تُعنى البلاد بجزرها وتحولها إلى مدن للأحلام فتبني عليها وتحاول أن تخلق فيها عوامل الجذب كافة بحيث تصبح من أكبر مصادر الدخل بالسياحة والاستثمار، وتنشأ لأجلها الهيئات الخاصة لملاحقة أدق التفاصيل وللإشراف الكامل عليها، أما سوريا ففيها جزيرة صغيرة قابعة وسط مياه المتوسط، هي طفلة وحيدة للبلاد بقيت مشردة دون اهتمام أو اكتراث بالرغم من أنها الوحيدة التي تتوسط الشرق والغرب تحمل التاريخ وسط أحضانها، وهي أرض خصبة ذات حضارة اسمها القديم أرادوس أو رفاد أو أرفاد أو أرواد ويعني بالفينيقية الملجأ أو الملاذ، أبعادها 740 * 400م. تبعد عن مدينة طرطوس 3 كيلومترات باتجاه جنوب غرب، سكنها الكنعانيون أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد، وهي موقع سياحي زراعي جدير بالاهتمام وبأن تتجه إليه أنظار العالم بعد استثماره سياحياً، حتى لا تبقى أرواد الجزيرة المنسية.

لجزيرة أرواد ماض يشهد على مكانتها الجغرافية والتاريخية والحضارية وقد شكلت أحد أهم المغانم عبر الحضارات والحروب التي مرت على المنطقة، حيث ضمّها الملك سرجون الأكادي إلى مملكته عام 2350 ق.م، ووقعت تحت نفوذ الفراعنة والحثيين وشعوب البحر الذين خرّبوها، كما خضعت لحكم ملوك آشور والكلدان والفرس والإسكندر المقدوني الذي لم يستطع الاحتفاظ بها.

وفي العام 64 ق.م فقدت أهميتها حين تبعت للحكم الروماني، وبعد انقسام الإمبراطورية ألحقت ببيزنطة حتى استعادها العرب في عهد معاوية بن أبي سفيان عام 649م على يد القائد جنادة بن أبي أمية، ثم احتلها الصليبيون وبقيت بأيديهم إلى أن حرّرها السلطان قلاوون عام 1302م وفي عام 1516 خضعت أرواد للحكم العثماني، واتخذت مقرّاً لأحد قادتهم العسكريين حتى الحرب العالمية الأولى، حيث أصبحت مركزاً للجيش الفرنسي ومعتقلاً للأحرار.

وعليه تضم الجزيرة أوابد تاريخية، وهو قلما ما تحتويه الجزر بشكل عام، ومن أهم تلك الآثار:

قلعة أرواد: والتي يرجع تاريخها إلى القرنين الثالث عشر والرابع عشر قبل الميلاد ويعتقد أنها أقيمت مكان حصن مراقبة أقدم منها يعود إلى عصر ما قبل التاريخ.

البرج الأيوبي: بناه العرب ويعود إلى القرن الثالث عشر الرابع عشر قبل الميلاد تقع في الجهة الشرقية من جزيرة أرواد يعلو الباب الرئيسي الشعار اللوسياني.

السور القديم: تظهر فيه آثار فترات زمنية مختلفة بدءاً من العهد الفينيقي، وما بقي منه سالماً يدعى (البرج الأحمر، برج المحارة) وهم دلالة على عظمة هذا السور الذي كان للعواصف تأثيراتها الكبيرة فيه، لكنها آثار تعاني عدم الاهتمام الذي يليق بها. ومن يطلع على روعة هذه الجزيرة تتبادر إلى ذهنه تساؤلات:

ما المانع أن تكون منازل الجزيرة موحدة باللون والشكل فتكون بيضاء أو زرقاء، مربعة أو مستطيلة بحيث تكون جميلة ومنسقة؟ بدلاً من أن يكون جدران المنازل الخارجية مملوءاً بخربشات وكتابات الأولاد من دون رقابة من البلدية أو محاسبة من أحد، والسؤال هنا: ألا تشكل السياحة حافزاً كافياً للأهالي والبلدية لمنع ذلك؟ والعمل لإيجاد رسومات جميلة على الجدران بحيث تشكل عامل ردع، بالإضافة للمنظر الجمالي؟

وجزيرة أرواد هي من أكثر مناطق العالم كثافة بالسكان، وفي الوقت نفسه تعاني ضعف مستوى التعليم فيها، فانتشر الأطفال بأرقام غريبة في الأحياء دون حديقة أو ناد أو ملعب صغير ومعظمهم دون تعليم، وشكت المدرسة وفق تقرير مديرية البيئة في طرطوس من تراجع التعليم لأن معظم الأرواديين يتجهون للعمل في البحر ولا يهتمون بالتعليم، ما أدى لنقص الوعي بشكل عام والبيئي بشكل خاص وأسهم في ذلك نقص الكادر التدريسي فالبحر يمنع وصول المدرسين شتاء، ويوجد تسرب من المدرسة بأرقام كبيرة والاتجاه للعمل بالبحر والصيد من أعمار صغيرة وللعمل بالصيد وصنع القوارب والشباك أو تنظيف السمك، وعليه فالأولوية يجب أن تكون لتحسين حياة هؤلاء الناس والبدء معهم وبهم، فضبط التعليم هو الأولوية الأولى ورفع سوية الناس الثقافية بالحد الأدنى لخلق ثقافة التعامل مع السائح وتطوير الواقع والحفاظ على تحسينات الجزيرة وخدماتها، بالإضافة لضرورة تنظيم الأسرة لأن الفقر هو السبب الأكبر لترك التعليم والاتجاه نحو البحر والسفن.

ووسط هذا الواقع المتردي لجزيرة أرواد بوضعها الاقتصادي والاجتماعي والأثري، كان لابد من بصيص أمل في عيون أحد المستثمرين السوريين محاولاً أن يجد فيها حجر زاوية لمشروع قد يذكر الجهات المعنية بأن الجزيرة في حاجة لخدمات ترافق استثمارها من جهة وأنها قابلة للاستثمار والبدء في نقطة الصفر مهما كان الوضع الاستثماري فيها صعباً وله عوائقه من جهة ثانية. أما المشروع فهو فندق سياحي ضمن الجهة الجنوبية الشرقية للجزيرة قبالة مدينة طرطوس على الساحل السوري بتكلفة 15 مليون ليرة سورية، وهو عبارة عن أرض تبلغ مساحتها 7 آلاف م2 تعود ملكيتها لوزارة السياحة وقد تم وضع برنامج توظيفي لهذا الموقع ليكون فندقاً سياحياً بمستوى 4 نجوم بطاقة استيعابية لا تقل عن 50 غرفة، إضافة إلى مطاعم وأنشطة بحرية مدة تنفيذ المشروع 3 سنوات ومدة استثماره 45 سنة.

ويبقى الأمل في أن يرى المشروع النور بالفعل بحيث يصبح في الجزيرة مكان يأوي السياح والناس ويرفههم وسط البحر، ولعله يكون بادرة خير تشجع على خلق حالة استثمارية مستمرة وحديثة تتناسب مع جمالية وحضارة جزر العالم المقصد الأول للسياح في العالم.

رئيس بلدية جزيرة أرواد علي نجم أجاب عن مشكلة الخدمات قائلاً: كثرة الذباب تحصل في بعض الأيام وليس بشكل دائم، ناتجة عن بواخر الأغنام التي تؤم مرفأ أرواد وهي غير نظيفة، ولا توجد أية مشكلة في الصرف الصحي، فالبلدة تقوم وبشكل دائم بالصيانة اليومية والدورية لكل الحفر والمجاري ولا يوجد أي تقصير في هذا المجال، أما بالنسبة للحفر التي بالقرب من الآثار فنحن لسنا قادرين على مد يدنا باتجاه هذه المناطق، والمياه فيها تأتي من البحر وهي نظيفة ولا تشكل خطراً علينا.

وعن انتشار القمامة في الأزقة وخارج الحاويات بالإضافة للكتابة على الجدران، أجاب رئيس البلدية قائلاً: هذا الكلام مبالغ فيه جداً، فعمال النظافة يقومون بعملهم بجد وهم أشبه بخلية نحل ولا يقصرون في ترحيل القمامة أو غسيل الشوارع وتنظيفها، وسبق للبلدة أن قامت بعدة عمليات دهان للجدران لإزالة الخربشات عنها لأنها تسيء للنظر ولا تزال مستمرة حتى يكتمل الوعي عند الأطفال، وحبذا لو قامت مديرية التربية بالمبادرة والإيعاز إلى مديري المدارس للقيام بحملة توعية مخططة يسهمون من خلالها بالقيام بحملات نظافة ضمن مدارسهم والمجتمع المحلي.

وقال رئيس البلدية: أرواد مجمدة منذ العام 1975م ولا يسمح بالترميم ولا بتشييد المنازل رغم التزايد السكاني والحاجة الملحة إلى الترميم، فأغلب منازلها تعود لفترة الستينات وما قبلها والسبب وجود القرار رقم 32/آ لعام 1975م، الصادر عن وزير الثقافة آنذاك الذي اعتبر أرواد بكاملها منطقة أثرية، وهذا القرار بعيد عن الواقع مع العلم أن هناك قراراً سابقاً له رقم 8 لعام 1958 حدد الأماكن الأثرية في جزيرة أرواد بأربعة أماكن وهي: القلعة البرج الأيوبي والحمام الأثري والسور الفينيقي والمطلوب هو تعديل القرار رقم 32 ى لعام 1975م، والعودة إلى القرار رقم 8 لعام ،1958 والإسراع في تنظيم جزيرة أرواد سياحياً لكونها كنزاً سياحياً حقيقياً، ودون تنظيم لا يمكن للجزيرة أن تتطور لكون التنظيم هو أساس التطور لدينا مخطط توجيهي لا يلبي الطموحات والبلدة أعدت دراسة لمشروعين ضمن القسم الشمالي لمرفأ أرواد من أجل العمل على نقل صناعة السفن ومنطقة صيانة السفن إلى هذه المنطقة، وذلك لإبعاد الضجيج عن الفندق السياحي المقرر تنفيذه في منطقة الاستملاك.

وهكذا تبدو أرواد وكأنها لؤلؤة في محارة لم تكتشف بعد في سوريا بالرغم من أنها على مرمى نظر الجميع، ولكن لم تقف المشكلة هنا بل تعدت إلى تراجع الحالة الجمالية التي وهبها الله لها نتيجة الإهمال، فالمطلوب تشكيل هيئة خاصة بهذه الجزيرة تدرس وضعها الراهن بسلبياته، وتثمن إيجابياته للانطلاق بالعمل من الصفر والوصول إلى استثمار حقيقي للجزيرة التي تمتلك البحر والتاريخ والموقع المدهش.