الدكتور أحمد شامخ حميد من مواليد مدينة تدمر محافظة حمص السورية 1969 تمكن من خلال اجتهاده أن يصبح أول كفيف سوري يحصل على درجة الدكتوراه في جامعة دمشق العام 2004 بعنوان الحياة الفكرية في العصر المملوكي الثاني في مصر والحجاز والشام حيث تطلب البحث منه قراءة 1000 كتاب خلال ثلاث سنوات، وحاز على شهادة الدكتوراه في الأدب بتقدير جيد جداً، وبشهادة اللجنة الفاحصة تميزت الرسالة من حيث التحليل والاعتماد على المراجع.

ولد أحمد شامخ حميد في كنف أسرة تتكون من أب وأم أميين وأسرة تتكون من سبعة شباب وبنتين هو اصغر اخوته الشباب حيث جميعهم تابع تعليمه وتحصيله العلمي لدرجات عالية في اختصاص الطب والهندسة والحقوق والآداب.

تزوج من امرأة مبصرة العام 2003 ورزق بثلاثة أولاد البنت الكبرى نور عمرها ثلاث سنوات وعبيدة سنتان ونصف السنة واصغرهم أسامة عمره شهران. يعمل مدرساً في معهد المكفوفين بدمشق ويمتلك مكتبة في منزله تحتوي على 1300 كتاب في كافة العلوم والاختصاصات، صادق يحب الحياة والآخرين ويتعامل معهم بكل حب واحترام ولا يتوانى عن تقديم المساعدة للجميع لاسيما العلمية والثقافية، طموحه وحلمه أن يصبح مدرساً في جامعات سوريا.

يعيش حياته بشكل طبيعي، يمارس هواياته المفضلة ولم تمنعه إعاقته ذات يوم من ممارسة حياته بشكل طبيعي.

بدأت رحلته مع الإعاقة البصرية حيث كانت رؤيته تتراوح بين 3 الى 5 درجات حتى عام 1988 حيث فقد الرؤية في العين اليسرى وبقيت العين اليمنى بقدرة بصرية لا تتجاوز ثلاثة أرباع الدرجة وهو يحمد الله حيث انه يستطيع السير والحركة نهاراً وحده لكنه يحتاج لمن يساعده ليلاً.

في جلسة أحاطها الود والصراحة تحدث الدكتور حميد ل الخليج عن مسيرة حياته قائلاً: لدي استعداد وراثي للإعاقة البصرية، درست الصف الأول الابتدائي في مدرسة عادية ثم انتقلت عام 1975 إلى دمشق لمعهد التربية الخاصة لتأهيل ورعاية المكفوفين بمنطقة الشيخ محيي الدين لم أكن من الناجحين المميزين في المرحلة الدراسية الأولى لكنني استطعت في المرحلة الثانوية وبالتحديد في (البكالوريا) تحديد الهدف الرئيسي لي في الحياة وبالتصميم والإرادة ورضا الله تعالى والوالدين استطعت الحصول على الشهادة الثانوية وانتسبت لجامعة دمشق كلية الآداب قسم التاريخ حيث كنت متميزاً من السنة الأولى ولفت أنظار أساتذتي وكان لي تقدير خاص عندهم حيث كنت أسعى دوماً لتجاوز كل العقبات التي تصادف الكفيف في الجامعة وبالنسبة للدراسة كنت أقوم باقتناء الكتب الجامعية في العطلة الصيفية واسجلها على أشرطة الكاسيت وعندما يأتي العام الدراسي تكون جاهزة وساعدتني شقيقي الصغرى لأبعد درجة حيث كانت تقوم بالتسجيل الصوتي ل(100) صفحة يومياً من المنهاج بمعدل ثلاث ساعات يومياً ولن أنسى مساعدة زملائي وزميلاتي بالجامعة حيث كانوا يقومون بالقراءة والكتابة لي أيضا.

