إنه عبدالوهاب بن أحمد بن عبدالرحمن بن سعيد بن حزم الأندلسي، أحد الكتاب الأندلسيين. نشأ في قرية الزاوية وهي إحدى قرى أونية ثم انتقل إلى بلاد الثغر فولي الوزارة للمستظهر بالله عبدالرحمن بن هشام، وكتب عن عدة ملوك، وألف تآليف كثيرة، فاتسعت ثروته وعظم جاهه، غير أن المنية عاجلته وهو في ريعان الشباب، فمات سنة 437ه/1046م.

وكثيراً ما يخلط الباحثون والمؤرخون القدماء بينه وبين أبي محمد علي بن أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم الفقيه والأديب، فكلاهما من بيت واحد، وهما ابنا عم، غير أن أبا محمد بن حزم كان فقيهاً وعالماً، بينما كان أبوالمغيرة بن حزم كاتباً وشاعراً، وقد عاش هذا الأخير في أواخر القرن الرابع وشهد فجر القرن الخامس. ومما جاء في اخباره أنه تولى الوزارة للمستظهر بالله عبدالرحمن بن هشام، غير أنه مات شاباً، وكان ذلك سبباً في خمول ذكره.

سجال مع ابن العم

ولو عاش أبوالمغيرة طويلاً لطبقت شهرته الآفاق، كذلك فإن شخصية ابن عمه أبي محمد بن حزم، كانت قد طغت عليه، فأغرقته في لجيج من النسيان، خصوصاً وأنه كان معاصراً له ومن اللافت أن يتنبأ له ابن عمه بالخمول، إذ جرت بينهما مقارعات فكتب إليه أبو محمد يقول:

كفاني بذكر الناس لي ومآثري

ومالك فيهم يا ابن عمي ذاكر

عدوي وأشياعي كثير كذلك من

غدا وهو نفاع المساعي وضائر

ومالك فيهم من عدو فيتقى

ولا لك فيهم من صديق يكاثر

وقولي مسوع له ومصدق

وقولك منبت مع الريح طائر

وإني وإن آذيتني وعققتني

لمحتمل ما جاءني منك صابر

وقد رد عليه أبوالمغيرة بقصيدة لاذعة طويلة غير أن المكان لا يتسع لها في هذه العجالة، ومما جاء فيها:

وغاصب حق أوبقته المقادر

يذكرني حاميم والرمح شاجر

غدا يستعير الفخر من خيم خصمه

ويجهل ان الحق أبلج ظاهر

ألم تتعلم يا أخا الظلم أنني

برغمك ناه منذ عشر وآمر

تذلل لي الأملاك حر نفوسها

وأركب ظهر النسر والنسر طائر

وأبعث في أهل الزمان شوارداً

تؤلفهم وهي الصعاب النوافر

فإن أثو في أرض فإني ثائر

وإن أنأ عن قوم فإني حاضر

والواقع أن أبا المغيرة كان يرد على ابن عمه في رسائل نثرية، كما رد عليه في قصائد شعرية، وهو دائم السخرية منه ومن علومه، إذ بعث إليه برسالة يقول: نسيت أبا محمد حاشيتك وشيعتك التي صرت رئيس مدارسهم وكبير أحراسهم، وتحدثهم عما كان فيهم من العبر، وتخبرهم بما تعاقب عليهم من الصفا والكدر، فتارة عن السامري والعجل، وتارة عن القمل والنمل، وطوراً تبكيهم بحديث التيه، وطوراً تضحكهم بقوم جالوت وذويه، حتى كأن التوراة مصحفك وبيت الحزان معتكفك.

ويحدثنا ابن بسام بأن أبا المغيرة كان أنبه من أبي محمد في حضور شاهده، وذكاء خاطره، وحسن هيئته، وبراعة ظرفه، وجودة أدبه. ولعمري ان هذه الصفات التي يذكرها له كان يتميز بها الأديب عن الفقيه.

