هو ابو حفص أحمد بن برد الأكبر، أحد كتاب الأندلس الكبار ومن ابرز المنشئين في فن النثر. نشأ بسرقطة بالأندلس، وتوفي فيها سنة 418 ه عن عمر يناهز الثمانين عاماً، امضى شطراً كبيراً منه في خدمة الدولة العامرية، إذ كان وزيراً للمظفر بن أبي عامر، يكتب له رسائله التي يوجهها الى قادة الدولة العامرية وكتابها، وقد ضاعت اخباره كلها، فيما ضاع من تاريخ الأندلس العريق، لولا قسم ضئيل رشح منها في كتب التاريخ والأدب، مثل كتاب الذخيرة لابن بسام الشنتريني وكتاب نفخ الطيب للمقري، ومعجم الأدباء لياقوت.

رسائل ضائعة

على ان معظم من كتب عن ابي حفص بن برد الكاتب، كان قد ذكر بضياع معظم رسائله، ومن هؤلاء مواطنه ابن بسام الذي كان على قرب عهد به، إذ صرح بأنه لم يجد من رسائله إلا ما يكاد يعرب عن فضائله. كذلك خلط بعض كتاب التراجم بين آثاره الأدبية والشعرية وآثار ابن برد الأصفر. فنحن نجد صاحب المطمح، ينسب رسالة السيف والقلم الى ابن برد الأكبر، أما ياقوت الحموي، فهو ينسبها الى ابن برد الأصفر، والأبيات هي التالية:

لما بدا في لازوردي

الحرير وقد بهر

كبرت من فرط الجمال

وقلت ما هذا بشر

فأجابني لا تنكرن

نور السماء على القمر

ولهذه الاسباب الوجيهة، لم يستطع الباحثون تحدير المذهب الادبي الذي كان ينهجه ابن برد في اشعاره ورسائله. إذ اكتفى معظم من ترجموا له بمدحه بالعبارات الجميلة، من دون تحديد أو تدقيق. فهذا ياقوت يقول عنه إنه كان كاتباً بليغاً، أما ابن بسام فقال فيه: إنه واسطة السلك وقطب رحى الملك، وإنه برز على نظرائه واشكاله، وإنه كتب عن عدة الأمراء فأسمع الصم بياناً واستنزل العصم ابداعاً واحساناً. وقال فيه ابن المطمح إنه غذى الأدب، وعلا الى أسمى الرتب، وكان بديع الإحساس بليغ القلم واللسان، مليح الكتابة، فصيح الخطابة أما حفيده ابن برد الأصفر، فكان يفخر بالانتساب اليه، وهو الذي يقول:

من شاء خبري فأنا ابن برد

حد حسامي قطعة من جدي

وارفع الناس بناء جدي من

نظم الالفاظ نظم العقد

ونقد الكلام حق النقد

وكف بالأقلام أيدي الأسد

ديوان الإنشاء

كان ابن برد الأكبر، صاحب ديوان الانشاء لمحمد بن عبدالرحمن المستكفي . وعمل ايضاً كاتباً لعدد من الامراء، وهذا ما أتاح له ان يكون ذا أثر قوي في حرصه على أدوات الكتابة. وقد كانت صناعة الإنشاء والكتابة من أهم الأعمال التي انشغل بها الكتابة في القرنين الثالث والرابع. إذ كتب بعضهم كتباً خاص فيما يجب ان يراعيه الكاتب، كما فعل ابن المدبر حين الف الرسالة العذراء، كما كتب ابن برد نفسه الى الكتاب يقول مستغرباً استكتاب الجهلة في دواوين الدولة: ومن اعجب العجب ما يجترئ عليه بعض خدمتنا من نبذ عهودنا. ولا احسب الذي غرهم بنا إلا ما وهب الله تعالى لنا، مع القدرة من الحلم والكظم. وقد كانت سجية غالبة، وخليقة لازمة، فرب سبع تحت مخيل النعماء، وكم غصص في شهي الغذاء، ومن شرق في غير الماء، ونصب اعينكم عهد المنصور، صدره التوبيخ باستكتاب الجهلة ممن قلت معرفته، واتضعت همته، ولم يبلغ ان يقوم الخط فيقوم حروفه، ويراعي المداد فيجيد صنعته، ويميز الرق فيحسن اختياره، بأن تكون صدور كتب الاعتراضات وعنوانها وتواريخها، والاعداد، في رؤوس غصونها، بخطوط ايدي القواد والعمال، من كان منهم كاتباً فليكتب بيده، ومن لم يكتب فبخط كاتب معروف بالخط عنه، وان تكون تسمية الاجناد فيها قائمة الخطوط، بينة الحروف، على أنه ان ورد لأحد منهم بعد وصول العهد إليه، كتاب اعتراض عمل في رق، أو خط فيه لحن، أو كتاب على بشر في عدد أو رسم ما لم يخف، أو يقع في نشر الكتاب، فيعاجل بعقوبة العزل...