وعن الصعوبات التي تواجهه في تنقله من مكان لآخر منذ صغره وحتى الآن قال: الطفل بفطرته خجول وما بالك إذا كان يعاني نوعاً من الإعاقة لاسيما البصرية ودوماً كان ينتابني تساؤل لماذا ينظر الأشخاص لي؟ ربما كانوا ينظرون لي بشكل عادي لكني بدأت بكسر هذا الحاجز بالمرحلة الإعدادية وتطور أكثر بالمرحلة الثانوية وخاصة في سنة البكالوريا حيث بدأت الاحتكاك بالمجتمع الخارجي ثم انتقلت للجامعة وبدأت العلاقات تأخذ توسعا اكثر وخصوصا الزميلات حيث اشعر أنهن يقدرن الشخص المعاق اكثر من الشباب وربما يعود هذا للعاطفة التي زرعها الله بفطرة الأنثى وهذا الشيء لمسته بشكل واضح في الجامعة حيث كان لي مجموعة من الأصدقاء عددهم 20 منهم 18 فتاة وشابان ولن أخفي سراً أنني أحببت فتاة لكن فيما بعد اصبح هناك نوع من العقلانية بالعلاقة، في البداية شعرت انه يوجد من قبلها نوع من الميول العاطفي لكني توقفت عند هذا الموضوع حيث تأكدت من مشاعرها نحوي ووجدت أنها مجرد عطف، هذا آلمني جداً لأنني إنسان لا ينقصني أي شيء عن الآخر وربما النقص في درجة الرؤية عندي يعادله نقص في أشياء أخرى عند الشخص الآخر لكنني حاولت عدم إظهار الإزعاج أو المضايقة نحو تصرفها وذهبت وأكملت دراستي وكان ترتيبي الثاني أو الثالث خلال سنوات الجامعة الأربعة أما في الدبلوم فقد اختلف نمط الدراسة حيث لا يوجد منهاج ونحتاج للبحث في مراجع كثيرة، كنت اجتزئ شيئاً من مصروفي الخاص لاقتناء الكتب وقراءاتها وقد ساعدني أصدقائي كثيراً وكان زملائي يرغبون في الاشتراك معي في حلقات البحث لأن الله وهبني القدرة على المناقشة والجرأة واحياناً تصل لحد انزعاج الدكتور المدرس مني لأنني كنت من النوع المناقش المشاغب ولكن ذلك كان يلفت انتباه بعض الأساتذة في الجامعة فيشجعونني أكثر.

عن كتاباته ومشاركاته قال: قمت بتحقيق مخطوط نادر عن حلب اسمه (الدر المنتخب في تكملة تاريخ حلب) لابن خطيب الناصرية وهو تكملة لتاريخ ابن العديم، لي عدة محاضرات: منها البصير بين العلم والثقافة وقانون الياسة من التشريع للتطبيق ودمج الطفل الكفيف في المجتمع ومدرسة المبصرين ودمشق وأثرها العلمي في الحضارة العربية ونكبة فلسطين وذكراها لهذا العام ودمشق عاصمة الثقافة العربية وجميعها ألقيتها في المراكز الثقافية بسوريا.

كما تم نشر عدد من المواضيع لي في وسائل الاعلام، ففي جريدة البعث السورية تم نشر موضوع بعنوان (مكتبة الأسد صرح حضاري شامل). ومقالة في مجلة دراسات تاريخية حول تربية الطفل وأثر الكتاتيب في تعليمه في الحضارة العربية وموضوع عن الجامع الأموي وأثره العلمي بدمشق ومقالة في الموسوعة العربية بعنوان الأمير يلبغى السالمي، وكان لي عدة مشاركات بورش عمل للمكفوفين مع اتحاد آسيا 2003 بدمشق وورشة عمل في بيروت بإشراف الاتحاد الاوروبي للمنظمة العربية للإعاقة، وشاركت بندوتين في التلفزيون العربي السوري بعنوان (من دمشق إلى قرطبة بمناسبة احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية)، وأيضاً شاركت ببرنامج مكاشفات ومجلة الأمل وفي الإذاعة السورية في برنامج قلوب يملؤها الأمل ودمشق في ذاكرتهم وبرنامج خاص بالمعاقين في إذاعة صوت الشعب بدمشق.

وعن هواياته قال: عندي هواية الرياضة وشاركت في بطولة اختراق الضاحية على مستوى المعاقين العام 1990 وكنت من الأوائل. وشاركت بأول بطولة لكرة الهدف (رياضة خاصة بالمعاقين) وكنت ضمن فريق دمشق وأحرزنا البطولة كما أمارس الشطرنج، إضافة إلى هواية سماع الأغاني القديمة لمحمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ وفريد الأطرش وتستوقفني أغاني قارئة الفنجان وبتلوموني ليه لعبد الحليم، وعدت يا يوم مولدي وبساط الريح لفريد الأطرش ولأم كلثوم أنت عمري وبعيد عنك ويا مسهرني وهي أول أغنية وعيتها في هذه الدنيا. وخالد عجاج من المطربين المحدثين.

