حسن عبد الوارث
اشتهرت في اليمن - وفي ريفه بالذات - ظاهرة أدب الأحكام، وهو كلام منظوم بأوزان الشعر وفي شكله السائد، يروي أحكاماً أو حِكَماً تتصل بطبائع النفس البشرية وأساليب المهن والحِرَف وبالذات الزراعة والري والرعي ومواسمها وقيمة الأرض وحميمية علاقة الفلاح بها، عدا أحكام الشريعة والقضاء والفتوى، وفلسفة الحياة والموت وشؤون الزواج والطلاق، وغيرها من الأمور المتصلة بواقع الإنسان، لا سيما سكان الأرياف.
ويُعد هذا اللون من التراث الشعبي ملمحاً بارزاً من ملامح أدب العامية في اليمن، لا يمكن إغفاله أو إهماله، فقد توارثه العامة منذ مئات السنين، وحظيَ بالتوثيق والتدوين والدرس والشرح والنقد والتحليل عبر مبادرات شخصية ومؤسسية عديدة، وإنْ ظل الكثير منه مقصوراً على التداول الشفاهي، وبالتالي يغدو مُعرَّضاً للاندثار والزوال من الذاكرة الإنسانية والمصادر الأدبية والمراجع التراثية. وقد نال شعر الأحكام وأبرز رموزه، قدراً كبيراً من الاهتمام متمثّلاً في الدرس المنهاجي الذي عرَّف به ووثَّق له وشرحه، من قبل أدباء ونقاد وباحثين من أبرزهم شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني، والدكتور عبد العزيز المقالح الذي أفرد له حيزاً في دراسته العلمية المهمة عن «شعر العامية في اليمن» التي نال بها شهادة الدكتوراه في الأدب من جامعة عين شمس في القاهرة أواخر سبعينيات القرن الماضي، بالإضافة إلى المستشرق الروسي أناتولي أجارتشييف.
كما اشتهر عدد من الشعراء الشعبيين في هذا المجال، وانتشرت أشعارهم - أو أحكامهم - على نطاق واسع تجاوز أرياف اليمن إلى مدنها، بل تجاوز بعضها حدود اليمن إلى ما جاورها من بلاد في الجزيرة والخليج وشرق إفريقيا. لكن كثيراً من أشعار الأحكام ظلت مجهولة النسب، فيما نُسب بعضها إلى شعراء ذوي كنى (أبو فلان وابن فلان) لا يُعرفون بأسمائهم الصريحة. وبرغم ذلك ظلت هذه الأعمال خالدة في الذاكرة التراثية الشعبية لمئات السنين.
وتكاد شهرة وانتشار شعر الأحكام في اليمن تنحصر في ثلاثة أعلام هم: علي بن زايد الذي وُجد في فترة زمنية غير معلومة بالتحديد، في المنطقة الوسطى من البلاد.. والحُمَيْد بن منصور الذي أقام في جنوب اليمن.. وغزال المقدشية وقد ذاع صيتها في شمال البلاد في النصف الأول من القرن التاسع عشر للميلاد. غير أن علي بن زايد كان أشعرهم وأشهرهم وأكثرهم تأثيراً في العامة في معظم أنحاء اليمن ومن مختلف طوائفهم، حتى ليُعد «حكيم الريف اليمني الأول دون منازع، وأشهر شعراء العامية بين صفوف الفلاحين» بحسب الدكتور عبد العزيز المقالح.
تأثير اجتماعي لافت
وقد كانت أحكام علي بن زايد مُلزِمة للناس أكثر مما تلزمهم أحكام القضاة الشرعيين في ذلك الحين، بل أن لها في بعض الأحيان قداسة تتجاوز ما لدى الأحكام الشرعية من قوة تأثيرها في نفوس العامة، كما يتأكد ذلك من واقعة حدثت بالفعل في زمن بعيد ويؤكدها الكثير من الرواة، إذْ يُحكى أن قاضياً ذهب إلى قرية يمنية ليقوم بقسمة تركة أحد المتوفين، وقد شرع في إخراج ما كان على المتوفى من ديون واجبة للغير عملاً بقوله تعالى «من بعد وصيةٍ يوصى بها أو دَيْن» غير أن هذا الحكم قوبل برفض قاطع من الورثة، برغم النص القرآني الساطع، فإذا بفطنة القاضي تُسعفه بقول علي بن زايد (يقول علي بن زايد: الدَيْن قبل الوراثة).. فإذا بجميع الورثة يوافقون بلا أدنى اعتراض.
