أكّد عدد من المثقفين الإماراتيين أن الأدب ليس صنيعة أفراد وإنما هو صنيعة المجتمع، وعلى كلّ جيل أن يقدم أفضل مما قدمه الجيل السابق عليه، وذلك عن طريق تلاقح التجارب والخبرات، كما أكدوا على أنّ النقاشات وديمومة الحوار والتواصل، والسعي للتفاعل مع الآخرين، كل ذلك يسهم في تفتح البراعم ونموها وتطورها، مضيفين أن الحاجة ماسة إلى قنوات ثقافية تغطي الحراك الثقافي في دولة الإمارات العربية المتحدة. من جانب آخر، يرى مثقفون آخرون أن بعض المبدعين الشباب نهلوا من وعي فكري متأصل، فيما تأثرت الغالبية منهم بالتجارب الغربية خاصة في مجال الفن التشكيلي ومن دون وعي منهم، مضيفين أن الجيل الحالي مستعجل على الشهرة خاصة في ظل وجود برامج التواصل الاجتماعي.
قال الروائي علي أبو الريش: «إن الحياة سلسلة من التواصل بين الأجيال، لا يمكن أن نفصل مرحلة عن أخرى، والأدب كذلك، وعلى الجيل الأسبق أن يأخذ بيد الجيل اللاحق، وأن يكون بمثابة ناصح لهذا الجيل، فالأدب ليس صنيعة أفراد وإنما صنيعة مجتمع، وعلى كل جيل أن يقدم أفضل مما سبقه، وذلك عن طريق تلاقح التجارب والخبرات، وعلى الجيل الأسبق احترام أعمال الشباب».
وأضاف: «لا يوجد إنسان يولد وهو ملم بكل شيء، والمكان الأنسب لهذا الاحتضان هو اتحاد الكتاب، كما يتم في جلسة الأربعاء في فرع أبوظبي، حيث يتم اكتساب الخبرة، ومن خلال رعاية جيل الشباب، ومناقشة تجاربهم الإبداعية، لا شك أن هناك ثغرات ولكن مع الأيام يتم تجاوزها، ونحن كجيل أسبق نستفيد أيضا من إضاءات هذا الجيل، وقد تكون من خلال كاتب يقدم أول مرة عملا إبداعيا، فالمسألة تأثر وتأثير واستفادة وتراكم تجارب».
وأكد أبو الريش على ضرورة الالتفات إلى إبداعات جيل الشباب، فهو من وجهة نظره يستحق التقدير والأخذ بيده، موضحا أنه لاحظ في إبداعاته هذا مناطق حيوية لم يتطرق إليها السابقون، ورغم وجود الاختلاف لا بد من وجود نقطة تلتقي فيها جميع الأجيال من أجل خدمة الأدب والثقافة.
بدوره أوضح الشاعر سالم بوجمهور رئيس الهيئة الإدارية في فرع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في أبوظبي، أنه يوجد كتاب شباب وشابات في كافة مجالات الإبداع (القصة والشعر والرواية والفن التشكيلي والمسرح)، ولكن يجب وجود بيئة محفزة تحتضن هؤلاء، وهو يرى أن النقاشات والحوار والتواصل والتفاعل جميعها وسائل تساهم في تفتح البراعم ونموها وتطورها.
وأضاف أن الإمارات تشهد نهضة ثقافية متقدمة، على امتداد مساحتها من الفجيرة وحتى أبوظبي، ولكن نحن بحاجة إلى نقل هذه الأنشطة إلى الإذاعة والتلفاز، وكافة وسائل الإعلام، فلدينا أنشطة عديدة ولكن للأسف لا تتوازى مع البرامج الإعلامية، وأكد أن هناك حاجة ملحة لوجود قنوات ثقافية تغطي هذا الحراك الثقافي في الإمارات، لا سيما وأن البرامج المصورة تعيش في الفضاء الثقافي ولا تموت، وعندما يعمل شاعر أو قاص في التلفاز، ويساهم في نقل وتغطية الفعاليات الثقافية في الإمارات، يكون أكثر فهما للوسط الثقافي، ويستطيع نقل الأحداث وتغطية الحراك بمهنية عالية.
