كلما مرت ذكرى وفاة أحمد زكي تأكدت بأنه حالة خاصة، والحزن على رحيله وخسارته لا يشبه الأحزان الأخرى التي نشعر بها حين يرحل أحد نجوم الفن، إنه إحساس شخصي دون أن أفهم الأسباب. ورغم تلك المشاعر، إلا أنني لم أتوقع أن يحمل فيلم حليم كل هذه المرارة وأن يحيي فينا ذكرى رحيل زكي للعام الثاني بهذه القوة، ويعيدنا إلى الوراء وكأننا نعيش الآن أيام أحمد زكي الأخيرة والأليمة في صراعه مع المرض حتى الموت.. هذا الفيلم الذي انتظرنا بشوق مشاهدته في صالات السينما، والذي كانت طريق مدينة كان الفرنسية أقرب إليه من طرقات دول عربية كثيرة، عرضته لأول مرة قناة ام بي سي قبل أيام، فشاهدناه بلهفة وحرقة.
حاولنا أن نتجرد من عواطفنا أثناء المشاهدة، لكن صوت أحمد زكي المبحوح حتى الاختناق وهو يلهث الكلمات ولا ينطقها، وملامح الأسى وكبرياء وعنفوان البطل الرافض للاستسلام حتى الرمق الأخير، أكدت لنا أننا أمام فيلم تسجيلي لا تمحوه الذاكرة ويجب أن تخلده السينما المصرية لفنان أصر أن يحيا على الشاشة في لحظات صراعه مع المرض والموت، تماماً كما كان يقول أنا لا أحيا إلا على الشاشة. فيلم بقي فيه عبدالحليم حافظ في الخلفية لنرى أمامنا أحمد زكي وهو يودع الشاشة عشقه الأول والأخير بحدوتة اسمها حليم.
صحيح أنه حقق حلم حياته بتجسيد دور العندليب الأسمر، لكنه في نفس الوقت حقق حلمنا نحن في رؤية عبقريين معاً في فيلم واحد. ومن المؤكد أنه ليس أفضل ما قدم زكي للشاشة، لكنه أقوى ما يمكن أن يقدمه ممثل لمهنته وجمهوره، خصوصاً أن مشاهد كثيرة ظهر فيها البطل على فراش المرض الحقيقي فكان حليم وزكي في شخص واحد وفي حالة مرضية واحدة. لسنا بحاجة لمن يقول لنا إن كانت هذه المشاهد داخل المستشفى حيث كان يرقد زكي أم لا، فالأجواء وملامح وجهه والحالة التي كان فيها تنطق بما تخبئه الكاميرا ويحاول اخفاءه المخرج.
أين تجسدت عبقرية أحمد زكي في فيلم حليم؟ ليس فقط في إصراره على التمثيل، بل في إجادته للدور رغم الألم. فما أجمل ذاك المشهد الذي ثار فيه وانتفض منهياً الحوار مع المذيع رمزي (جمال سليمان) لانزعاجه من سؤال مصدره نميمة وشائعات. وما أروع أداؤه للأغنيات على المسرح كأنه عبدالحليم حافظ بحق، وغضبه من بعض الشبان الذين جاؤوا يسخرون منه وسط الجمهور وصراخه في وجههم.. قمة في التعبير والتمثيل تؤكد حتى اللحظة الأخيرة أن هذه الموهبة كانت تسيطر على صاحبها وتنتزعه من ذاته لتأخذه إلى حيث تشاء، فمرة تلبسه ثوب وجسد وروح عبدالحليم ومرة أنور السادات ومرة عبدالناصر وأخرى وزير فاسد وقديماً طه حسين.
هذا الدور الصغير في المساحة الكبير في الأهمية، رفع فيلم حليم وأنقذه من بعض الثغرات، خصوصاً أن أكثر من نصف المساحة تولاها هيثم أحمد زكي في أولى تجاربه مع التمثيل، ومن الطبيعي أن نشعر بهذا الفارق الكبير بين كفتي الفيلم، في مرحلة شباب حليم مع هيثم ومرحلة كبره مع أحمد.. هذه التجربة المرة والصعبة لهيثم وقبوله تحمل مسؤولية الفيلم بدلاً من أبيه بعد وفاته، رفعت من رصيده، خصوصاً أن من تولى مسؤولية تشكيله وإعداده لهذه المهمة، مخرج بارع لعب دوراً كبيراً ومهماً في هذا الفيلم، فقدم شريف عرفة أفضل ما تم تقديمه حتى الآن عن عبدالحليم حافظ وركز على نقاط كثيرة لم نشاهدها في مسلسل العندليب وارتقى بأبطاله وأحسن اختيارهم كل في مكانه الصحيح، بدءاً من البطلين أحمد وهيثم وصولاً إلى بهاء جاهين الذي لعب دور أبيه صلاح وسلاف فواخرجي التي لعبت دور حبيبة حليم وغيرهم.. أداء هيثم أفضل بكثير من أداء شادي شامل في العندليب ومدحت صالح في السندريللا.
ويعتبر الفيلم ككل أفضل من المسلسلين اللذين تناولا حكاية حليم والسندريللا بكثير من التشويه واللامنطق. ولعل أبرز ما يلفت في الفيلم أنه شدد على الجوانب الوطنية والنكسة وقدم أغنيات عبدالحليم المليئة بالعزم والثورة والنصر، فطغت على الأغاني الرومانسية. كذلك بين الوجه الآخر للعندليب ولم يكتف بالصورة المعهودة عنه والتي جعلت منه نجماً رومانسياً حتى الغباء والضعف واللاإرادة، فقدمه لنا إنساناً متوتراً أحياناً، غاضباً ثائراً ناقماً مخطئاً ومعتذراً.. يعرف من يحب وكيف يحب ويتحكم بمشاعره، فرفض الارتباط بسعاد حسني لأسباب تتعلق بمهنتهما ونجوميتهما، ورفض الارتباط بحبيبته صوناً لكرامته حين رفضه جدها.
حليم فيلم إنساني جداً بكل ما فيه وشديد الارتباط بواقع الحياة، لا بد أن نرى فيه أحمد زكي أولاً ومن بعده عبدالحليم حافظ وما ربط بينهما من عزم وإرادة قوية وإصرار على العطاء الفني حتى آخر لحظة.