فمن هو علي بن زايد ؟، تكاد أغلب المصادر التي تناولت سيرة وأحكام هذا الحكيم تُجمِع على عدد من الملامح أو الإشارات البارزة في هوية هذه الشخصية، لعل أهمها:
أولاً، عدم تجاوز نسبه إلى الاِسم الثالث - أي اسم الجَد - فلا أحد ذكر له اسماً أبعد من الاسم الثنائي، ولا أحد ذكر له قبيلة معلومة أو عائلة محددة. وهي مسألة في غاية الأهمية في المجتمع اليمني منذ القدم، ما دعا الكثيرين إلى التشكيك في حقيقة وجوده من الأساس.
ثانياً، لم يُحدِّد أي مصدر الفترة التي عاش فيها هذا الحكيم، ناهيك عن تحديد سنة مولده أو وفاته. غير أن بعض الباحثين يعتقد بأنه عاش في فترة زمنية لا تتجاوز القرن الثاني عشر الهجري (أي القرن الثامن عشر للميلاد) من خلال معرفة اللهجات التي استخدمها والموضوعات التي عالجها.
ثالثاً، برغم أن معظم المصادر تشير إلى أنه ينتمي إلى المنطقة الوسطى من اليمن (محافظة إب، اليوم) بسبب لهجة أشعاره وأحكامه، وبرغم أن كثيرين حدَّدوا قرية «مَنْكَث» موطناً له، مستدلّين على ذلك بترديده ذكرها في معظم تراثه.. إلاَّ أن بعض الباحثين أشاروا إلى أن هذا الدليل غير كافٍ، لأنه ردَّد ذكر قرى ومناطق أخرى غيرها.
وهذا التضارُب في الآراء - بصدد شخص هذا الحكيم وزمنه وموطنه - دفع بالكثير من المُعمِّرين في مختلف مناطق اليمن إلى أن ينسبوه كلٌّ إلى منطقته، بل راحوا يروون أحكامه كلٌّ بلهجته أيضاً. وما زال هذا الخلاف النَّسَبي قائماً إلى اليوم.
ولعل ذلك ما دعا عبدالله البردوني - من خلال دراسته عن سيرته وأحكامه - إلى الاعتقاد بأن علي بن زايد ليس شخصاً واحداً محدداً، إنما هو «يُعَدُّ بالعشرات ومن أجيال متعاقبة، وربما كان واحداً نُسبت إليه أقوال غيره إلى جانب أقواله، كما انتسبت بعض الحماسيات إلى عنترة وبعض الخمريات إلى أبي نواس وبعض الفكاهيات إلى أبي دلامة بفعل الشهرة». ويزيد البردوني في الإيغال بهذا الأمر بتساؤلاته المثيرة حول ما إذا كان علي بن زايد شخصية تاريخية حقيقية، أم صنيعة الخيال الشعبي؟، مُجيباً في الوقت نفسه: «لعلَّه حقيقي خيالي معاً. حقيقي من حيث التسمية، وخيالي من حيث وفرة هذه الأمثال والأعراف والحِكَم، إذْ لا يمكن أن يُعبِّر رجل واحد بلهجات كل المناطق وعن تجارب كل الأجيال».
وتأسيساً على هذا الاعتقاد يرى البردوني أن الناس نسبوا إليه ما لم يقُله بسبب اشتهاره بالحكمة المقرونة بالتجربة، لكي تمتلك تلك الأقوال قداسة الشريعة أو قوة القانون.. حتى إن كثيراً من أحكام وأشعار الحُمَيْد بن منصور وغيره نُسبت إلى علي بن زايد لطغيان شهرة وتأثير أحكام الأخير.
كانت حياة علي بن زايد حافلة بالتجارب والمعايشات بحلوها ومُرّها، فقد زاول مهناً عديدة في حقل الزراعة والرعي والري وفي مجال القضاء والفتوى وفي جوانب أخرى عدة، كما تنقَّل بين القرى والمدن بطول البلاد وعرضها، وخالط مجتمعات وبيئات وطبقات مختلفة خلال مزاولته كل تلك المهن وتنقلاته في كل تلك المناطق، وبالتالي أحاط بكثير من العادات والأعراف والتقاليد وطباع البشر وأخلاقهم وصفاتهم.. وقد خرج من كل تلك التجارب بحصيلة وافرة من المعارف وزاد ثمين من الخبرات، ترجمها إلى أشعار وأحكام كان لها بالغ الأثر في حياة ومعاملات الناس ممن عاصروه أو جاؤوا بعده بأجيال.. فجاءت أحكامه شاملة جميع أوجه الحياة والعمل والمعضلات، من أمور الدين والشريعة إلى شؤون الزراعة والماشية، ومن فلسفة الحياة والموت إلى عادات العامة وأعراف القبيلة، ومن القيم الأخلاقية إلى الحياة الزوجية.
