بقلم: محمد حماد

الإمام أبو حنيفة النعمان هو أول الأئمة الأربعة ميلاداً وأولهم وفاة، حيث ولد في الكوفة عام 80 من الهجرة، الموافق لسنة 699 من الميلاد، وكان مولده في ولاية الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وأبوه: هو ثابت بن النعمان بن زوطي بن ماه، وهناك خلاف حول ما إذا كان من أصول فارسية أم أصول عربية، والرواية المتداولة أنه من أصل فارسي، وفي رواية أنه بابلي عراقي من الأنباط منذ القدم، وهو ما ثبت في عدد من الدراسات الأكاديمية التاريخية، حيث ثبتت عروبته، وبهذا قال عدد من المؤرخين العرب من العراق وغيرهم، ولناجي معروف كتاب «عروبة الإمام أبي حنيفة النعمان»، يثبت فيه انتماء أبي حنيفة إلى أصل عربي بسند تأريخي، يبطل ما قيل عنه بأنه غير عربي. إضافة إلى أن المصادر الحنفية تؤكد عروبته، وأن أباه ثابت بن المرزبان، من بني يحيى بن زيد بن أسد، من عرب الأزد الذين هاجروا من اليمن، وسكنوا أرض العراق بعد انهيار سد مأرب.

نبوغ مبكر

أبو حنيفة هو إمام مذهب «أهل الرأي»، وصاحب ومؤسس أول مدرسة فقهية خاصة تعتمد إلى جانب قبول النص واحترامه على إعمال الفكر واستنباط الحكم والاجتهاد في تفسير النص، ويبقى مذهبه على مر الزمان وتغير المكان وتبدل الظروف صورة حية لفاعلية الفقه الإسلامي في كل العصور.
حفظ أبو حنيفة القرآن الكريم في صغره. وحين بلغ السادسة عشرة من عمره خرج به أبوه لأداء فريضة الحج، ودرس علوم اللغة والنحو في البداية، ثم توجه إلى دراسة أصول الدين، ولعل بدايته أثرت تأثيراً كبيراً في تكوينه الفكري، وعبرت بشكل لافت عن قدراته الخاصة في مقارعة الرأي بالرأي، فقد كان في سن مبكرة يمنح اهتماماً ملحوظاً لمناقشة أهل الإلحاد والضلال، حتى قيل إنه دخل البصرة أكثر من سبع وعشرين مرة، يناقش تارة، ويجادل ويرد الشبهات عن الشريعة تارة أخرى، وكان يدفع عن الشريعة ما يريد أهل الضلال أن يلصقوه بها، فناقش جهم بن صفوان حتى أسكته، وجادل الملاحدة حتى أقرهم على الشريعة، كما ناظر المعتزلة والخوارج فألزمهم الحجة، وجادل غلاة الشيعة فأقنعهم، ومضى في مجادلة الزائغين وأهل الضلال، حتى أصبح علماً يشار إليه بالبنان، وهو لا يزال في العشرين من عمره.
توجه أبو حنيفة إلى علم الفقه، وتتلمذ على حماد بن أبي سليمان، فقيه الكوفة، حتى صار مقرباً عنده، وكان يحفظ أقواله ويعيدها ببراعة جعلت حماد يعجب به، ويقول لمن حوله في مجلس العلم: «لا يجلس في صدر الحلقة بمحاذاتي غير أبي حنيفة»، وولاه أمر التدريس في وقت سفره، وتولى أبو حنيفة التدريس بعد وفاة أستاذه.
وقد وجه أبو حنيفة معظم اهتمامه إلى الفقه وتمركز فيه، ليصبح واحداً من أعلامه في جميع الأجيال، وصار «المذهب الحنفي» هو الأوسع انتشاراً بين المسلمين المنتشرين في جميع أنحاء العالم، وكان هو المذهب المتبع في الإمبراطورية العثمانية.