من جهته لفت القاص والروائي حارب الظاهري إلى أن الكتابة في هذه الأيام باتت متسرعة ولا ضابط عليها، وأن قلة من جيل الشباب من توفرت كتاباتهم على خصيصة الإبداع، وأكثر من ذلك فقد صار الكتّاب أكثر من القراء، وعلق على ذلك بقوله: «من الجميل أن يكتب الجميع، ولكن يجب أن نركز على الإبداع الحقيقي، ذلك الذي يبشر برؤية.. لا سيما مع هذا الاستسهال الذي بات صفة ملازمة للكتابة الجديدة، والإشكالية في ذلك أن بعض المؤسسات الثقافية تساعد على استمرار هذا الوهم، من دون تمحيص للتجارب المقدمة وغربلتها قبل نشرها». وتابع: «ثمة فوضى في كثير من الإصدارات التي تضر بالجيل الصاعد، فيما كان الجيل السابق يخشى كثيرا من ردة فعل القراء، ويتأنى كثيرا قبل أن يغامر بالكتابة، فيما نجد - مع الأسف - استعجالاً من الجيل الجديد للنشر رغبة في الشهرة ليس إلا».
بدوره قارب الفنان التشكيلي محمد الأستاذ هذه المسألة في مجال الفنون التشكيلية، موضحا أن قلة من الفنانين الشباب من قدموا تجارب بصرية مبدعة وأصيلة، ولكن الأغلبية تأثروا بالتجارب الغربية بدون وعي، وهم الآن يعيشون مثل هذا الوهم خاصة في ظل وجود برامج التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت الأعمال فقيرة في مستوياتها الإبداعية والفكرية، ناهيك عن فقرها من الناحية الجمالية والبصرية، وهي منتشرة بكثرة على شبكات التواصل الاجتماعي، ومن المؤسف أن بعض هذه الأعمال يتم تسويقها على حساب تلك الأعمال التي تتميز بالذائقة الفنية والأصالة وتنطوي على رؤية متقدمة.
وأوضح الأستاذ أن هناك أيادي خفية تحارب الثقافة والفن، وقال: «نعم الإبداع العربي الأصيل يحارب، ويتم الترويج لأعمال ليس فيها ذرة إبداع، الفنان الذي يبث رسائل فكرية جادة في المجتمع، يتابعه عدد قليل من الأشخاص، بينما الساذجون تجد متابعيهم بالملايين».
من جهة ثانية أشاد عدد من المثقفين الإماراتيين الشباب بالتجارب الإبداعية الإماراتية للجيل السابق عليهم، مؤكدين أنها تجارب راقية تشعرهم بالفخر والاعتزاز، وتعطيهم الأمل والحافز للاستمرارية والنجاح والإبداع.
قالت الروائية نادية النجار: «قرأت العديد من أعمال الأدباء الإماراتيين من جيل الرواد، فقد كانوا وما زالوا شعلة جميلة نقتدي بهم ونتعلم من تجاربهم، وبالنسبة لي فقد نشأت وتربيت على قراءة قصص الأديب محمد المر وتأثرت جدا بكتاباته الراقية، فهي ممتعة وجميلة، وربما كان من أهم الرواد الذين تأثرت بتجربتهم».
وأضافت: «عندما يقرأ الناشئ عن مدينته أو وطنه وخاصة بأقلام أبناء وطنه، يشعر بالفخر والاعتزاز، لقد كانت كتابات الأديب محمد المر قريبة جدا من النفس، وبشكل عام كل كاتب أقدر أن يعبر عن موطنه وعن مكانه، ونقل صورة أقرب للحقيقة عن بيئته، وهنا، نتذكر الأديب نجيب محفوظ الذي أثر بداية في أبناء بلده ثم اشتهر عالميا، وأعتقد أن المبدع الذي يعمل بصدق وبأسلوب جميل، لا بد أن يكون مؤثرا».
