لفت نظري أن بعض الناس يحفظون شطرا من بيت شعر شهير ويهملون الآخر، أو لا يعرفونه ولم يسمعوا به، أو يجهلون قصة هذا البيت والمناسبة التي قيل فيها، مع أنه من سوائر الأبيات، وتضرب به الأمثال، وقد أعجبني استشهادهم بهذه الأجزاء، واستمتاعهم بحفظ هذه الأبيات التي تحمل الحكم، وهي من شعرنا العربي الغني، وأحببت تعميماً للفائدة أن أذكر بعض هذه الأبيات الشهيرة مع تتمتها، وشيئا عن الموقف الذي يصلح للاستشهاد بها، مع بيان أن كلمة شطر تعني نصف بيت، فبعض القراء لا يعرف المصطلحات الخاصة ببيت الشعر، وأهمها: شطر: نصف بيت، تطلق على النصف الأول، أو الثاني، من دون تخصيص أحدهما. الصدر: النصف الأول من البيت. العجز: النصف الثاني من بيت الشعر.

من أنصاف الأبيات السائرة بين الناس: كن جميلاً تر الوجود جميلاً

وهو شطر من بيت للشاعر إيليا أبو ماضي، في قصيدة مطلعها:

أيّهذا الشاكي وما بك داء

كيف تغدو إذا غدوت عليلا

ويدعو فيها للتفاؤل، وتغيير النظرة للحياة لتكون أفضل وأجمل، ثم يقول:

أيهذا الشاكِي وما بك دَاءُ

كن جميلاً تر الوُجُود جَميلاً

ومن أنصاف الأبيات كذلك: لعلّ له عذراً وأنت تلوم

وهو (عجز) بيت، أي أنه النصف الثاني من بيت للشاعر دعبل الخزاعي ينصح بالتقليل من لوم الناس دون التماس العذر لهم، وورد عند غيره أيضا: وبيت دعبل هو:

تأن ولا تعجل بِلوْمِكَ صاحباً

لعلّ له عذراً وأنت تلومُ

ومن الأمثال السائرة التي لا يعرف الناس أنها جزء من أحد أبيات الشعر قولهم: كل إناء بما فيه ينضحُ، وهو جزء من أبيات للشاعر سعد بن محمد بن الصيفي التميمي، يقول فيها محدثاً فريقاً كان خصماً لهم:

ملكنا فصار العفو منا سجيةً

ولما ملكتم سال بالدم أبطح

فحسبكمُ هذا التفاوت بيننا

وكل إناء بالذي فيه ينضح

وأبطح هو اسم الوادي الذي دخل في حكم الفريقين، لكن الفريق الخصم أٍسال فيه الدماء، وتعامل بالغطرسة والجبروت، ولم يعرف معنى للعفو والرحمة، وهو بهذه الأفعال قد بين دخيلة نفسه، وأوضح أخلاقه المغروسة في نفوس أفراده وما فيها من تجبر واستكبار، أما فريق الشاعر فهم أهل رحمة ولين ظهرا جليا في فترة حكمهم.

ومما اشتُهر من أنصاف الأبيات: علمتَ شيئا وغابت عنك أشياء، وهذا عجُز بيت لأحد الشعراء هو لأبي نواس، يبين فيه أن فوق كل ذي علم عليم:

فقل لمن يدّعي في العلم فلسفةً

حفظت شيئاً وغابت عنك أشياءُ

أما شطر البيت الذي يقول: قد ضل من كانت العميان تهديه، فهو للشاعر الأعمى بشار بن برد الذي سأله رجل عن دار رجل آخر، فأخبره بشار عن طريق دار ذاك الرجل فلم يفهم، وقال لبشار: خذني بنفسك إليه، فقال بشار: ولكني رجل أعمى، فقال الرجل: أنا أمسك بيدك وأنت تدلني!

فقال بشار:

أعمى يقودُ بصيراً لا أباً لكم

قد ضل من كانت العميان تهديه

وقال المتنبي:

إن السِلاحَ جَميعُ الناسِ تَحمِلُهُ

وَلَيس كل ذواتِ المِخلَبِ السَبُعُ

وهو يعني أن السلاح قد يتوافر في أيدي أي أحد من الناس، ولكن العبرة باليد التي تمسكه، والعقل الذي يقاتل به، ويخطط لتوجيهه، وهذا البيت قد يصلح للاستشهاد لأي اختراع يستعمله الناس، فمنهم من يحسن التعامل معه، ومنهم من يستخدمه استخداماً سيئاً يعود عليه بالضرر.

ومن الأبيات الجميلة ذات المعاني القوية، قول المتنبي:

تَلَذ لَهُ المُروءةُ وَهْيَ تُؤْذي

ومَنْ يَعْشَقْ يَلَذ لَهُ الغَرامُ

وهو في مدح أحد ذوي المروءة، الذي يتحمل في سبيلها كل أذى ومشقة، ولا يرضى أن يترك الأخلاق الفاضلة والسلوكيات الرفيعة التي تفرضها عليه مروءته، كما لا يقبل أن يتنازل عن كرامته حتى لو واجه أقسى العقبات فإنه يحافظ على عزته، شأنه في ذلك شأن العاشق الذي يلذ له ما يراه من لواعج الهوى والغرام، ويراها عذبة سائغة مهما كانت مرارتها.

ومن المشتهر من قول المتنبي أيضاً: أيعمى العالمون عن الضياء؟

وهو جزء من بيت يقول فيه مبيناً ضلالات الناس حين يوافقون بعضا منهم موافقة تجعل صاحبهم يقلب الموازين فيؤيدونه ويلغون عقولهم حتى يروا الحق باطلا والباطل حقاً.

وهَبني قلت: هذا الصبحُ لَيلٌ

أَيعمى العالَمونَ عَن الضّياء؟