أنهت معاهدة أتريشت التي تم توقيعها في عام 1713م حرباً تورطت فيها كل إنجلترا وفرنسا وإسبانيا والنمسا ووفقاً لتلك المعاهدة منحت إنجلترا حقوقا تجارية خاصة في المستعمرات الإسبانية في جزر الهند الغربية، بيد أن الطرفين إنجلترا وإسبانيا سرعان ما خرقا بنود المعاهدة نظراً لجشع إنجلترا التي أرادت الحصول على حقوق لم تأت في نص المعاهدة وهذا ما دفع إسبانيا إلى مجابهة ذلك بإجراءات انتقامية الأمر الذي أدى إلى انهيار الاتفاقية عام 1730 .
معاهدة إشبيلية
والحقيقة أن معاهدة اشبيلية التي وقعت في 9 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1729 بين بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والتي منحت إسبانيا حق تفتيش السفن التجارية البريطانية للحد من عمليات تهريب السلع البريطانية لم تعجب البريطانيين كثيراً واعتبرت أن ذلك بمثابة قرصنة . وفي تلك الآونة اعتاد حراس الشواطئ الإسبان خفر السواحل اعتلاء السفن البريطانية حتى ولو كانت منتمية للملكية البريطانية بحثاً عن السلع المهربة التي غالباً ما كانت كثيرة على هذه السفن، وهذه التصرفات اعتبرت بمثابة إساءة بالغة لكبرياء الأسطول التجاري البريطاني وإهانة لبرلمان إنجلترا والبلاط الملكي .
في عام 1731 صعد ضابط البحرية الإسبانية إلى السفينة البريطانية (ريبيكا) التي كان يقودها الكابتن الإنجليزي روبرت جينكنز ثم قام أحدهم ويدعى خوليو ليون فاندينو بربط الكابتن جينكنز في إحدى صواري السفينة ثم جز أذنه وقال له: خذها إلى ملكك وقل له سأفعل الشيء ذاته إذا لمحته عيناي هنا .
وضع الكابتن جينكنز أذنه في محلول محلي بقارورة بعد أن تعرض للسب والاهانة والتعذيب الجسدي علاوة على استيلاء حراس الشواطئ الإسبان على الأشياء النفيسة من السفينة ريبيكا . وبعد احتجازه يوماً كاملاً، أمر هؤلاء، الكابتن جينكنز بالرحيل فوراً وإلا فإنهم سوف يحرقون السفينة، وأسرع جينكنز بالانطلاق ولدى وصوله إلى إنجلترا يوم 11 يونيو/حزيران من العام نفسه (1731) توجه إلى الملك جورج الثاني ليعرض عليه شكواه وأدلى بشهادته التي تمت الموافقة عليها أمام دوق نيوكاسل بصفته سكرتيراً أميناً عاماً عن المستعمرات الجنوبية، وبعد ذلك أحيل التقرير إلى القائد العام البريطاني في جزر الهند الغربية الذي قدم بدوره شكوى رسمية إلى محافظ هافانا شاكياً له المعاملة السيئة التي تعرض إليها روبرت جينكنز .
الرجل المحترم
والغريب أن هذه الحادثة على أهميتها لم تلق في البداية الاهتمام الكبير من قبل الملك لكنها وصلت بطريقة ما إلى إحدى المجلات التي كانت تصدر في تلك الآونة والمعروفة بمجلة الرجل المحترم حيث أفرد لها مدير تحريرها صفحة كاملة، وظل جينكنز يعرض قصته ويرويها بتفاصيل مثيرة أمام مجلس العموم البريطاني وفي المقاهي، حاملاً معه أذنه في قارورته تلك أينما ذهب، إلى أن لقيت قصته آذاناً صاغية نظراً لغرابتها .
صيحات الحرب
تعالت صيحات الحرب والتعبئة وذكّر البرلمان البريطاني بالانتصارات التي حققتها البحرية الملكية في عام 1718 ضد الأسطول الإسباني في كاب باسارو خلال حرب التحالف الرباعي (1718-1720)، وأمام هذا الجو المشحون، لم يستطع رئيس الوزراء السير روبرت والبول الذي كان معروفاً بحبه للسلام، إيقاف نزعة الغضب والرغبة في الانتقام من الإسبان . وفي 23 اكتوبر/تشرين الأول 1739 تم إعلان الحرب رسمياً ضد إسبانيا واندلعت ما يسمى آنذاك بحرب أذن جينكنز . وبعد عام واحد تورطت أوروبا برمتها في حرب أخرى واستمرت طويلاً إلى أن لجأ الجميع إلى السلم عام 1748 بتوقيع اتفاقية (إيكس لاشيل التي لم تدم بدورها سوى فترة قصيرة .