وعن تكوين علاقات وأصدقاء وهل هناك من صعوبات واجهته قال: لا لأنه كان يساعدني فيها عدة عوامل وكنت أستثمرها ولا أستغلها لأغير القناعات المشكلة عند الطرف الآخر صحيح أن علاقة العطف كانت تزعجني ولكني كنت أستثمرها بشكل آخر وأحاول إقناع الطرف الآخر أنني لا أعامل كعلاقة عطف بل عليه أن يعاملني مثلي مثله من خلال السلوك وإثبات الوجود للطرف الآخر في ميدان الدراسة، ومن الأمور التي افخر بها أن الكثير من الزملاء المبصرين الذين يحضرون رسالة الدكتوراه يلجأون لي للمساعدة في هذا الموضوع وفي مجالات عدة من العلوم.

وعن مواقف في حياته لا ينساها أوضح: كنت أحد الأيام أقوم بزيارة صديق في منطقة السيدة زينب بريف دمشق وكان الفصل شتاء عدت الساعة الخامسة وبالطبع يكون الليل قد جاء، وصلت للمكان ووجدت شرطي المرور فطلبت منه أن يساعدني في قطع الطريق فقال: لماذا لا تقطعه وحدك؟ فأجبته: بعيد عنك أنا مكفوف. قال سأساعدك وفي الطرف الثاني ستجد زميلي وسيقوم بمساعدتك وكم فوجئت عندما وصلت للطرف الثاني لم أجد أحداً وبقيت أدور في نفس المكان ما يقارب الساعة والنصف وفي النهاية فقدت الأمل وقررت أن أقطع الشارع وحدي فقمت بفرد العصا ونزلت الشارع وبدأت أسمع أصوات الأشخاص ينادون من السيارات ويطلقون زمامير السيارات لكنني الحمد لله استطعت أن أتجاوز المأزق وأقطع الطريق وهذا الموضوع لن أنساه أبداً في حياتي ولن يمحى من ذاكرتي. وعن طريقة تعامله مع الآخرين في حياته اليومية قال: أنا إنسان عصبي لا أحب المزاجية في التعامل مع الآخرين ويثيرني أي موقف تجاهل منهم، أحب الشخص الصادق الصريح الأمين كما أحب التعامل مع المتعلم المثقف ومع من يستطيع أن يفهمني.

يقول الدكتور أحمد: يعود الفضل في النجاح الذي حققته في حياتي لرب العالمين رضا الله ثم الوالدين والأثر الكبير لأسرتي بشكل عام ولا سيما أشقائي وفي مقدمتهم أخي الكبير وهو طبيب حيث كان مشجعاً كبيراً لي ليس معنوياً وإنما مادياً طيلة فترة دراستي وهذا ما ترك في نفسي أثراً كبيراً وولد عندي دافعاً أكبر للمضي والإنجاز، كما قامت أسماء الأسد بتكريمي بعد حصولي على شهادة الدكتوراه بتقديم كمبيوتر بقيمة 50 ألف ليرة سورية إضافة لناطق صخر قيمته 150 ألف ليرة سورية وكان لذلك أثر كبير في نفسي.

يضيف الدكتور احمد أنه أصبح هناك اهتمام لذوي الاحتياجات الخاصة منذ العام 2000 وصدرت العديد من القرارات ولكنها لم تطبق على أرض الواقع.

وعن أمنياته قال: ما أريده ليس لي بل لكل شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة وهو أن يصبح هناك وعي كافٍ لتقبلنا كعناصر فعالة في بناء المجتمع مثلنا مثل أي عنصر آخر بالمجتمع وأتمنى أن تطبق القوانين والقرارات الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة ليس في سوريا وإنما في كافة البلدان وأتمنى أن أرى طلابي أفضل مني لأنني أزرع فيهم الأمل دائماً لأنهم مكفوفون، أما أمنياتي على الصعيد الشخصي فهي أن أرى أولادي بأعلى المراتب وأكسب المحافظة على أسرتي وأشقائي لأن الأخوة لا يعادلها أي علاقة أخرى كما أتمنى لزوجتي كل المحبة.