إحساس مرهف

وهناك ميزات أخرى اتسم بها أبو المغيرة بن حزم الكاتب، في رسائله كما في قصائده، وهي انه كان دقيق الحس، رهيف الأسلوب، يملك ناصية الفصاحة والبلاغة ويحسن تقسيم الموضوعات وايفاءها حقها من البيان والوضوح. بالاضافة إلى ذلك فقد كان يحضر مجالس الأنس والأدب، وكانت له رسائل تنم عن حسن اختياره لأطايب الحياة، كما تنم عن الدعوة إلى تلك المجالس، والتي تذكر بمجالس الميكالي وسيف الدولة وابن العميد؛ ولنقرأ قطعة من رسالة له:

فالأرض قد نشرت ملاءها، وسحبت رداءها، ولبست جلبابها وتقلدت سحابها. وبرز الورد من كمامه، واهتز الروض لتغريد حمامه، والأشجار قد نشرت شعورها، وهرت رؤوسها، والدنيا قد أبدت شموسها وأماطت عبوسها. وكأني بها قد أطلعت من كل ثمر ضروباً، وأبدت من حناها منظراً عجيباً. وإن كنا لا نشارك في تلك إلا باللسان لا بالعيان، وبالطرف لا بالكف، وللدهر قسم من أقسام اللذة، وصنف من أصناف الشهوة:

شهدنا إذ رأيناهم بأنا

على اللذات في الدنيا شهود

ومن خلال رسالته هذه، تستبين لنا روح الكاتب المفعمة بالحب والحياة والاقبال على الدنيا بتلهف وشهوة. وهذا ما جعله شديد الحذر وشديد الحساسية من الناس لأن الخلق لا تتكشف طبائعهم إلا لمن يأنس إليهم في المجالس والملاعب وأوقات اللهو والسمر. ولهذا نراه ينظر إلى العالم نظرة مشربة بالتحفظ والكتمان، ويقرر ان الحيطة والحذر من الناس، انما يكون من أجل صيانة النفس عن الوقوع في الشرور. أليس هو القائل:

لا عدو للإنسان إلا نفسه، ولا حية ولا عقرب إلا من جنسه.

فأبو المغيرة بن حزم، يبدو لنا من خلال نثره الجميل في رسائله واحداً من العقلاء والحكماء، الذين كانت الحكمة لا تأتيهم إلا بعد التجربة الحسية المباشرة. فلم تكن له مثل هذه الدعوة، إلا بعد ان عانى الأمرين من غدر الناس والخلان به. وبعد ان ذاق كيف تكون الخيانة والعقوق. فلم تبلغ منه الحكمة مبلغها، ولم يصل إلى مستوى رفيع من الموعظة، إلا بعد أن كادت يداه ان تكتويا، وكاد رأسه ان يشتعل، مما تنطوي عليه صدور الأصحاب والألاف والاصدقاء، من مظلمات النيات ومنكرات الأغراض، ومن أذى الطبيعة الإنسانية ولؤمها، حين تبيح كل شر.

نثر رصين

والواقع ان نثر أبي المغيرة بن حزم، في جملته متين ورصين. غير أنه كان يتطرق أحياناً إلى شيء من قبح التحمل ودمامة التكلف. علماً أن نثره في معظمه، مسجوع. ونحن نجد في الذخيرة شواهد كثيرة على تكلفه الممض، وربما كان ذلك من أثر الشباب، او انه كان من أعمال البدايات. علماً ان الكاتب اتخذ النثر أداة للتعبير عن الأبواب الخاصة بالشعر، مثل الغزل والمديح. فكان بذلك يقلد بديع الزمان الهمذاني الذي نراه يحرص على أن يؤدي بالنثر كل ما يمكن أن يؤدى بالشعر. ونحن نرى في نثر أبي المغيرة نفحة قوية من نفحات نثر بديع الزمان، مما يؤكد لنا ان رسائل الهمذاني، كانت قد وصلت مسرعة إلى الأندلس، واطلع عليها المتأدبون هناك وتأثروا بها كل التأثر. وخير دليل على ذلك رسالة أبي المغيرة التي تمثل روح الهمذاني أصدق تمثيل: فكم ليث كان في غابة، سمعت صريف أنيابه، وقفر أنست في يبابه، إلى عواء ذئابه، لا أمر إلا بالنص المستلب، ولا ألقى غير الخارب المنتهب. والشعار عند النائبة ألقاها فاتخطاها، والنازلة أراها فاتعداها. ثم يقول: فكبرت إكباراً لما صرت إليه، وهللت إعظاماً لما سقطت عليه. وعلمت أني في الحرم الذي لا يضار جنابه ولا يطار غرابه. ولا يخضر شجره، ولا يمنع ثمره. ولم ألبث أن نزلت بالبقاع الخصيب، وتمكنت من الرشاء والقليب.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية