الأرامل والمطلقات يواجهن صراعاً كبيراً في حياتهن بعد فقد الأزواج بين الزواج ثانية والتفرغ للأبناء، وكثيرات يخترن الطريق الثاني من أجل أولادهن، ويواصلن الحياة بمفردهن بهدف تربيتهم وتقديم التضحيات التي قد يقدرها بعض الأولاد، ويتجاهلها بعضهم، وأحياناً لا يعترف بها أحد منهم؛ لأنهم يرونها حقاً وواجباً لهم على الأم، التي تبقى بقلبها الكبير وبعاطفتها الجياشة وبجروحها المتسعة، وبمخاوفها التي لا تنتهي تعيش الحياة مع فلذات أكبادها الذين تحبهم أكثر من نفسها . ورغم ذلك يبقى هاجس أنوثتها ومشاعرها الدافئة مسيطراً عليها، وضاغطاً على ضعفها، هامساً لها بأنها مخلوق يحق له أن يعيش الحياة بحلاوتها من جديد، ولكنها تمضي في تضحيتها وتدير ظهرها للحياة وتنتصر لأمومتها وأولادها، رغم جهلها التام بشكل تلك التضحية الهائلة خلال سنوات حياتها المقبلة، وهل ستعيش الوحدة التي تراها فيمن سبقوها من الأمهات . التقينا مجموعة من الأرامل والمطلقات للتعبير عن مشاعرهن وطرح تجاربهن .

حينما وجدت نفسها أرملة بعد وفاة زوجها فجأة أحست بينة علي بالضعف، خصوصاً أن لديها طفلين لا يتجاوز الكبير الحادية عشرة من عمره، وهي مازالت في أحلى سنين عمرها، وعندما تفكر في أن المرأة الحلقة الأضعف في المجتمع وحينما تتحول إلى الزواج فإنها غالباً ما تتعرض إلى النقد الذي يكون مصدره في العادة أهل زوجها المتوفى، خلاف الرجل الذي لا يقف ضده أحد ولا حتى زوجته التي ساندته كثيراً حتى نجح وأصبح من نجوم المجتمع . وفي الوقت الذي فكرت بالزواج فيه تذكرت قولاً لصديقة لها تزوجت بعد وفاة زوجها إنها عرفت أن الزوج دائماً ينظر إلى أولاد زوجته على أنهم لرجل آخر، وينتهي أمره إلى التغير وأحياناً الهجر .

وخلاف ذلك، تشير نوال محمد معلمة الى أنها منذ وفاة زوجها التزمت الصمت ولم تلمح بحيرتها أبداً لمعرفتها المسبقة برفض أولادها فكرة زواجها مجدداً وعدم قبولها، لأن والدهم الذي كان يعرف أنه سوف يموت في أي لحظة كان يقول لهم أمامها: الأولاد الذين يسمحون بزواج أمهم بعد أبيهم الميت ليسوا رجالاً أبداً، لذلك بدأ ابنها الكبير، يؤكد لها كل يوم بأنها ملك لهم فقط ولايمكن أن يقبلوا بغير ذلك .

وتؤكد أن أختها دائماً تدفعها للتفكير في الزواج لأن الأولاد سوف يكبرون ويتركونها وحيدة وعليها أن تجد رجلاً تعتمد عليه، ما يجعلها في بعض الأحيان تفكر في الأمر وتناقشه مع زميلاتها في العمل في حين لاتجرؤ على الكلام فيه مع أولادها . ولأنها تشعر بالعجز تقبل بالتضحية رغم علمها بأنها بعد سنوات عدة لن تجد من يسأل عنها من أبنائها أو يزورها في المناسبات .

وترفض سميرة عبدالعال أرملة كل هذا الطرح، مؤكدة ضرورة أن يكون لدى المرأة حكمة في اتخاذ القرار الذى يريحها ويسعد أولادها، لكن الأهم أن ترتقي بنفسها وبأولادها من خلال التضحية من أجلهم، بشرط أن يكون لديها رؤية واضحة لكل نواحي حياتها حتى لا تقع أمام عواصف الحياة العاتية .

وتلفت إلى أنها منذ لحظة وفاة زوجها منذ ما يزيد على عشر سنوات، وكانت هي في نهاية الثلاثينات، اختارت أولادها الذين كانوا في مراحلهم التعليمية الأولى، والآن منهم اثنان في الجامعة وابنة واحدة في المرحلة الثانوية، ما أدى إلى احترام كل الناس لها ولأولادها .

علياء أ . التي فقدت زوجها في حادث سيارة على طريق العين أبوظبي مازالت ترفض وفاة زوجها وتعيش مع ولديها بالنمط الذي تعودت عليه معه، مؤكدة أنهما أهم من أي شيء في الحياة بعد أن تركهما والدهما أمانة لديها، لذلك أغلقت كل حياتها عليهما من أجل كل لحظة سعادة عاشتها معهما في أحضان زوجها، الذي جعلها تحب الحياة التي تعرفت إليها من خلاله .

وفي الوقت نفسه كثيراً ما تشعر بالعجز وتبقى متخبطة في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب . وأرجعت هذا العجز إلى الخوف الذي يتملكها على ولديها اللذين تريد لهما أن يكونا أفضل الناس في المجتمع .

وعلى نقيض هذا الطرح، تؤكد فاطمة محسب مطلقة ولديها طفلان أكبرهما في الصف السابع، حيرتها في قبول الزواج من عدمه، وأنها كلما اتخذت القرار تراجعت فيه، وتبقى في حالة شديدة من الصراع .

وتشير إلى أنها مازالت تحتفظ بأنوثتها ومليئة بالحياة، ووجهها باسم ومضيء، وهي أمور تحلت بها ربما لطبيعة عملها كممرضة . وتلفت إلى أنها كلما قررت الزواج زاحمتها صور طفليها وتبدأ في حالة من العجز الكلي .

كريمة عبدالوهاب صيدلانية فقدت زوجها وهي في السابعة والعشرين من عمرها، وقررت منذ البداية عدم الزواج وأن تهب حياتها لابنتها التي وضعت فيها كل آمالها في الحياة، على الرغم من الضغوط النفسية التي واجهتها من أسرتها من أجل الزواج وإنجاب إخوة لابنتها لكنها أصرت على موقفها، وكانت ترى ابنتها تكبر أمامها كل يوم فتفرح وتحس بأنها تقدم للحياة أجمل زهرة، وهي الآن في الصف الحادي عشر وتنتظر لها تحقيق حلمها في دراسة هندسة الاتصالات .

وتوضح أن حياة الإنسان إن كانت بلا حلم فإنها بلاشك ستكون بلا معنى، وهو ما جعلها تقهر حنينها إلى الحياة برفقة زوج تشعر معه بالأمان .

حيرة شديدة

يرى د .هاشم سرحان، المتخصص في علم الاجتماع والدراسات النفسية، أن المرأة بطبيعة الحال تجد نفسها بعد أن تصبح مطلقة أو أرملة أمام خيارين، الأول أن تهب نفسها لأولادها حتى تستطيع أن تربيهم، والآخر قبول الزواج الثاني، مبيناً أنه لا توجد إشكالية في هذا الأمر لأن نظام الرعاية الاجتماعية يكفل حرية المرأة في خياراتها . ولفت إلى أن المرأة في تلك المرحلة تجد نفسها في حيرة مابين الواجب والعاطفة والأمومة، وهناك من تقفز على الواجب والأمومة وتغلب العاطفة، والعكس صحيح، وهناك من تحب الحياة في كنف الرجل مؤمنة بأنها سوف تقربه من أولادها وتقربهم منه وقد تنجح وقد تفشل، وهناك من تهرب من الزواج خوفاً من نظرة المجتمع إليها، ومن تقفز على كل تلك الأمور وتندفع وراء إصرار أسرتها على الزواج وتجد نفسها في النهاية ضحية هذا الإصرار وتشعر بالندم، لكن الأكيد أن هناك حاجة للمرأة في الزواج بغض النظر عمن يكون هذا الرجل .