هناك حديث يردده العامة بأن أبا لهب يخفف عنه العذاب في النار في كل ليلة اثنين، لاعتاقه ثويبة رضي الله عنها التي بشرته بولادة الهادي محمد صلى الله عليه وسلم.
- يتردد هذا الخبر على ألسنة أولئك الذين يحتفلون بذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم في الثاني عشر من شهر ربيع الأول من كل عام.
- حتى ان الحافظ اللغوي السهيلي في كتابه روض الأنف وكذلك البيهقي المحدث الفقيه، والمحدث ابن بطال شارح البخاري، والحافظ ابن جزري في كتابه عرف التعريف بالمولد الشريف وابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه المورد الصادي في مولد الهادي كل هؤلاء استشهدوا بهذا الحديث، بل قال ابن ناصر الدين الدمشقي في ذلك شعرا:
إذا كان هذا كافراً جاء ذمه
بتبت يداه في الجحيم مخدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائماً
يخفف عنه بالسرور بأحمدا
ما الظن بالعبد الذي كان عمره
بأحمد مسرورا ومات موحدا
- أساس هذا الخبر كما ورد في الروض الأنف للسهيلي ج2 ص 29 أن العباس قال: مكثت حولاً بعد موت ابي لهب، لا أراه في نوم، ثم رأيته في شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين، وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين، فبشرت أبا لهب بمولده ثويبة مولاته، فقال له: أشعرت أن آمنة ولدت غلاماً لأخيك عبدالله؟ فقال اذهبي فأنت حرة، فنفعه ذلك وهو في النار.
- وذكر الدكتور رشيد بن حسن الألمعي في فتاواه، وهو عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد بالرياض، عندما سئل عن صحة خبر تخفيف العذاب عن أبي لهب، بأن صحيح البخاري أخرج حديثا في أول كتاب النكاح في باب: وامهاتكم اللاتي ارضعنكم تحت رقم 5101 ج 9 ص 140 من طريق عروة بن الزبير ان زينب ابنة أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها، أنها قالت: يا رسول الله انكح اختي بنت ابي سفيان، فقال: أوتحبين ذلك؟ فقلت: نعم لست لك بمخلية وأحب من شاركني في خير أختي، قلت: فإنا نحدث أنك تريد ان تنكح بنت أبي سلمة قال: بنت أبي سلمة؟ قلت: نعم فقال: لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن.
قال عروة: وثويبة مولاة أبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة شر حالة قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم، غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة.
قال ابن حجر في شرح الحديث: لم الق بعدكم غير أني سقيت في هذه وورد أنه أشار الى النقرة التي تحت ابهامه، ويقول ابن حجر ايضا: كان هذا كان قبل نزول آية تحريم الجمع بين الأختين أو أن أم سلمة ظنت بأن ذلك خصوصية للرسول.
- ويذكر السيوطي في كتاب حسن المقصد في عمل المولد دراسة وتحقيق مصطفى عبدالخالق ص 65-66 بأن هذا الحديث يستشهد به على مشروعية الاحتفال بالمولد. لكن ذكر الدكتور الألمعي بأن هذا الحديث كان واردا في صحيح البخاري، إلا ان ان حجر قال عنه في فتح الباري ج 9 ص 145 إنه خبر مرسل، اذن في السند انقطاع بين عروة وثويبة، وقال ابن حجر ايضاً إن الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه. ثم ان صاحب الرؤيا هو العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه رآها عندما كان كافراً، ورؤيا الكافر لا يحتج بها اجماعاً.
- أقول: قد استشهدت بحديث البخاري، والجزء الذي يخص هذا الموضوع هو قوله: قال عروة وثويبة مولاة أبي لهب الى آخر الحديث الذي يكمل ما أورده السهيلي في روض الأنف ونستخلص من هذا العرض أنه لم يرد في صحيح البخاري نص مباشرة بأن أبا لهب يخفف عنه العذاب كل ليلة اثنين كما يقول العوام، ولم يرد ايضاً أن أبا لهب اعتق ثويبة من أجل بشارتها إياه بولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم. ولم يثبت في البخاري أيضاً أن أبا لهب فرح بولادة النبي صلى الله عليه وسلم، وانما غاية ما ورد ان العباس كما ذكر السهيلي، رأى رؤيا منامية قبل إسلامه، فالبخاري أثبت تلك الرؤية التي وردت بإسناد منقطع، وقد قال ابن حجر إنها لا يحتج بها على شرط الإمام البخاري نفسه الذي لم يشترط الصحة الا في الحديث الصحيح المتصل السند.
- ثم إنه من المعلوم أن الكافر لا ينفعه في الآخرة ما عمل من صالح في الدنيا، لقوله تعالى: وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً (الفرقان: 23)، وقال القاضي عياض المالكي: انعقد الاجماع على ان الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب.