محمد حماد
أكثر أبو طلحة من الصيام بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى صام أربعين سنة، لم يفطر فيها إلا العيدين، ولما قرأ في سورة التوبة: «انفروا خفافاً وثقالاً»، قال: إن ربي يستنفرني شاباً وشيخاً، جهزوني، فقال له بنوه: غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قُبض، ومع أبي بكر وعمر، فنحن نغزو عنك، فقال: جهزوني، وخرج للقتال، ومات في البحر، فلم يجدوا جزيرة ليدفنوه بها إلا بعد سبعة أيام، ولم يتغير.
«والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولـئك هم المفلحون»، (الحشر:9).
هم الأنصار الذين أثنى الله تعالى عليهم بقوله: «والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم، يحبون من هاجر إليهم»، ومن آثار هذه المحبة ما ثبت في «الصحيح» من خبر سعد بن الربيع مع عبد الرحمن بن عوف، إذ عرض سعد عليه أن يقاسمه ماله وأن ينزل له عن إحدى زوجتيه، وقد أسكنوا المهاجرين معهم في بيوتهم ومنحوهم من نخيلهم، وحسبك الأخوة التي آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار، «ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا»، يعني مما أوتي المهاجرون من الفيء، وذلك لما ذكر لنا من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قسّم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا رجلين من الأنصار، أعطاهما لفقرهما، وأما إيثار الواحد منهم على غيره منهم فما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: «أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أصابني الجهد. فأرسل في نسائه فلم يجد عندهن شيئاً فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه الله؟ فقام رجل من الأنصار (هو أبو طلحة) فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله لا تدخريه شيئاً، فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. فإذا دخل الضيف وأهوى ليأكل فقومي إلى السراج تري أنك تصلحينه فأطفئيه وأريه أنا نأكل. فقعدوا وأكل الضيف»، فنزلت: «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولـئك هم المفلحون».
نزلت فيهم جميعاً، ومنهم أبو طلحة الأنصاري - رضي الله عنه - وهو من فضلاء الصحابة، شهد العقبة مع السبعين، وشهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وكان من الرماة المذكورين، وله من الولد: عبد الله، وأبو عمير، أمهما أم سليم بنت ملحان - رضي الله عنها - وهي أم أنس بن مالك.
أعظم المهور
جاء إلى أم سليم - وهي أم أنس بن مالك - وكان قد هلك عنها زوجها، فخطبها فكلمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة، لا يصلح لي أن أتزوجك، فقال: ما ذاك مهرك؟ قالت: وما مهري؟ قال: الصفراء والبيضاء، قالت: فإني لا أريد صفراء ولا بيضاء، أريد منك الإسلام، فإن تسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره، قال: فمن لي بذلك؟ قالت: لك بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلق أبو طلحة يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله جالس في أصحابه، فلما رآه قال: جاءكم أبو طلحة غرة الإسلام بين عينيه، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قالت أم سليم، فتزوجها على ذلك، قال أنس: فما بلغنا أن مهراً كان أعظم منه، أنها رضيت الإسلام مهراً.
كان بيت أبي طلحة من أحب بيوت المسلمين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقيل فيه، وكان يلاعب ولدهما الصغير، وكان يكنى أبا عمير، وكان له نغر (عصفور صغير) يلعب به، فمات، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فرآه حزيناً، فقال: «ما شأنه؟» فقالوا: مات نغره. فقال: »يا أبا عمير، ما فعل النغير؟»
زوجة متميزة
ومرض الصبي مرضاً شديداً، وتضعضع أبو طلحة لمرضه، ولما مات الصبي، قالت أم سليم: لا ينعين إلى أبي طلحة أحد ابنه حتى أكون أنا الذي أنعاه له، فهيأت الصبي فسجت عليه، ووضعته في جانب البيت، وجاء أبو طلحة من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى دخل عليها ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه فقال: كيف ابني؟ فقالت: يا أبا طلحة ما كان منذ اشتكى أسكن منه الساعة، وأرجو أن يكون قد استراح، فأتته بعشائه فقربته إليهم فتعشوا، وخرج القوم، قال: فقام إلى فراشه فوضع رأسه، ثم قامت فتطيبت، وتصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، ثم جاءت حتى دخلت معه الفراش، فما هو إلا أن وجد ريح الطيب فكان منه ما يكون من الرجل إلى أهله، فلما كان آخر الليل، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا قوماً عارية لهم، فسألوهم إياها، أكان لهم أن يمنعوهم؟ فقال: لا. قالت: فإن الله - عز وجل - كان أعارك ابنك عارية، ثم قبضه إليه، فاحتسب واصبر. فغضب، وقال: تركتني حتى إذا وقعت بما وقعت به نعيت إليّ ابني. ثم استرجع، وحمد الله، فلما أصبح اغتسل، ثم غدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى معه فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لكما في غابر ليلتكما، وثقلت أم سليم من حملها تلك الليلة، وكان - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا ولدت فأتوني بالصبي.
