بعد حصول «سهير» على دبلوم الثانوي التجاري، التحقت بالعمل في أحد مصانع السجاد الشهيرة، وبعد شهور قليلة من التحاقها بالعمل، تعرفت على زميلها «أشرف»، ووجدت نفسها مشدودة إليه وشعرت بأنه فارس الأحلام، الذي كانت في انتظاره، فقد كان غاية في الوسامة وأنيقاً في ملابسه، ولحسن حظها، كانت قد نالت إعجابه هي الأخرى، وبدأت علاقتهما تقوى يوماً بعد يوم، ومع تكرار اللقاءات، زاد تعلق كل منهما بالآخر، والتهبت المشاعر، وارتفعت الكلفة، وتحطمت الحواجز، وبدأ يلقي على مسامعها كلمات الغزل والإطراء، حتى جاء اليوم الذي صارحها فيه بحبه، فصارحته بحبها هي الأخرى، وعلى الفور عرض عليها الزواج، فكادت تطير من شدة الفرحة، تقدم أشرف للزواج منها، لكن والدها رفضه رفضاً قاطعاً، لأنه كان قد اتفق مع صديقه الحميم على زواج ابنه من سهير، كما اعتبر أن أشرف عريس غير مناسب لابنته، فهو لا يمتلك أي شيء يقدمه إليها، لكن سهير لم تهتم بكل ذلك، وصممت على الزواج من أشرف، وأكدت أنها لن تتزوج سوى الذي اختاره قلبها، أمام إصرارها وتمسكها بأشرف، ورفضها جميع المحاولات التي قام بها والدها لإجبارها على الزواج من ابن صديقه الذي يمتلك كل الإمكانيات، وأهمها شقة مجهزة بأثاث جيد، كما عرض تقديم شبكة ثمينة، اضطر والدها للموافقة على زواجهما، وتم الزواج في حفل بسيط بمنزل العروس، ورغم بساطة الحفل، فقد كانت ليلة الزفاف جميلة، فالعروس «سهير»، كادت تطير من شدة السعادة والآمال العريضة في مستقبل سعيد مع فارس الأحلام، الذي اختارته بإرادتها، وانتقل الزوجان إلى شقتهما الصغيرة، ومرت الأيام وحياة الزوجين هادئة، وازدادت سعادتهما بإنجاب طفلهما الأول، وطلب أشرف من زوجته ترك العمل بالمصنع، حتى تتفرغ لتربية ابنهما، فوافقت، وتقدمت باستقالتها، ثم رزقهما الله بالطفل الثاني، وكان الطفلان مصدر سعادة لهما، وأضافا إلى علاقتهما المزيد من الترابط والتماسك، واعتقدت سهير أن سعادة أسرتها قد اكتملت، خاصة أنه لم تحدث مشاكل مع زوجها، سوى المشاكل العادية التي يحدث مثلها بين أي زوجين، وكانت تسارع لتصالحه وتزيل غضبه، وكان من جانبه يستجيب سريعاً، ويلين ثم تعود الحياة لمجاريها، لذلك فإن حياتهما تعتبر حياة سعيدة، لكن مع زيادة طلبات الأطفال بدأت الأزمات المالية والمشاكل تعرف طريقها إلى المنزل، حتى جاء الحل السعيد، عندما حصل أشرف على فرصة عمل في إحدى دول الخليج براتب كبير، أسرع يخبرها بالنبأ السار الذي سيخرجهما من دائرة الفقر، ورغم كراهيتها للغربة وفراق الأهل والأصدقاء، لم تعارض سهير حتى لا تضيع الفرصة على زوجها، ووافقت على مصاحبته إلى أي مكان وانطلق الزوجان ومعهما الطفلان إلى دولة خليجية، وليس معهما سوى الحلم بمستقبل سعيد.
انهمك أشرف في العمل وأثبت جدارته ومهارته وبسرعة كبيرة، تبدلت أحوالهما، وكسب أشرف الكثير من الأموال، بينما تفرغت سهير لتربية الطفلين، والطفل الثالث الذي أنجبته في الغربة فأنسوها غربتها وابتعادها عن أهلها وصديقاتها، ومرت السنوات عاماً وراء العام، وأشرف منهمك في توفير الأموال، ويرفض العودة إلى أرض الوطن، حتى في الإجازات الصيفية، حتى لا ينفق نقوداً كثيرة بدون طائل، كما يقول، في العام الخامس عشر لغربتهما، لم تعد سهير قادرة على الاحتمال أكثر من ذلك، وأصرت على العودة إلى الوطن، خاصة أنها لا تعمل، ولم تكن لها أي صداقات في البلد الذي تقيم فيه، وأمام إصرارها، خضع أشرف لرغبتها، ووافق على العودة إلى الوطن، كانت أول مهمة يقومان بها بعد عودتهما، هي البحث عن شقة مناسبة، وعثرا عليها في إحدى العمارات الشاهقة بأحد الأحياء الراقية، وأثثاها بأفخر أنواع الأثاث، وبدأ أشرف بعد ذلك في البحث عن عمل أو مشروع تجاري يستغل فيه مدخراته، لكنه لم يجد العمل المناسب، كما أنه وفي الحقيقة كان متخوفاً أكثر من اللازم من الدخول في مشروع تجاري، حتى لا تضيع تحويشة العمر، كما حدث للكثيرين غيره، فأصبح يقضي معظم وقته في المنزل، لا يشغله سوى التنقل ب «الريموت كنترول»، بين قنوات التلفزيون.
