تحقيق: زكية كردي
الأجداد يستمرون منذ مئات السنين في توريث أسمائهم للأحفاد، ومازالت الأجيال تتناقل الأسماء برضا حيناً وبغصة تلازمهم مدى الحياة أحياناً أخرى، فلكل عصر الأسماء التي تليق بنمط الحياة وطبيعتها المتغيرة دوماً، ما يجعل بعض أبناء اليوم يرفضون فكرة توريث أسماء الأمس لأبنائهم، في حين يفخر آخرون بأسماء أجدادهم التي عاشت من خلالهم ليستمروا بسرد قصص تلك الأسماء على من حولهم، فلكل اسم حكاية، وهذا ما سنقرأه في السطور الآتية .
مذ كانت صغيرة فرضت على من حولها الامتناع عن مناداتها باسم جدتها لأنها لم تكن تشعر بأنه يشبهها، ولهذا لم ترض وصال محمد كمال "مدرسة لغة إنجليزية" تكرار نفس القصة مع ابنتها وتقول: "طيلة حياتي والجميع يستغرب أن يكون اسمي وصال، خاصة أنني مولعة بالموضة وبعيدة كل البعد عن أن أكون شخصية تقليدية كما يوحي الاسم، ولهذا أحببت أن يناديني الجميع لولي مذ كنت صغيرة، وعندما تزوجت وعلمت أني حامل بدأت منذ الأشهر الأولى أبحث عن اسم لابنتي واجتهد لأجد لها اسماً عصرياً ومميزاً يمكنها أن تحبه، حتى أعجبني اسم "ميلا" فاخترته، وعن رأي زوجها بالأمر توضح أنها أخبرته منذ البداية أنها لا تريد أن يكره أبناؤها أسماءهم كما حصل معها .
وفي قصة مشابهة إلى حد ما تخبرنا رحمة إبراهيم "ربة منزل" أنها كادت تنهي علاقتها بزوجها وتصل إلى الطلاق عندما أصر على أن يسمي ابنتهما "نظيرة" على اسم أمه، وتقول: "حاولت طوال فترة الحمل أن أشرح لزوجي أنني أكره اسمي ولا أرغب في تكرار العقدة نفسها مع ابنتي، لكنه كان يعتبر اعتراضي على اطلاق اسم أمه على ابنتنا دليلاً على عدم محبتي لها، ولكن عندما وجدت أنه يرفض أن يسمع رأيي حزنت وشعرت بالظلم كوني أنا التي كابدت الأمرين حتى أتيت بها إلى هذه الحياة، وشعرت أيضاً أن من واجبي كأم أن أدافع عن مشاعر ابنتي فقمت بجمع أغراضي واصطحبت ابنتي إلى بيت أهلي ولم أرض بالرجوع إلى البيت حتى تفهم موقفي ووافق على الاسم الذي اخترته لابنتي .
ولا تقتصر مشاكل توريث الأسماء بين الزوجين فحسب، فهناك مشاكل تنشأ بين العائلات بسبب الأسماء أيضاً، فلم يكن يعلم محمد شعيب "موظف تسويق" أن عائلته سوف تغضب لأنه لم يطلق اسم أخيه على ابنه الأصغر، وسمح لزوجته أن تطلق عليه اسم أخيها المتوفى حديثاً، ويقول: "كنت أتوقع أن الأمر سوف ينتهي بالقليل من العتب، لكن أمي صعدت الموقف بأن ابني يجب أن يحمل اسم أخي الوحيد لا اسم شقيق زوجتي وحملت الأمر الكثير من المعاني التي لم تكن تخطر لي على بال مشيرة إلى أني لا أقيم شأناً لأخي وإلى أن زوجتي تفرض رأيها علي، وللأسف صعدت الموقف بيننا واستمر الجفاء لأكثر من سنة، حتى صفت القلوب وعدنا للتواصل كما كنا في السابق" .
ورغم أن بعض الأسماء لا تحمل معنى جميلاً أو لائقاً كما جرت العادة في اختيار أسماء الأبناء، إلا أن الأهل يصرون على توريثها لأبنائهم فقط لأن الأجداد ابتلوا بها، وهذا ما حدث مع أخت فتيحة عمر "ربة منزل" فلم يخطر ببال والدها أن اسم والدته سوف يكون محرجاً لابنته الكبرى، وسوف يجعلها موضوعاً للسخرية أيضاً وخاصة في المدرسة، وتقول: لست أدري ما هي قصة اسم جدتي الغريب، لكن ما أعرفه أنني لم أكن لأطلق على ابنتي اسم "قطنة" مهما حدث، وتكمل بأن اختها قامت بتغيير اسمها إلى وردة ولم ترض بأن يلازمها مدى الحياة .
ولمشلب صديق محمد المحمد "مدرس لغة عربية" حكاية مع اسمه الغريب يخبرنا عنها صديقه، يقول: "كان صديقي مشلب يعاني اضطراره لشرح قصة اسمه الذي ورثه عن جده ومعناه لكل شخص يقابله للمرة الأولى، ومازلت أذكر المرة الأولى التي وقف فيها في مدرج الجامعة ليشرح اسمه أمام الطلبة ويخبرهم بأنه يعني التعدي والافتراس وهي صفة في الحيوانات الضارية، ثم انتقل لسرد تاريخ قبيلة المشلب أيضاً، فانشغل المدرس باسمه ونسي حلقة البحث التي كان يناقشها معه، ويضيف أن صديقه كان يتلقى الكثير من التعليقات حول اسمه، خاصة وأنهم كانوا يدرسون اللغة العربية، لكنه رغم هذا حصل على الشهرة في الجامعة سريعاً لغرابة الاسم الذي يحمله ولطريقته الذكية في استغلال هذا الاختلاف بحيث يحظى بالتميز ما أعطى اسمه وقعاً مختلفاً لدى الجميع .