وذكرت الفنانة سارة السّناني أن الإمارات تحفل بتجارب العديد من الفنانين التشكيليين سواء من جيل الرواد أو من جيل الشباب، وقالت: «في السابق لم نكن نعرف بعضنا ولكن مع ازدياد اهتمام الإمارات بالفنون وبالحركة التشكيلية بوجه عام، أصبحت أتابع وأزور المعارض، وقد اطلعت على العديد من الأعمال المبهرة لكبار الفنانين، خاصة الفنان محمد الأستاذ، فأنا معجبة جدا بتجربته وعندما أشاهد أعماله تغمرني السعادة».
وتابعت السناني: «للأسف معظم الآباء والأمهات في مجتمعاتنا العربية كانوا ينظرون إلى دراسة الفن التشكيلي نظرة دونية، حيث إن الطالب المتفوق لا بد أن يتجه إلى دراسة الطب أو الهندسة، أما الفاشل فيتجه للفنون، لكن الآن، بدأ هذا التفكير بالانحسار، فنحن عندما نتعرف على تجارب جيل الرواد ونتابع مسيرتهم وتطور أعمالهم، فذلك يعطينا الأمل والحافز للاستمرارية والنجاح والإبداع».
القاصة هويدا الظنحاني تأثرت بإبداعات الرواد، لا سيما وأنها قد اطلعت على تجارب العديد منهم، في القصة والرواية والشعر، تقول: «بشكل عام تأثرت جداً بهذه التجربة الثرية، فالقراءة لكتاب إماراتيين تعطي الكاتب الشاب شحنة إيجابية ودافعا كبيرا للمضي بهمة وعزم، كي يطور من أدواته وأسلوبه نحو الأفضل».
وأضافت: «إن المشهد الثقافي الإماراتي يبشر بالخير، حيث لدينا العديد من المسابقات الأدبية والبرامج الثقافية، مثل برنامج «شاعر المليون»، وكذلك «أمير الشعراء»، ونتمنى أن تكون هناك مسابقة أيضا للقصة القصيرة، فهي لا تقل أهمية عن الشعر والرواية، وقد عرفنا العديد من كتاب القصة الإماراتيين الذين لهم باع كبير في هذا المجال».
أما الشاعرة شيماء الشامسي فأكدت على أنها تواظب على حضور فعاليات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات خاصة جلسات يوم الأربعاء، فهي من وجهة نظرها جلسات مفتوحة نسمع بها لكتاب وأدباء من مختلف الفئات العمرية، ونتعرف على عدة تجارب، فكل قصيدة لشاعر لها نكهة خاصة، وكذلك في القصة والرواية، كما أن الأمسيات الأدبية المفتوحة تحفز على الكتابة، وتقديم الأجمل، كما أن تعليقات الحضور من الكتاب والمثقفين تمنحنا توجيهات لنحسن من الأداء، وهي بكل تأكيد تفتح عيون الشباب على مناطق القوة ومناطق الضعف في النصوص التي يشاركون بها أثناء الأمسية.
وأضافت: «كثيرا ما يتم تبادل الإصدارات الأدبية بين المبدعين، مما يحفزنا أكثر على القراءة والاشتغال على نفس الأسلوب، ربما الكتاب السابقون موهبتهم أكبر، ولكن أيضا لدينا عدد من الكتاب الشباب ممن تتميز كتاباتهم بالسلاسة والجودة، فتصل بسرعة إلى القارئ وتلامس شغاف القلوب».
الثقافة الإماراتية.. إبداع متواصل
أجيال الثقافة.. ديمومة التأثير والتأثر
8 يناير 2018 02:00 صباحًا
|
آخر تحديث:
8 يناير 02:00 2018
شارك
تحقيق: نجاة الفارس