بدأت سهير بغريزة الأنثى تشعر ببعض التغيرات الطفيفة في تصرفات زوجها، فبعد أن كان يتكاسل عن حلاقة ذقنه بالأيام، أخذ يهتم بأناقته حتى أثناء وجوده في المنزل، هدتها قرون الاستشعار إلى الاهتمام المبالغ فيه من زوجها بأرملة بواب العمارة، تلك الريفية الحسناء، صغيرة السن، التي جاءت من قريتها منذ خمس سنوات فقط مع زوجها البواب العجوز، الذي خانه قلبه ولم يتحمل المجهود الشاق الذي يبذله بصفة يومية، وبدون مقدمات صعدت روحه إلى بارئها وتركها أرملة في ريعان الشباب، وبعد وفاته عرض عليها سكان العمارة أن تحل في العمل مكان زوجها، فوافقت، ورغم الشكوك التي راودت «سهير»، إلا أنها لم تستطع أن تواجه زوجها بما يعتمل في قلبها من شكوك، حتى لا تضع نفسها في موضع المقارنة مع أرملة البواب، وأن تحتفظ بكرامتها أمام زوجها، وتحتفظ بشكوكها في قلبها، وهدأت نيران الشك، عندما علمت أن الأرملة الحسناء قد تزوجت ورحلت إلى القرية التي جاءت منها، فتنفست الصعداء، وشعرت بالراحة وهنأت نفسها على عدم الإفصاح عن شكوكها الوهمية، لكن راحتها لم تدم طويلاً، فقد بدأت تلاحظ أن أشرف قد انهمك في المشروع التجاري الجديد الذي أخبرها عن مشاركته فيه إلى درجة زائدة على الحد، حتى إنه يضطر أحياناً كثيرة للمبيت خارج المنزل، بدأت الشكوك تعاودها من جديد وهاجمتها الوساوس حول تصرفاته وإهماله لها، وقررت أن تراقب تصرفاته، حتى تهدأ حيرتها، واكتشفت بعد قليل المفاجأة التي أذهلتها، لقد تزوج أشرف من أرملة البواب، وأعد لها منزلاً في قريتها، يقضي معها فيه معظم الأوقات، لم تستطع سهير الصبر أو كتمان مشاعرها، فلم تصدق أن النذالة يمكن أن تصل إلى هذا الحد، وأن الرجل الذي باعت الدنيا من أجله لسنوات طويلة، بدلاً من أن تقابل برد الجميل، أو حتى كلمة شكر، تكتشف أنه تزوج بأخرى، وليت من تزوجها تعادلها في الجمال أو المركز الاجتماعي، وإنما هي أرملة البواب، وشعرت بالندم على كل دقيقة أضاعتها من حياتها معه، رغم تأخر الوقت ظلت في مكانها، تنتظر عودة زوجها، وهي مصرة على مواجهته، ورغم شدة غضبها، فقد كانت تتمنى في قرارة نفسها أن يكذب أمر زواجه، حتى وإن كان يكذب عليها، وعندما حضر مؤخراً ووجدها تنتظره في تحفز، ركبه العناد وإرادة التحدي، واعترف بكل هدوء بزواجه من أرملة البواب، وأن هذا حقه المشروع، لم تصدق «سهير» نفسها، وشعرت بأنها أصيبت بلطمة قوية، وانفجرت في وجهه، وطالبته بأن يطلقها حالاً ولم يرد عليها أشرف وتجاهلها، وحاول دخول حجرة النوم لتغيير ملابسه، وهو يطالبها بالهدوء إلى الصباح، حتى لا توقظ الأولاد، لكنها لم تسكت وتشبثت بملابسه، وهي تطالبه بسرعة تطليقها، تسيَّد العناد الموقف، وتبادلا السباب بأفظع الألفاظ، وجذب أشرف يديها الممسكتين بملابسه بقوة، ولطمها على وجهها، فأصيبت سهير بما يشبه الجنون، وهي تتعرض للضرب للمرة الأولى في حياتها، وتشاجر الزوجان ووصل صوتهما إلى الجيران.

غادر أشرف الشقة إلى بيت زوجته الجديدة، رفضت «سهير» أن ترفع الراية البيضاء وتعترف بالهزيمة، وتكون الزوجة الجريحة، التي تستدر عطف من حولها، وأصرت على الخلاص النهائي من كل ما يربطها به، طالبت زوجها بالطلاق بشكل ودي، لكنه أصر على الرفض، فقررت أن تكون المواجهة داخل ساحات القضاء، وأقامت دعوى أمام محكمة الأسرة، تطالب فيها بالطلاق للضرر، المتمثل في الهجر وعدم الإنفاق، وزواجه من أخرى بدون علمها، أو موافقتها، تداولت المحكمة القضية في عدة جلسات بدون حضور أشرف أو محاميه، رغم إعلانه بالدعوى، وأصدرت المحكمة حكمها بتطليق سهير طلقة بائنة للضرر.