في تاريخنا أسماء لامعة كان لها أكبر الأثر بما قدمته من أعمال وبطولات وتضحيات من أجل نصرة دين الله، ومع أن هذه الأسماء لا يقل دورها وعملها عن تلك الأسماء التي لمعت على صفحات التاريخ المقروء، إلا أنها لم تنل الحظ الوافر من الذكر والتقدير، ومن هؤلاء أسد الدين شيركوه. ولد شيركوه في إحدى قرى أذربيجان، هو وأخوه نجم الدين أيوب والد الناصر صلاح الدين الأيوبي، ونشأ بتكريت إذ كان أبوه متولي قلعتها.
اسمه شيركوه وتعني: أسد الجبل، فشير: أسد، وكوه: جبل، وهو قريب من لقبه العربي «أسد الدين».
عمل هو وأخوه نجم الدين في خدمة الأمير بهروز قائد شرطة بغداد، فأقطعهما قلعة تكريت، فسارا في الناس سيرة حسنة، ووقعت حادثة سنة 526 هجرية، خلاصتها أن أسد الدين ونجم الدين ساعدا الأمير البطل عماد الدين زنكي عندما جاء إلى تكريت منهزماً في قتاله ضد بعض خصومه، حيث قدم الأخوان لعماد الدين زنكي السفن اللازمة لعبوره هو وجنوده نهر دجلة إلى مدينة الموصل، وكان الأمير بهروز على خلاف شديد مع عماد الدين زنكي فلم يعجبه هذا الفعل من أسد الدين ونجم الدين وتحين لهما الفرصة لمعاقبتهما.
حدث ذات يوم أن تعرض رجل من نصارى تلك القلعة لإحدى بنات الأيوبيين، فخرج أسد الدين لهذا الرجل فقتله، فثار قومه في القلعة فأخرجهما بهروز من القلعة، وذلك في الليلة نفسها التي ولد فيها صلاح الدين، سنة 532 هجرية، فسارا إلى حلب ليخدما عماد الدين زنكي فأحسن إليهما، وخاض أسد الدين معه كل حروبه ضد الصليبيين، وكان معه يوم فتح الرها، وكان عماد الدين يحبه ويقدره لأنه كان مثله بطلاً شجاعاً لا يهاب الموت، وظل هكذا حتى كان معه في معسكره ليلة أن قتل عماد الدين سنة 541 هجرية، وعندها قام أسد الدين شيركوه بدور في غاية الأهمية، ذلك أنه حفظ معسكر المسلمين من الهرج والمرج الذي يحدث عادة عند مقتل القائدن ثم قام بإعطاء خاتم الملك الخاص بعماد الدين لولده نور الدين محمود زنكي، كناية عن خلافته لأبيه الشهيد، ثم قام بحراسة نور الدين محمود حتى وصل سالماً آمناً إلى مدينة حلب، فحفظ نور الدين هذا الجميل لأسد الدين، وصار من أقرب الناس إليه. ومن ذلك اليوم أصبح أسد الدين شيركوه قائد جيوش نور الدين محمود أمير دمشق والشام الجديد وأصبح أخلص وأقوى أمراء الجيوش الشامية، ورجل المهام الصعبة الذي يعتمد عليه نور الدين محمود في النوازل وصعاب الأمور، وكان لشيركوه أكبر الأثر في معارك حاسمة مثل فتح دمشق سنة 549ه، حيث أرسله نورالدين على رأس مجموعة صغيرة من الفرسان كسلاح استطلاع ومقدمة للجيوش «النورية» قبل دخولها، واستطاع أسد الدين أن يدخل دمشق وينتصر على جيوش ضخمة على الرغم من قلة جنده.
حلم يتحقق
أفضل أعمال أسد الدين شيركوه هو فتح مصر، وكان بالنسبة إليه الخطوة الأخيرة في تحقيق حلم حياته بتوحيد الإمارات الإسلامية في الشام ومصر، لتتكتل جهودها من أجل طرد العدو الصليبي الجاثم على الأرض المقدسة منذ سبعين سنة.
في جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين وخمسمئة، أرسل نور الدين محمود بن زنكي عسكراً كثيراً إلى مصر، وجعل عليهم الأمير أسد الدين شيركوه وهو مقدم عسكره، وأكبر أمراء دولته، وأشجعهم، وكان سبب إرسال هذا الجيش أن شاور وزير العاضد لدين الله العلوي، صاحب مصر، نازعه في الوزارة الأمير ضرغام الذي استولى على مقاليد الأمور وقتل أولاد الوزير شاور في سنة 559ه. فلما دخل على نور الدين وعرض عليه الأمر رحب نور الدين جداً بالأمر، وأحس بأنها الفرصة المناسبة لتحرير مصر من سلطان العبيديين وتأمينها من سيطرة الصليبيين عليها، فأعد نور الدين جيشًا بقيادة أسد الدين شيركوه، الذي استطاع أن يدخل الديار المصرية ويقتل الأمير ضرغام ويعيد شاور للوزارة، ثم عاد شاور إلى الاستغاثة هذه المرة بالصليبيين ليطردوا أسد الدين من القاهرة، إلا أنه استطاع أن يصمد أمام جحافل الصليبيين أكثر من ثمانية شهور، واستغل السلطان نور الدين غيبة الصليبيين في مصر ودخل بلادهم وضرب حصونهم فاضطروا إلى فك الحصار عن أسد الدين وعقدوا معه صلحاً خرج بموجبه أسد الدين وشاور من مصر.
العودة إلى مصر
عادت جحافل الصليبيين من جديد إلى مصر ليأخذوها، واستطاعوا بمعاونة بعض الخائنين أن يدخلوها، فاستأذن أسد الدين شيركوه نور الدين في المسير لمصر فأذن له، فلما علم شاور بذلك راسل الفرنج فأتوا من كل مكان وذلك في سنة 562ه، واشتبك أسد الدين بجيشه الصغير مع جحافل الصليبيين وهزمهم، واتجه إلى الإسكندرية ففتحها وترك عليها ابن أخيه صلاح الدين، ثم اتجه للصعيد فملكه، فاستغل الصليبيون الفرصة وحاصروا صلاح الدين في الإسكندرية، فامتنع عليهم صلاح الدين جدًا، واضطر أسد الدين لمصالحتهم ليفك حصارهم، ومرة أخرى بادر نور الدين إلى الإغارة على البلاد التي بأيدي الصليبيين، ليفك الحصار عن رجاله في مصر.
المرة الثالثة جاءت عندما عزم الصليبيون على دخول مصر، وعندها استغاث الخليفة العاضد العبيدي بنور الدين، فأرسل نور الدين أسد الدين ومعه صلاح الدين بجيش كبير هذه المرة، فلما سمع الصليبيون بقدومهم خرجوا من الديار المصرية خوفاً من أسد الدين.
أسد الدين وزيراً
دخل أسد الدين القاهرة في 7 ربيع الآخر سنة 564ه، فوجد الصليبيين قد هربوا من مصر، ووجد شاور الخائن نفسه قبالة أسد الدين فقتله لخيانته المتكررة للمسلمين، وخلع عليه الخليفة العاضد، وعينه وزيراً مكان شاور، فبدأ على الفور بتنظيم الأمور وعين العمال، وأرسل النواب، وأقطع الإقطاعات، ولكن أمر الله عز وجل كان أسرع من تخطيطه، فلم يستقر في الوزارة طويلاً، إذ أصابه فجأة خناق في حلقه في 22 جمادى الآخرة سنة 564ه، ولما احتضر قال: من ههنا؟ فقال الطواشي بهاء الدين قراقوش: عبدك قراقوش، فقال: «بارك الله فيك، الحمد لله الذي بلغنا من هذه الديار ما أَردنا، ومِتنا وأهلها راضون عنا، أَوصيكم لا تفارقوا سور القاهرة، واحذروا من التَّفريط في الأسطول». ومات بعد أن حقق حلمه في توحيد مصر والشام تحت حكم نور الدين محمود، ولم تخرج له جنازة، ثم نُقل بعد ذلك إلى المدينة المنورة.
وظل، رحمه الله، أحد الأبطال المذكورين والشجعان الموصوفين، الذين يرعب الفرنج ذكره، وتولى أمر مصر من بعده ابن أخيه الناصر صلاح الدين الأيوبي.