أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى نجران يعلم أهلها الإسلام والقرآن، ويقضي بينهم بالقسط والميزان. قائد الجيوش الإسلامية، وفاتح الديار الشامية، وأمين الأمة المحمدية صاحب الخلق القويم، والسلوك المستقيم، والقلب الرحيم، والعقل الحكيم.
أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في أول الدعوة، قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم.
عاهد النبي أن ينفق حياته في سبيل الله وأوفى بعهده وأبر بوعده.
من أصحاب الهجرتين، فقد هاجر إلى الحبشة، في الهجرة الثانية، وهاجر من مكة إلى المدينة.
شهد غزوتي بدر وأحد وسائر الغزوات، وواصل الجهاد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
بدا الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح كأنه تعلم الدرس مبكراً، واستوعبه ووعاه، وسار على درب المصطفى بخطاه، فقد عرف عن محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم في شبابه صدقه وأمانته، وبعد بعثته كمال دعوته وصدق رسالته.
ومضى على منهاجه وشريعته، يتأدب بأدبه، ويتعلم من علمه، وبدا سلوك أبي عبيدة كأنه تجسيد حي لسنة النبي الكريم لا يحيد عنها، بل يتمسك بها ويمشي على هديها.
سئل عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن أبي عبيدة بن الجراح فقال: كان رحمه الله أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً، وأشدهم حياء.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: تبسمك في وجه أخيك صدقة، كما يقول: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
ويقول عليه الصلاة والسلام: الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان.
أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخبط أميراً على أكثر من 300 مقاتل وكان زادهم عبارة عن جراب من التمر، كان السفر بعيداً والطريق وعراً، والمهمة شاقة عسيرة، ونصيب الفرد في أول الأمر حفنة من تمر، تناقص حتى أصبح تمرة واحدة، وبعد نفاد الزاد، أكلوا الخبط وهو ورق الشجر الجاف الذي سحقوه وشربوه مع الماء.
وفد نجران
جاء وفد من نجران لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يرسل معهم من يعلمهم القرآن والإسلام فقال لهم: لأبعثن معكم رجلا أميناً، حق أمين، حق أمين، حق أمين.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجراً، فلما صلى النبي بنا الظهر سلم، ثم نظر عن يمينه، وعن يساره فجعلت أتطاول ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه فقال:
اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه، فذهب أبو عبيدة.
طلبت طائفة من العرب من أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن يختار لهم أميراً من الصحابة فقال لهم: عليكم بالهين اللين، الذي إذا ظلم لم يظلم، وإذا أسيء إليه غفر، وإذا قطع وصل، رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين، عليكم بأبي عبيدة بن الجراح.
كأن قلبه كان يستشعر الخطر على حياة النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد بعد الانتصار في بدر وحقد المشركين عليه، ويومها دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم دفاع الأبطال الأوفياء، وصد عنه ضربات المشركين، وسقطت ثنيتاه الأماميتان في سبيل الله. فقد غرست حلقتان معدنيتان في وجه النبي صلى الله عليه وسلم أثناء المعركة فجرى نحوه ووصل إليه ومن خلفه جاء أبو بكر، فرجاه أن يتركه لينزع حلقتي المغفر من وجه رسول الله.
قال أبو عبيدة: أسألك الله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعهما من وجه رسول الله، فتركه، فأخذ حلقة بإحدى ثنيتيه فنزعها وسقط على الأرض وسقطت ثنيته، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى فسقطت، وعاش الصحابي الجليل على هذا الحال ولم ينس قول النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن جرح خلال القتال: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم.
يقول أبو بكر الصديق عن هذه الواقعة: رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى دخل في وجنتيه حلقتان من المغفر.
أقبلت أسعى إلى الرسول وإذا بإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا فقلت: اللهم اجعله طاعة، حتى إذا توافينا (وصلنا) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هو أبو عبيدة بن الجراح قد سبقني.