ومن معين هذه الأحكام يمكننا التعرُّف على نبذة من كل حقل ومثال في كل مجال. ففي الزراعة ومواسمها يقول:
(نصف السنة تسعة اشهر.. والنصف الآخر ثلاثة /‏ التسع والسبع والخمس.. تبان فيها العيافة/‏ لا سمن فيها ولا بُر.. ولا غنم للضيافة/‏ أما الثلاث قد بها بُر.. الله يُجمِّل ويستُر). «العيافة: الفقر، والبُر: القمح».
وفي قيمة الأرض - التي يدعوها الفلاحون عادةً: المال - والدعوة إلى التشبُّث بها وعدم التفريط فيها ولو بمال قارون، يقول:
(قولوا لمن باع ماله/‏ من بلدة الناس يرحل.. يرحل ويدفن حلاله).
وبقدر إجلالهم للأرض يجلّ الفلاحون الماشية أيضاً، لا سيما الثيران التي تعينهم في حراثة الأرض والأبقار التي تسند عيشهم من خيراتها:
(ما يجبر الفقر جابر.. غير البقر والزراعة/‏ وإلاَّ الجِمال ذي تسافر.. تُقْبِل بكل البضاعة).
(يا ثورنا طال عمرك.. طول السهيل اليماني/‏ في آخر اليوم شيبة.. تصبح ولد يوم ثاني).
وإذا كان علي بن زايد يُمجّد الحياة والأرض والخير والخضرة في وقت السلم والعمل والإبداع، فإنه يدعو إلى الحرب ويُحرّض على الغزو إذا ما دعا الداعي واشتدت الأسباب:
(لا عاد ذي ما يجازي/‏ على الصنيعة صنيعة.. وبالمغازي مغازي).
غير أنه أكثر ميلاً إلى التحذير من شرورها وأكثر جنوحاً إلى التبشير بضرورة السلام في نهاية المطاف:
(أول الحرب عدامة/‏ ووسطها غرامة/‏ وآخرها ندامة/‏ وبعدها السلامة).
ولطالما دعا هذا الحكيم إلى ارتباط المرء ببلده لأنه ارتباط بالعزة والكرامة التي يفتقدها إذا غادرها ويستعيدها بمجرد العودة إلى أحضانها:
(عزّ القبيلي بلاده، ولو تجرَّع وباها/‏ يسير منها بلا ريش، ولو مَلَك ريش جاها). «وباها: بلاؤها. لا ملك: إذا امتلك».
وفي نقده للفساد، وبالذات فساد القضاة الذين يرتشون فيعمدون إلى قلب الحقائق وتبديل الأحكام في القضايا تحت تأثير المال:
(باب الشريعة مُغلَّق/‏ واِنْ كان لاشي دراهم.. فالباطل أمضى من الحق). «لاشي: إذا وُجِدتْ».
وفي حكمه على طبقات الناس وصفاتهم الأخلاقية يقول:
(الناس مثل الغرايس/‏ منُّه ما كان حالي.. ومنُّه حامض ومُضْرِس).
(الصاحب الجِيْد وَسْلَة.. لحين تُبدي بوادي/‏ وحينما تحتضي له.. يُشرِّفك في البوادي). «وسلة: ذخر. تحتضي: تحتاج».
وكان من البدهي أن يحث هذا الحكيم على التعليم، بقدر حثّه على الزراعة، فهما خير أبواب الرزق، وهما ميزان قَدْر المرء في قومه ومجتمعه:
(ما رزق يأتي لجالس/‏ إلاَّ لأهل المَغارِس.. ومن قَرِي في المدارس). «قري: قرأ ودرس».
غير أنه لا يفتأ أن يؤكد على ضرورة الاقتران الشرطي بين المعرفة النظرية والتجربة العملية، وذلك بقوله:
(من كان شيخه كتابه/‏ كان خطاه أكثر من صوابه).