة يغبطه عليها كل أهل المدينة.

وكان بيت أبي أيوب من طابقين، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل في السفل فقال أبو أيوب: العلو يا رسول الله، ويقول: صلى الله عليه وسلم: (لا السفل أهون علينا، وعلى من يغشانا)، فكان له ما أراد، حتى كانت ليلة أهريق في الغرفة ماء، فقام أبو أيوب وأم أيوب بقطيفة لهم يتدثرون بها يتتبعون الماء ينشفونه قبل أن يخلص الماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشفق الزوجان الكريمان من أن يكون صلى الله عليه وسلم في السفل وهما يعلوانه، وقال أبو أيوب مستنكرا: نمشي فوق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنحوا فباتوا في جانب الغرفة، وفي الصبح قال: يا رسول الله إنه ليس ينبغي أن نكون فوقك، انتقل إلى الغرفة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: السفل أرفق، فقال أبو أيوب: لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فأمر صلى الله عليه وسلم بمتاعه فنقل، يقول أبو أيوب: ومتاعه قليل، وتحول النبي صلى الله عليه وسلم في العلو، وأبو أيوب في السفل.

أكره ما تكره

وكان رضي الله عنه يصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما، فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه، فيتتبع موضع أصابعه، وفي يوم صنع له طعاما فيه ثوم، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: لم يأكل، ففزع وصعد إليه، فقال: أحرام هو؟، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا، ولكني أكرهه)، قال: فإني أكره ما تكره، أو ما كرهت.

وقد بقي النبي صلى الله عليه وسلم على وده مع أبي أيوب ولم ينقطع عن الذهاب إلى بيته، ويروى أن أبا بكر خرج بالهاجرة إلى المسجد فسمع عمر فقال: يا أبا بكر ما أخرجك هذه الساعة؟، قال: ما أخرجني إلا ما أجد من الجوع، قال: وأنا والله ما أخرجني غيره، فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أخرجكما هذه الساعة؟، قالا: والله ما أخرجنا إلا ما نجده في بطوننا من الجوع، قال: وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني غيره فقوما، فانطلقوا حتى أتوا باب أبي أيوب الأنصاري، وكان يدخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما أو لبنا فأبطأ عليه يومئذ، فلم يأت لحينه، فأطعمه لأهله، وانطلق إلى نخله يعمل فيه، فلما انتهوا إلى الباب، خرجت امرأته فقالت: مرحبا بنبي الله وبمن معه، قال لها صلى الله عليه وسلم: أين أبو أيوب؟، فسمعه وهو يعمل في نخل له، فجاء يشتد فقال: مرحبا بنبي الله وبمن معه، يا نبي الله ليس بالحين الذي كنت تجيء فيه، فقال صلى الله عليه وسلم: صدقت، فانطلق فقطع عذقا من النخل فيه من كل من التمر والرطب والبسر، فقال صلى الله عليه وسلم: ما أردت إلى هذا، ألا جنيت لنا من تمره؟، قال: يا رسول الله أحببت أن تأكل من تمره ورطبه وبسره، ولأذبحن لك مع هذا، قال: إن ذبحت فلا تذبحن ذات در، فأخذ عناقا أو جديا فذبحه، وقال لامرأته: اخبزي واعجني لنا وأنت أعلم بالخبز، فأخذ نصف الجدي فطبخه وشوى نصفه، فلما أدرك الطعام ووضع بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أخذ من الجدي فجعله في رغيف وقال: يا أبو أيوب أبلغ فاطمة فإنها لم تصب مثل ذلك منذ أيام، فذهب أبو أيوب إلى فاطمة، فلما أكلوا وشبعوا قال النبي صلى الله عليه وسلم: خبز ولحم وتمر وبسر ورطب، ودمعت عيناه، والذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، فكبر ذلك على أصحابه، فقال: بل إذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم فقولوا باسم الله، فإذا شبعتم فقولوا الحمد لله الذي أشبعنا وأنعم علينا فأفضل، فإن هذا كفاف بهذا، فلما نهض قال لأبي أيوب ائتنا غدا، وكان لا يأتي أحد إليه معروفا إلا أحب أن يجازيه، إلا أن أبا أيوب لم يسمع ذلك، فقال عمر رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تأتيه غدا، فأتاه من الغد فأعطاه وليدته، فقال: يا أبا أيوب استوص بها خيرا فإنا لم نر إلا خيرا مادامت عندنا، فلما جاء بها أبو أيوب من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا أجد لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا له من أن أعتقها فأعتقها.

