ونحن هنا نقدم نخبة مختارة من النساء الخالدات اللاتي يعتز بهن الإسلام، لنوضح للمرأة المسلمة المعاصرة حجم العطاء المنتظر منها تجاه دينها ووطنها وأسرتها، خاصة في هذا الزمن الذي يموج بتحديات ومشكلات جمة تحاول صرف المرأة عن القيام بدورها الذي رسمه لها دينها الحنيف .
ضيفتنا اليوم فدائية بحق، ارتبط اسمها بالهجرة النبوية المشرفة، حيث لا يوجد كتاب عنها إلا وجاء ذكرها فيه، مع النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، وأبيها الصديق رضي الله عنه . ولم يتوقف دورها عند هذا الحد - كأول فدائية في الإسلام - لكنها ظلت على مدار مئة عام، تؤازر دعوة الحق، وتدعو إليها، وتقدم كل شيء من أجلها حتى أبناءها .
إنها أسماء بنت أبي بكر الملقبة ب(ذات النطاقين) حيث شقت نطاقها نصفين وحملت في أحدهما الماء والطعام إلى النبي وصاحبه في غار ثور .
وقد كافأها رسول الله صلى الله عليه وسلم بوعد - ووعده حق - وقال: "أبدلك الله بهذا نطاقين في الجنة" .
كانت من أوائل من لبى نداء الحق ومن المسلمين الأولين الذين آمنوا بدين الله الخاتم، ولم يسبقها إليه إلا 17 شخصاً . . وهي أخت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما، وزوج الزبير بن العوام أحد المبشرين بالجنة، وأم عبدالله بن الزبير .
إيمان راسخ
عندما خرج الصاحبان الكريمان - رسول الله وأبو بكر- في رحلة الهجرة جاءها نفر من قريش على رأسهم أبو جهل، فخرجت إليهم، وسألها عن مكان أبيها فقالت: لا أدري . فرفع يده وهوى بها على وجهها، فأطاحت اللطمة قرطها من أذنها ولم يجد أحد منهم عندها جواباً .
حمل والدها كل ماله معه، وقدمه من أجل دعوة الحق، ولما سأله النبي: ماذا تركت لأهل بيتك؟، قال: تركت لهم الله ورسوله .
في هذا اليوم جاء جدها أبو قحافة، وهو شيخ مكفوف يسأل عن أحوال أحفاده، فجاءت بكمية من الحصى غطتها بقطعة من القماش، ووضعت يده عليها فظنها نقوداً واطمأن .
لم تتفرغ لجمالها وزينتها شأن كل الفتيات، لكنها سعت في سبيل الله، وقامت على خدمة زوجها، ورعاية فرسه، وهي الشيء الوحيد الذي كان يملكه من حطام الدنيا .
عاشت حياة الرضا والسكينة، فإن صادفها خير شكرت، أو أصابها شر صبرت، وهي التي عاشت عزيزة كريمة في بيت أبيها .
جمعت أسماء منذ طفولتها بين العلم والعمل، وورثت عن أبيها السخاء والكرم، وعاشت في سباق مع أختها عائشة في هذا الاتجاه، وكانت عائشة تجمع وتتصدق، وكانت أسماء تتصدق أولاً بأول، وكانت من أهل البلاغة والفصاحة والبيان .
ولدت في مكة قبل الإسلام (27 ق .ه)، وتوفيت 73ه (597-692)، أي أنها عاشت مئة عام قضت معظمها في خدمة الإسلام حتى اليوم الأخير الذي فاضت فيه روحها وصعدت إلى جوار ربها، وزوجها هو الرابع في ترتيب من آمن برسالة الإسلام بعد خديجة وأبي بكر وعلي بن أبي طالب، وهو ابن عمة النبي، صلى الله عليه وسلم .
كان أخوها عبدالله يسعى وراء أخبار المشركين، وهي تحملها مع الطعام، والماء إلى الصاحبين في الغار، وكان عامر بن فهيرة راعي أغنام الصديق، يسوق غنمه إلى هناك لتمحو أرجل القطيع آثار أقدام أسماء .
قاتلت مع الرجال بسيفها في معركة اليرموك (15ه - 636م) وكانت قدوة في الالتزام بالزي الإسلامي الصحيح، وهي التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا بلغت المرأة المحيض فلا يرى منها إلا الوجه والكفين"، فقامت على الفور تنفذ النصيحة الغالية حتى اليوم الأخير من حياتها .