مولود مبارك
وكانت وزوجها يسافران مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرجان إذا خرج، ويدخلان معه إذا دخل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقاً، فلما دنوا من المدينة، ضرب أم سليم المخاض، واحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو طلحة: يا رب إنك لتعلم أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى، ولما رأت أم سليم حبه لمصاحبة رسول الله تحاملت على نفسها، وقالت: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد، فانطلق بها، وضربها المخاض حين قدموا، فولدت غلاماً، وقالت أم سليم لابنها أنس: يا أنس لا يطعم شيئاً حتى تغدوا به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعثت معه بتمرات، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض التمر فمضغهن، ثم فغر فاه، وأوجره إياه، فجعل يحنك الصبي، وجعل الصبي يمص بعض حلاوة التمر وريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان أول من فتح أمعاء ذلك الصبي ريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: انظروا إلى حب الأنصار التمر، قال: قلت: يا رسول الله سمه، قال: فمسح وجهه وسماه عبد الله، فما كان في الأنصار شاب أفضل منه، فخرج منه رجال كثير، واستشهد عبد الله بفارس.
ظل وماء زلال
كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت حديقة يدخلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويستظل بها، ويشرب من ماء فيها طيب، وكانت مستقبلة المسجد، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم»، (آل عمران)92: ، قام أبو طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)، وإن أحب أموالي إلى بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت فيها، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
وكان يكثر من الصيام بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى صام أربعين سنة، لم يفطر فيها إلا العيدين، وذات مرة قرأ سورة التوبة وقرأ فيها: «انفروا خفافاً وثقالاً»، فقال: إن ربي يستنفرني شاباً وشيخاً، جهزوني، فقال له بنوه: غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قُبض، ومع أبي بكر وعمر، فنحن نغزو عنك، فقال: جهزوني، وخرج للقتال، ومات في البحر، فلم يجدوا جزيرة ليدفنوه بها إلا بعد سبعة أيام، ولم يتغير.
«والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولـئك هم المفلحون»، (الحشر:9).
هم الأنصار الذين أثنى الله تعالى عليهم بقوله: «والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم، يحبون من هاجر إليهم»، ومن آثار هذه المحبة ما ثبت في «الصحيح» من خبر سعد بن الربيع مع عبد الرحمن بن عوف، إذ عرض سعد عليه أن يقاسمه ماله وأن ينزل له عن إحدى زوجتيه، وقد أسكنوا المهاجرين معهم في بيوتهم ومنحوهم من نخيلهم، وحسبك الأخوة التي آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار، «ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا»، يعني مما أوتي المهاجرون من الفيء، وذلك لما ذكر لنا من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قسّم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا رجلين من الأنصار، أعطاهما لفقرهما، وأما إيثار الواحد منهم على غيره منهم فما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: «أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أصابني الجهد. فأرسل في نسائه فلم يجد عندهن شيئاً فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه الله؟ فقام رجل من الأنصار (هو أبو طلحة) فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله لا تدخريه شيئاً، فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. فإذا دخل الضيف وأهوى ليأكل فقومي إلى السراج تري أنك تصلحينه فأطفئيه وأريه أنا نأكل. فقعدوا وأكل الضيف»، فنزلت: «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولـئك هم المفلحون».
نزلت فيهم جميعاً، ومنهم أبو طلحة الأنصاري - رضي الله عنه - وهو من فضلاء الصحابة، شهد العقبة مع السبعين، وشهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وكان من الرماة المذكورين، وله من الولد: عبد الله، وأبو عمير، أمهما أم سليم بنت ملحان - رضي الله عنها - وهي أم أنس بن مالك.