وبالحديث عن الشهرة يبدو أن نصيب مشهور المشهور "موظف مبيعات" من اسمه كان وافراً فلم يتردد والده في اطلاق الاسم عليه وهو اسم العائلة واسم الجد أيضاً، ليصبح من الصعب عليه التملص من نصيبه من تلك الشهرة التي آتته من دون أن يحرك ساكناً، ويقول: "يكفي أن أردد اسمي على مسامع أي شخص ليبقى ملتصقاً بذاكرته، وكثيراً ما كان يردد أصدقائي أيام الدراسة بأنني ألح على الشهرة بهذا الاسم المكرر، وعن شعوره تجاه اسمه يؤكد أنه يحبه فهو يحمل معنى جيداً جعله يشعر بالتميز مذ كان صغيراً .
ولتكرار الأسماء مصادفات غريبة ففي بطاقة محمد محمد محمد جيار "موظف مبيعات" يتكرر اسم محمد ثلاث مرات، ويناديه أصدقاؤه ثلاثة محمد على سبيل المزاح، ويقول: "في عائلتي نحب اسمي محمد وأحمد كثيراً، ولأن والدي حمل اسم جدي وحملني إياه أصبح اسم محمد مكرراً ثلاث مرات في اسمي، وبان الأمر لأننا في مصر نكتب الاسم الثلاثي فأصبح معظم أصدقائي يعلقون على الأمر لأنهم يستغربونه في البداية .
وعلى نطاق أوسع نلاحظ أن عادة توريث الأسماء تصبغ البلدان بأسماء مكررة بشكل كبير خاصة إذا ارتبطت هذه الأسماء بالعقيدة الدينية، وهذا معروف عالمياً، ويقول يوسف مشو "مدرس تاريخ" إن في مدينته التي تعتبر من المدن التقليدية لن تكون مضطراً لتذكر أسماء الناس كثيراً فيكفيك أن تناديهم بأبو محمد أو أبو عبده لأن معظم العائلات تتوارث هذه الأسماء خاصة وأن خير الأسماء ما حُمد وعُبد، ومازالت هذه العادة مستمرة حتى اليوم، فالابن يحمل اسم ابيه منذ الصغر حيث ينادونه أبو فلان كناية به، ولهذا يستحي عندما يكبر أن يمتنع عن تسمية ابنه البكر باسم ابيه، ويوضح بأنه في معظم العائلات يحمل الأبناء الذكور الأوائل لكل ابن اسم جدهم فيصعب تمييزهم عند مناداتهم إلا بإرفاق أسماء آبائهم، ويضيف أن العادات في مدينته لا تقتصر على توريث اسم الجد فقط، بل تمتد لتوريث أسماء أخوة الأب أيضاً .
ومن القصص الغريبة التي ترتبط بتوريث الأسماء ما نسمعه عن أن البعض يموتون عندما تذهب أسماؤهم لآخر من أبناء العائلة، وهذا ما يخبرنا به أمين المزودات "شيف في مطعم العراب" الذي لايزال مستغرباً ما حدث مع ابن عمته قبل سنوات، ويقول: أحب شقيق ابن عمتي أن يبارك ابنه البكر باسم أخيه الأكبر، لكن الآخر كان يرفض بشدة أن يمنحوا الطفل اسمه وكأن قلبه كان يخبره، وبالفعل ما إن جاء المولود الجديد وحمل اسمه، حتى توفي بعد ساعات من ولادته من دون أن يراه حتى أو يعلم أنهم أطلقوا عليه الاسم .

د . علي الحرجان: اختيارها بدقة واجب على الأهل

يؤكد د . علي الحرجان "اختصاصي الطب النفسي" أن للاسم أثراً كبيراً على شخصية الطفل، وبالتالي يجب أن يعي الأهل أن من واجبهم اختيار أسماء أبنائهم بدقة وبحذر بعيداً عن المجاملات والعواطف والمظاهر، وعن كيفية تأثير الاسم على الشخصية يشرح أن الطفل الذي يسمونه شجاعاً على سبيل المثال يجد أن المجتمع يدفعه منذ الصغر لممارسة السلوكيات التي تتصف بالشجاعة والتحدي وهكذا تنمو عنده هذه السلوكيات من خلال الممارسة ليصبح شجاعاً بالفعل، أما الطفل الذي يحمل اسماً يتسم بالرقة فيجد نفسه يتبع سلوكيات تشبه اسمه أيضاً وخاصة الفتيات، ويشير الحرجان إلى الدراسات التي أجريت في بلدان مختلفة أكدت أن للاسم أثراً كبيراً في تكوين شخصية الطفل، كما أن الاسم يصبغ الإنسان بصبغته، فهو يعكس انطباعاً سريعاً عن البيئة التي أتى منها صاحبه، وعن المستوى الثقافي والمادي والاجتماعي لعائلته، وينصح بأن على الأهل اختيار الاسم بعقلانية بحيث يكون محفزاً لبناء شخصية سليمة ومستقرة في الحاضر والمستقبل .
ويضيف أن على الشخص الذي يتضايق من اسمه السعي لتغييره ويختار اسماً مناسباً له، وأخيراً يقترح أن تراعي القوانين هذه المسألة وأن يصدر قانون يضمن حق الإنسان في تغيير اسمه عند بلوغه سن معينه، ويوفر التسهيلات للقيام بهذه العملية .