قول يجانبه الصواب

في زمانه كان «أهل الحديث» في المقدمة، وهم الأكثرية، وجاء هو ليؤسس لنوعية من الفقه تعتمد بعد الحديث والسنة الصحيحة على الأخذ بالرأي القائم على الاجتهاد بشروطه المعروفة شرعاً، وتزعم ما سمي من بعد «أهل الرأي»، وقد دارت بين المدرستين منازعات ومساجلات شتى، ناله منها الكثير والكثير من التجريح، وكاد له بعض المشايخ والعلماء حتى حبس وضرب وعذب، ومنع من الإفتاء لعامة الناس.
ولعله قد آن الأوان لمراجعة واحدة من المقولات التي شاعت في الكتابات عن الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان التي تحسبه على «أهل الرأي» الذين يردون من الروايات ما يخالف العقل، وتجعل منه خصماً للمتمسكين بالسنة النبوية، وتنصبه خصيماً لمدرسة «أهل الحديث» الذين تصفهم هذه المقولة بأنهم أرادوا إلغاء العقل بحجة اتباع النص حتى لو خالف العقل.
والحق أن هذا القول يجانبه الصواب على الناحيتين، فلم يكن «أهل الحديث» ممن يلغون العقل، وإن أعلوا قيمة النقل، وتشددوا في قبول الأحاديث أكثر من أبي حنيفة وأصحابه، ولم يكن الإمام يسقط السنة ويعمل بالرأي كما يقال، فهو وأهل الحديث يشتركان في حُجّية الأخبار النبوية وآثار الصحابة، وكثير من الأحناف كانوا أهل حديث، وكان بعضهم على مذهب أبي حنيفة في الرأي، وعلى مذهب أهل الحديث في قبول المرويات والدفاع عنها.
وكان الإمام أبو حنيفة نفسه يقول: «إذا جاءنا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذناه، وإذا جاءنا عن الصحابة تخيرنا، وإذا جاءنا عن التابعين زاحمناهم»، وكان يرى أن أقوال التابعين غير ملزمة، وأن له حق الاجتهاد مثلهم، فكان يقول: «قوم اجتهدوا فاجتهد كما اجتهدوا»، ويقول: «هم رجال ونحن رجال».

شورى فقهية

وكان من أهم وأفضل ابتكارات الإمام أبي حنيفة أنه كان يعرض المسائل الفقهية على العلماء من تلاميذه في حلقة الدرس، ليدلي كل بدلوه، ويذكر ما يرى لرأيه من حجة، ثم يعقِب هو على آرائهم بما يدفعها بالنقل أو الرأي، ويصوِب صواب أهل الصواب، ويؤيده بما عنده من أدلةٍ، ولربما انقضت أيام قبل تقرير مسألة ما.
يقول الموفق المكي في مناقب أبي حنيفة أنه: «وضع مذهبه شورى بينهم، لم يستبد فيه بنفسه دونهم اجتهاداً منه في الدين، ومبالغة في النصيحة لله ولرسوله والمؤمنين، فكان يلقي مسألة وراء أخرى، يقلِبها ويسمع ما عندهم، ويقول ما عنده، وربما ناظرهم شهراً أو أكثر من ذلك في المسألة الواحدة، حتى يستقر أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها القاضي أبو يوسف في الأصول، حتى أثبت الأصول كلها. وإذا أشكلت عليه مسألة قال لأصحابه: «ما هذا إلا لذنب أذنبته». ويستغفر، وربما قام وصلى، فتنكشف له المسألة، ويقول: «رجوت أنه تيب علي».

جماعة عن جماعة

لا شك أن أهم علامات التجديد في فقه أبي حنيفة اعتماد مذهبه الفقهي على القياس والرأي المستمد من أحكام القرآن والسنة، وهو في مصدره الثاني لا يأخذ إلا بالأحاديث الصحيحة، ولا يقيم للضعيفة منها وزناً في مجال الأحكام، فكان لا يقبل الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا إذا رواه جماعة عن جماعة، وكان يقول: «ردي على كل رجل يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف القرآن، ليس رداً على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا تكذيباً له، لكنه رد على من يحدث عنه بالباطل»، وهو أيضاً القائل: «كل ما خالف القرآن ليس عن رسول الله، وإن جاءت به الرواية».
وكانت له شروط اشترطها في الأخذ بالحديث جعلت ما لا يصح عنده من المرويات تصح عند «أهل الحديث»، ومن هنا جاء اتهامه من بعضهم بأنه يقدم رأيه على الحديث، وفي الحقيقة أن أبا حنيفة سلك في القياس مسلكاً فاق كل من سبقه، ولم يكن يتحرج من فتيا تحرج أهل الحديث، وقد ذكر عنده مرة قول القائل: «لا أدري نصف العلم»، فقال ساخراً: «فليقل لا أدرى مرتين ليستكمل العلم». وقد كان أبو حنيفة واحداً من رواد النهي عن التقليد، فهو القائل: «لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعرف من أين أخذناه».