صنعة الكتابة

ويفصل ابن برد في رسالته صنعة الكتابة وما يزينها وما يشينها، فيقول: إن قوماً منهم عادوا لما نهوا عنه، فكتبوا الخط الرقيق في دني الرقوق، رقةً من همهم ودناءة في اختيارهم، وجهلاً بأن الخط جاه الكتاب وسكك الكلام: به ينتظم منثوره وتفضل شدوره، ونبله من نبل صاحبه، وهجنته لاحقة بكاتبه، الى ما اقترفوه من العصيان وأقدموا عليه من خلاف السلطان. وأنا اعطي الله عهداً، لئن ارتفع الي بعد بلوغ عهدي هذا اقصى حدود المملكة وانتهائه ابعد اقطار الطاعة، كتاب على الصفات المذمومة: من رق أو مداد أو خط، لأفين لصاحبه بما قدم اليه من الوعيد.

والواقع ان اسم ابن برد الكاتب كان قد اقترن بكتابه العهد في تاريخ الاندلس، خصوصاً في زمن الخليفة المؤيد بالله هشام بن الحكم الأموي. وقد أثر بقوة في كتب المتقدمين، مما دعا ابن بسام والمقري والقلقشندي وابن خلدون للحديث عنه، وليس لكتاب العهد عند ابن برد قيمة عظمى، إلا من الوجهة التاريخية، وذلك لما فيه من الدلالة على صولة العامريين، وضعف الخلفاء، غير أنه كان من الوجهة النفسية والأدبية من أتباع الغالب. إذ ورد في عهد له على لسان هشام أنه بعد اطراح الهوى والتحري للحق.. وبعد أن قطع الأواصر، وأسخط الأقارب، لم يجد احداً أجدر ان يوليه عهده، ويفوض إليه الخلافة بعده، لفضل نفسه، وكرم خيمته وشرف مرتبته، وعلو منصبه، مع تقاه وعفافه ومعرفته وحزمه ونقاوته، من المأمون الغيب، الناصح الحبيب، ابي المطرف عبدالرحمن بن منصور.

ثورة الموالي

ومن رسائل ابن برد المهمة، ما تصور النزاع الذي كان يقع بين العرب والبربر في الأندلس. ففيها ما يتيح للباحث دراسة ما كان بين هذين العنصرين من الفتن والمنازعات. وتعتبر رسائله في هذا المجال باباً مهماً من ابواب التاريخ الاندلسي. كما وقع في رسائله ما يشير الى ثورة الموالي وقمعها. إذ كتب ابن برد على لسان سليمان بن الحكم رسائل عدة الى جماعة العبيد. وقد قال في احدى رسائله: لم تزل الأئمة مقبلة على مواليها، مختصة لعبيدها، تقدمهم في الثقة، وتقربهم بالمودة، وتعدهم لحوادث الأمور، وتقذف بهم في معضلات الخطوب، فيتولون من اجتهادهم لهم ما أوجب لهم منهم المحبة، حتى شرف القوم ونبلوا، وسما ذكرهم ونسبوا الى مشهور انسابهم ومذكور بيوتاتهم. وقد افضى الأمر اليكم معشر الموالي، وهذا اسمكم، وقد رفع الله عنكم العبودية، واخرجكم عن رق الملك وصيركم منا، وخلطكم بنا، وأفضى بأنسابكم الينا، والولاء لحمة، ومولى القوم منهم، ملعون من انتمى لغير ابيه، أو ادعى غير مواليه، هذا حكم الاسلام على لسانه عليه السلام.

والحق يقال إن ابن برد، كان أحد الكتاب المرموقين، وأحد ابرز رؤساء الدواوين في الدولة العامرية، وقد تميز أدبه بالدفاع عن الحق مرة، وبالعمل لخدمة رئيسه والتزلف له مرة أخرى. إذ ان ظروف الحياة السياسية في عهده لم تمكن كاتباً ولا شاعراً، من أن يكون أدبه صدى لخالص النية وطاهر الواجدان، خصوصاً وقد كان ابن برد كاتباً وزيراً، والكتابة والوزارة، تغريان دائماً بمنافع العيش.