أعظم المهور
جاء إلى أم سليم - وهي أم أنس بن مالك - وكان قد هلك عنها زوجها، فخطبها فكلمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة، لا يصلح لي أن أتزوجك، فقال: ما ذاك مهرك؟ قالت: وما مهري؟ قال: الصفراء والبيضاء، قالت: فإني لا أريد صفراء ولا بيضاء، أريد منك الإسلام، فإن تسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره، قال: فمن لي بذلك؟ قالت: لك بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلق أبو طلحة يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله جالس في أصحابه، فلما رآه قال: جاءكم أبو طلحة غرة الإسلام بين عينيه، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قالت أم سليم، فتزوجها على ذلك، قال أنس: فما بلغنا أن مهراً كان أعظم منه، أنها رضيت الإسلام مهراً.
كان بيت أبي طلحة من أحب بيوت المسلمين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقيل فيه، وكان يلاعب ولدهما الصغير، وكان يكنى أبا عمير، وكان له نغر (عصفور صغير) يلعب به، فمات، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فرآه حزيناً، فقال: «ما شأنه؟» فقالوا: مات نغره. فقال: »يا أبا عمير، ما فعل النغير؟»
زوجة متميزة
ومرض الصبي مرضاً شديداً، وتضعضع أبو طلحة لمرضه، ولما مات الصبي، قالت أم سليم: لا ينعين إلى أبي طلحة أحد ابنه حتى أكون أنا الذي أنعاه له، فهيأت الصبي فسجت عليه، ووضعته في جانب البيت، وجاء أبو طلحة من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى دخل عليها ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه فقال: كيف ابني؟ فقالت: يا أبا طلحة ما كان منذ اشتكى أسكن منه الساعة، وأرجو أن يكون قد استراح، فأتته بعشائه فقربته إليهم فتعشوا، وخرج القوم، قال: فقام إلى فراشه فوضع رأسه، ثم قامت فتطيبت، وتصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، ثم جاءت حتى دخلت معه الفراش، فما هو إلا أن وجد ريح الطيب فكان منه ما يكون من الرجل إلى أهله، فلما كان آخر الليل، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا قوماً عارية لهم، فسألوهم إياها، أكان لهم أن يمنعوهم؟ فقال: لا. قالت: فإن الله - عز وجل - كان أعارك ابنك عارية، ثم قبضه إليه، فاحتسب واصبر. فغضب، وقال: تركتني حتى إذا وقعت بما وقعت به نعيت إليّ ابني. ثم استرجع، وحمد الله، فلما أصبح اغتسل، ثم غدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى معه فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لكما في غابر ليلتكما، وثقلت أم سليم من حملها تلك الليلة، وكان - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا ولدت فأتوني بالصبي.
مولود مبارك
وكانت وزوجها يسافران مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرجان إذا خرج، ويدخلان معه إذا دخل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقاً، فلما دنوا من المدينة، ضرب أم سليم المخاض، واحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو طلحة: يا رب إنك لتعلم أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى، ولما رأت أم سليم حبه لمصاحبة رسول الله تحاملت على نفسها، وقالت: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد، فانطلق بها، وضربها المخاض حين قدموا، فولدت غلاماً، وقالت أم سليم لابنها أنس: يا أنس لا يطعم شيئاً حتى تغدوا به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعثت معه بتمرات، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض التمر فمضغهن، ثم فغر فاه، وأوجره إياه، فجعل يحنك الصبي، وجعل الصبي يمص بعض حلاوة التمر وريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان أول من فتح أمعاء ذلك الصبي ريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: انظروا إلى حب الأنصار التمر، قال: قلت: يا رسول الله سمه، قال: فمسح وجهه وسماه عبد الله، فما كان في الأنصار شاب أفضل منه، فخرج منه رجال كثير، واستشهد عبد الله بفارس.
ظل وماء زلال
كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت حديقة يدخلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويستظل بها، ويشرب من ماء فيها طيب، وكانت مستقبلة المسجد، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم»، (آل عمران)92: ، قام أبو طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)، وإن أحب أموالي إلى بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت فيها، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
وكان يكثر من الصيام بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى صام أربعين سنة، لم يفطر فيها إلا العيدين، وذات مرة قرأ سورة التوبة وقرأ فيها: «انفروا خفافاً وثقالاً»، فقال: إن ربي يستنفرني شاباً وشيخاً، جهزوني، فقال له بنوه: غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قُبض، ومع أبي بكر وعمر، فنحن نغزو عنك، فقال: جهزوني، وخرج للقتال، ومات في البحر، فلم يجدوا جزيرة ليدفنوه بها إلا بعد سبعة أيام، ولم يتغير.