شجاعة أم
وليس موقفها الفدائي مع رسول الله وأبيها عند الهجرة هو وحده الذي يكشف شجاعتها ونبل مواقفها وقوتها، بل حوارها مع ابنها عبدالله بن الزبير الذي يمثل قوة الأم وشجاعتها، حيث تحرض ابنها على القتال دفاعاً عن الحق ولا تأبه بمصيره في ساحة القتال، بل إنها تواجه ما يمكن أن يتطرق إلى نفسه من ضعف أو خوف وقت الشدة . . يروى أن الحجاج بن يوسف الثقفي جاء من الشام على رأس جيش إلى مكة، بعد مبايعة عبدالله بن الزبير أميراً للمؤمنين في الحجاز واليمن والعراق وخراسان، وقد حاصر جيش الحجاج عبدالله في مكة، وأحكم عليها الحصار لشهور طويلة فدخل عبدالله على أمه وقال: إن في الموت لراحة، قالت: لعلك تمنيته لي؟ ما أحب أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك، إما قتلت فأحتسبك، وإما انتصرت فتقر عيني .
وبعد عشرة أيام من هذا المقام، وفي اليوم الذي استشهد فيه قال لها: يا أماه، قد خذلني الناس، فلم يبق معي إلا اليسير، ماذا ترين؟
قالت أسماء وهي في هذه السن المتقدمة: أنت والله يا بني أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق . . وإليه تدعو فامض له، فقد قُتل عليه أصحابك ولا تمكّن في رقبتك غلمان بني أمية، يلعبون بها، وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك، وأهلكت من قتل معك، وإن قلت: فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن .
قال: إني أخاف أن يمثل بي أهل الشام .
قالت: إن الشاة لا يضيرها سلخها بعد ذبحها .
فدنا منها، وقبل رأسها، وقال: هذا والله ما أرى، فانظري يا أماه، فإني مقتول في يومي هذا فلا يشتد حزنك وسلمي لأمر الله، قالت: "إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسناً، اللهم قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت فأثبني في عبدالله ثواب الصابرين الشاكرين" . وهب فقاتل قتال الأبطال والفرسان حتى قتل .
في مواجهة الحجاج
مثّل الحجاج بجثة الرجل الذي كبّر المسلمون يوم مولده، ودعا له الرسول صلى الله عليه وسلم، وأذن الصديق في أذنه، وأرسل إلى أسماء أن تأتي طائعة صاغرة، لكنها أبت فأرسل لها إنذاراً شديداً بأنه سيرسل إليها من يسحبها من فروتها إذا لم تأت لكنها، رفضت الإنذار الثاني في تحد وإباء .
فجاءها الحجاج بنفسه، فردت عليه بردود قوية في معناها، فصيحة في حروفها وكلماتها، فانسحب من أمامها انسحاب الضعفاء .
فأرسل الخليفة عبدالملك بن مروان إلى الحجاج يلومه على سلوكه مع ابنة الرجل الصالح أبي بكر الصديق، فذهب إليها معتذراً، فقامت إلى ابنها، فكفنته ووارته الثرى .
وبعد ولدها بقليل توفيت ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر الصديق في سن المئة، سنة 73 من الهجرة، وعندما توفيت كانت كعهدها طوال حياتها حاضرة الذهن يقظة العقل والقلب والضمير، بفضل حفظها لكتاب الله واتباعها سنّة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم .
ولم تمت ذكرى أسماء بل عاشت على جبين الأيام، وعاشت كلماتها نبراساً يضيء الطريق للأجيال في العالم الإسلامي جيلاً بعد جيل .
وكيف تموت ذكراها، وهي أول فدائية في الإسلام عند الهجرة، ومن أوائل السابقين إلى الدين الحق، وهي التي شهدت مع زوجها وابنها معركة اليرموك التي انتصر فيها المسلمون على جيوش الروم . وقاتلت فيها بالسيف قتال الأبطال الفاتحين وهي الزوجة المطيعة لزوجها، البارة بأبنائها، وهي التي قالت لولدها "عش كريماً ومت كريماً ولا يأخذك القوم أسيراً" .
رحم الله الكريمة بنت الكريم والتي كانت تسارع بالصدقة إلى الفقراء ولا تنتظر الصباح خشية ألا تدركه .