إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفور رحيم (الحجرات: 4 - 5).
الحجرات هي بيوت نساء النبي صلى الله عليه وسلم، والذين نادوا النبي هم جماعة من وفد بني تميم جاءوا المدينة في سنة تسع، وهي سنة الوفود وكانوا أكثر من سبعين رجلاً، وكان سبب وفودهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن بني العنبر منهم كانوا قد شهروا السلاح على خزاعة، وقيل كانوا منعوا إخوانهم بني كعب بن العنبر بن عمرو بن تميم من إعطاء الزكاة، وكان بنو كعب قد أسلموا من قبل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر بن سفيان ساعياً لقبض صدقات بني كعب، فمنعهم بنو العنبر فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن في خمسين من العرب ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري فأسر منهم أحد عشر رجلاً وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبياً، فجاء في أثرهم جماعة من رؤسائهم لفدائهم فجاءوا المدينة، وكان خطيبهم عطارد بن حاجب بن زرارة، وفيهم سادتهم الزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، وجاء معهم الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن الفزاري الغطفاني، وكان هذان الأخيران أسلما من قبل وشهدا مع النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنين والطائف فلما قدم وفد بني تميم قدما معهم.
مدح الله
دخل وفد بني تميم المسجد، وكان وقت القائلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم في حجرته، فنادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته: يا محمد اخرج إلينا، يا محمد اخرج إلينا، ثلاث مرات، فآذى رسول الله صلى الله عليه وسلم صياحهم، فخرج إليهم، فقالوا: إن مدحنا لزين وإن ذمنا لشين، نحن أكرم العرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتم، بل مدح الله عز وجل الزين، وذمه الشين، وأكرم منكم يوسف بن يعقوب.
فقالوا: إنا أتيناك لنفاخرك، سلكوا في عملهم هذا مسلك وفود العرب على الملوك والسادة، حيث كانوا يأتون بيت الملك أو السيد فيطيفون به ينادون ليؤذن لهم أن يذكروا مفاخرهم وأيامهم، ويذكر الموفود عليه مفاخرهم، قالوا: فأذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: (قد أذنت لخطيبكم فليقل)، فقام عطارد بن حاجب فقال: (الحمد لله الذي له علينا الفضل وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة، فمن مثلنا في الناس؟، ألسنا برؤوس الناس، وأولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو شئنا لأكثرنا الكلام ولكنا نستحي من الإكثار فيما أعطانا (وإنا نعرف بذلك)، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا)، ثم جلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج: (قم فأجب الرجل في خطبته)، فقام ثابت فقال: (الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شيء قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا، ثم كان أول الخلق إجابة، واستجاب الله حين دعاه رسول الله نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله ورسوله، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم).
فقال الزبرقان بن بدر لرجل منهم: يا فلان قم فقل أبياتا تذكر فيها فضلك وفضل قومك، فقام فقال أبياتاً منها:
نحن الكرام فلا حي يعادلنا
منا الملوك وفينا تنصب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم
عند النهاب وفضل العز يتبع
إنا أبينا ولا يأبى لنا أحد
إنا كذلك عند الفخر نرتفع
رد حسان بن ثابت
وكان حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه غائبا فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما حضر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قم يا حسان فأجب الرجل) فقام حسان فقال:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم
قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بهم كل من كانت سريرته
تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم
أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة
إن الخلائق فاعلم شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم
فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم
لا يطمعون ولا يرديهم طمع
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم
وان أصيبوا فلا خور ولا هلع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم
إذا تفرقت الأهواء والشيع
فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله قال الأقرع بن حابس: (وأبي إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا ولأصواتهم أعلى من أصواتنا)، فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم.
وفيهم نزلت الآية الكريمة.