كلنا في الله إخوة
جاء رسول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يحمل رسالة بعزل خالد بن الوليد وتسليم القيادة لأبي عبيدة بن الجراح، فطلب من حامل الرسالة أن يخفي أمرها ويكتم خبرها. حتى أتم خالد فتحه الكبير فتقدم إليه بأدب وتواضع وسلم خطاب أمير المؤمنين، فسأله خالد: يرحمك الله أبا عبيدة، ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب؟
قال أبو عبيدة: إني كرهت أن أكسر عليك حربك وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، فكلنا في الله إخوة.
قاد أبو عبيدة جيش المسلمين بحزم وحكمة وإيمان وقوة، وانتقل من نصر إلى نصر حتى فتح بلاد الشام.
تحدث الناس عن فضله وكريم أخلاقه وحسن إدارته، ونزاهته وهمته، فوقف فيهم خطيبا وقال: يا أيها الناس، إني مسلم من قريش، وما منكم من أحد أحمر ولا أسود يفضلني بتقوى الله إلا وددت أني في إهابه.
عندما زار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلاد الشام ودخل القدس وصلى بالمسجد الأقصى سأل أين أخي؟
قالوا: من؟
قال: أبو عبيدة بن الجراح.
ولما ذهب معه إلى منزله فلم يجد فيه من متاع الدنيا شيئاً، حيث وجد فقط سيفه وترسه، سأله عمر: ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس؟
قال أبو عبيدة: هذا يبلغني المقيل.
موقف نبيل
عندما أصاب طاعون عمواس بلاد الشام حاول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يبعده عن الخطر لكنه أبى ورفض أن يترك جنوده.
وعندما أصابه المرض قال لمن حوله: إني أوصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير.. أقيموا الصلاة وصوموا شهر رمضان، وتصدقوا، وحجوا واعتمروا وتواصوا، وانصحوا لأمرائكم، ولا تخشوهم ولا تلهكم الدنيا، فإن امرأ لو عمر ألف سنة، ما كان له بد من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون، إن الله تعالى كتب الموت على بني آدم، فهم ميتون، فأكيسهم أطوعهم لربه، وأعلمهم بيوم معاده والسلام عليكم ورحمة الله، وعادت الروح المطمئنة إلى ربها راضية مرضية وصلى عليه معاذ بن جبل، ودفن في غور بيسان (الأردن حالياً) وقيل: في مسجد الجراح في دمشق.
وعندما وصل الخبر الحزين إلى أمير المؤمنين، فاضت عيناه بالدموع، وقال: لو كنت متمنياً، ما تمنيت إلا بيتاً مملوءا برجال من أمثال أبي عبيدة بن الجراح.
نعم الرجل أبو عبيدة
أبي عبيدة بن الجراح (40 ق.ه 18ه) (584-639م)، هو عامر بن عبدالله بن الجراح بين هلال الفهري القرشي، يكنى بأمين الأمة، وأمير الأمراء، وفاتح الديار الشامية، صحابي جليل، أحد العشرة المبشرين بالجنة.
قائد مسلم شجاع مشهود له بالتقوى والزهد وحسن العبادة، روى 14 حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قال عنه: نعم الرجل أبو عبيدة.
بعد وفاة النبي صلى الله وعليه وسلم جاء من يبايعه على الخلافة لكنه رفض، وقال: أتبايعونني وفيكم أبو بكر الصديق؟
عندما علم خالد بقرار أمير المؤمنين بعزله وولاية أبي عبيدة قال: أيها الناس بعث عليكم أمين هذه الأمة. وقال أبو عبيدة عن خالد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خالد سيف من سيوف الله، نعم فتى العشير.
أرسله النبي صلى الله عليه وسلم على رأس جيش به أبو بكر وعمر، في غزوة ذات السلاسل، مدداً لعمرو بن العاص.
كان طويل القامة، نحيف البدن، معروق الوجه خفيف اللحية، أترما (مكسور الثنيتين الأماميتين).
قال عنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو يحتضر لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته، فإن سألني ربي عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله.
سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفاً إذا استخلف قالت: أبا بكر، قيل: ثم من؟ قالت: عمر، قيل ثم من؟ قالت: أبا عبيدة بن الجراح.
روى الترمذي والحاكم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.