أمام أسوار القسطنطينية

عاش أبو أيوب جنديا من جنود الإسلام، ومات غازيا في سبيل الله شجاعا، مقداما، لا يغيب عن حرب، ولا يتكاسل عن غزو، وشهد مع رسول الله الغزوات كلها، وحتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يتخلف عن غزوة كتب للمسلمين أن يخوضوها إلا غزوة قد أمر فيها على الجيش شاب لم يقنع أبو أيوب بإمارته، فقعد ولم يخرج معهم، ولكنه ما لبث أن ندم على موقفه هذا وجعل بعد ذلك العام يتلهف ويقول: ما علي من استعمل علي؟ وما علي من استعمل علي؟ وما علي من استعمل علي؟ يؤنب نفسه.

وكانت آخر غزواته حين جهز معاوية رضي الله عنه جيشا بقيادة ابنه يزيد، وكان الهدف فتح القسطنطينية، وكان أبو أيوب قد صار شيخا طاعنا في السن يحبو نحو الثمانين من عمره، ولم يمنعه ذلك من تلبية نداء الجهاد، فكان أن حمل سيفه على عاتقه وهو يقرأ قوله تعالى: (انفروا خفافا وثقالا)، وكان يقول وكأنه يحدث نفسه: لا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا، وخرج معهم مجاهدا.

ويروي أسلم أبو عمران قال: كنا بالقسطنطينية، وصففنا صفا عظيما من المسلمين، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا مقبلا، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار: إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصريه، قلنا فيما بيننا بعضنا لبعض سرا من الله إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله في كتابه يرد علينا ما هممنا به، فقال: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) (البقرة: 195)، بالإقامة التي أردنا أن نقيم في الأموال ونصلحها، فأمرنا بالغزو، يقول أبو عمران: فما زال أبو أيوب غازيا في سبيل الله حتى مرض فذهب قائد الجيش يزيد بن معاوية يعوده، وقال له: ما حاجتك أبا أيوب؟، فقال: (إذا أنا مت فاحملوني إلى أرض العدو ثم ادفنوني)، فكانت آخر وصاياه أن حض المسلمين على القتال، وأن يحملوه معهم ليدفنوه عند أسوار القسطنطينية، وكان آخر حديثه معهم بلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: أما إني أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: (من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة)، ولفظ المجاهد الكبير أنفاسه الطاهرة، وكان له ما أراد، فلما كان الصباح قالت الروم للمسلمين: لقد كان لكم في الليل شأن عظيم، فقالوا: هذا رجل من أكابر أصحاب نبينا، وأقدمهم إسلاما، قد دفناه حيث رأيتم، والله لئن نبش قبره لا يضرب لكم ناقوس في بلاد العرب ما كانت لنا دولة، فكان مدفنه في المنطقة الواقعة على الضفة الجنوبية الغربية لخليج القرن الذهبي في شمال غرب أسوار القسطنطينية، وبقي الروم يتعاهدون قبره ويزورونه.

مروياته

روى أبو أيوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بن كعب، وله في مسند بقي بن مخلد مائة وخمسة وخمسون حديثا، وروى له: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، واتفق له البخاري ومسلم على سبعة أحاديث، وانفرد له البخاري بحديث، وانفرد له مسلم بخمسة أحاديث، وحدث عنه من الصحابة أبو أمامة الباهلي، والبراء بن عازب، وزيد بن خالد الجهني، والمقدام بن معدي كرب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وجابر بن سمرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وروى عنه من التابعين: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يزيد الليثي، وعطاء بن يسار وغيرهم.