ونحن هنا نقدم نخبة مختارة من النساء الخالدات اللاتي يعتز بهن الإسلام، لنوضح للمرأة المسلمة المعاصرة حجم العطاء المنتظر منها تجاه دينها ووطنها وأسرتها، خاصة في هذا الزمن الذي يموج بتحديات ومشكلات جمة تحاول صرف المرأة عن القيام بدورها الذي رسمه لها دينها الحنيف .
موعدنا اليوم مع فارسة الفرسان، وأميرة الفصاحة والبيان، التي رزقها الله لساناً طلقاً بليغاً، وجرأة في الحق مع الاحتفاظ بوقار النساء وطبيعتهن، وكانت كلماتها ومواقفها تشق طريقها إلى العقول والقلوب بلا عناء .
في جهادها العلمي مكنتها شجاعتها الأدبية من جمع أسئلة النساء، وحملها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والعودة إليهن بالإجابات الشافية والردود الوافية، والحقائق الجامعة المانعة، التي تشفي الصدور وتروي ظمأ النفوس .
وفي الجهاد العسكري كانت لها صولات وجولات، حيث كانت تداوي وتحمل السيف في سبيل الله وتخطب في الناس، فتشتد العزائم وتزداد الإرادة قوة وصلابة .
إنها أسماء بنت يزيد الأنصارية ابنة عم الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنهما، والتي أعلنت إسلامها في العام الأول من الهجرة، وكانت صاحبة علم ودين، وفقه ويقين، وقد بايعت الرسول مع النساء وأوفت بما بايعت طبقاً لما ورد في الآية الثانية عشرة من سورة الممتحنة، فآمنت بربها، وصدقت نبيه، ولم تسرق، ولم تزن، ولم تقتل ولداً، ولم تأت ببهتان، ولم تخالف معروفاً .
يقول الحق تبارك وتعالى: "يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم" .
تسأل . . والرسول يجيب
جاءت أسماء بنت يزيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأل في أمر يشغل النساء المسلمات، فقالت بلسانها الذي يفيض فصاحة وبلاغة: يا رسول الله، إنني رسول مَن ورائي من نساء المسلمين، كلهن يقلن بقولي، وهن على مثل رأيي، إن الله بعثك إلى الرجال والنساء، فآمنا بك واتبعناك، ونحن معشر النساء مقصورات مخدرات، قواعد بيوت، ومواضع شهوات الرجال، وحاملات أولادهم، وإن الرجال فضلوا بالجمعات "صلاة الجمعة" وحضور الجنازات والجهاد في سبيل الله، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم، وربينا أولادهم، أنشاركهم في الأجر؟
التفت الرسول صلى الله عليه وسلم إلى صحابته الكرام رضي الله عنهم وسألهم:
"هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالاً عن دينها من هذه"؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال الرسول: "انصرفي يا أسماء، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته يعدل كل ما ذكرت للرجال" .
فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر فرحاً وبشراً بما قال النبي الكريم .
وحسن تبعل المرأة يعني تفانيها في طاعة زوجها وحسن رعايتها له ولبيتها وأولادها، وحفظها له في ماله وفي عرضها .
كانت - رضي الله عنها - من أطهر النساء وأكثرهن حرصاً على التعلم من النبي صلى الله عليه وسلم وسؤاله والرواية عنه وتعليم غيرها من النساء، ومن كثرة ما ترددت أسماء على بيوت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك من كثرة ما سألت النبي وأخذت عنه فقد كانت من أكثر الصحابيات رواية عنه صلى الله عليه وسلم، وقيل إنها روت خمسة وثمانين حديثاً في أبواب متفرقة، منها ما يختص بأحكام ومنها ما يختص بآداب المعاملة بين المسلمين .
في اليرموك
لم تكن أسماء بنت يزيد مجاهدة بالكلمة فقط، لكنها شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم عدداً من الغزوات، فقد شهدت فتح مكة وغزوة خيبر، وقامت بواجبها خير قيام في سقاية العطشى ومداواة الجرحى وحثهم على القتال، ولم يفت في عضدها استشهاد أبيها وأخيها وعمها في غزوة أحد، بل زادها ذلك حباً في الجهاد ورغبة في مشاركة الرجال وطلباً للشهادة في سبيل الله، وقد واتتها هذه الفرصة في معركة اليرموك التي وقعت في العام الثالث عشر للهجرة، وكان جيش المسلمين يضم أربعة وعشرين ألف مجاهد، بينما جيش الروم يضم مئة وعشرين ألف مقاتل . وكان جيش المسلمين يضم خيرة صناديد الأنصار والمهاجرين من أمثال خالد بن الوليد وأبي عبيدة عامر بن الجراح ومعاذ بن جبل وعمرو بن العاص وغيرهم .
وكان خلف هؤلاء الرجال كتيبة من النساء، وفي هذا القتال الضاري كانت مهمة هؤلاء الصحابيات الكريمات مضاعفة، فقد تجاوزت هذه المهمة الأدوار التقليدية للمرأة من سقاء وتمريض، إلى جمع شمل المنهزمين والمشاركة بصورة فعلية في القتال، وكانت صيحات النساء لهؤلاء الفارين: أين تذهبون وتدعوننا للعلوج؟ كفار العجم وكانت أسماء في قلب المعركة وكان سلاحها عمود خيمتها وبهذا العمود قتلت تسعة من جنود الروم، كما تجمع كتب السير والتراجم . وقصص شجاعة وإقدام أسماء كثيرة ومتنوعة .
أسماء . . والتعبئة العامة
وكانت أسماء تحث الجميع على الجهاد في سبيل الله، ونصرة الدين الحق، وتدعوهم إلى الصمود في وجه الأعداء، والقتال من أجل النصر أو الشهادة .
حضرت أسماء غزوة خيبر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت كعادتها تخطب في الجميع، وتنادي بأعلى صوتها، وبكلمات تشق طريقها إلى العقول والقلوب: أن قاتلوا في سبيل الله، وانصروا رسول الله وارفعوا راية الإسلام . . وخطبها في الرجال والنساء، تؤكد حكماً شرعياً نحن الآن في أمس الحاجة إليه للرد على من يجعلون من المرأة عورة يجب أن تحتجب عن المجتمع وتحبس في البيت، فلو كان اختلاط الرجال بالنساء محظوراً ما سمح لها الرسول ومن بعده قادة الجيوش، وكان أغلبهم علماء وفقهاء، بأن تختلط بالرجال في ساحات القتال وتعالجهم وتخطب فيهم من دون حرج، ما دامت محتفظة بوقارها وحشمتها وأخلاق المرأة المسلمة .
كانت أسماء تردد دائماً على أسماع النساء والرجال معاً في ساحات القتال وخلال الاستعداد لمعارك الشرف والكرامة، دفاعاً عن الدين الحق وردع عدوان المعتدين على المسلمين الموحدين بالله، قول الحق سبحانه: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقْتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم"، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لغدوة أو روحة في سبيل الله خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب"، وقوله أيضاً: "الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها" .
كانت أسماء تتعلم وتعلم النساء، وتتحدث في أمور الدين والآخرة، وتشارك في الغزوات بيدها الحانية في علاج الجرحى، وبلسانها البليغ في النداء للجهاد، وبسيفها إذا اقتضت ظروف الحال .
ولو أنها ترددت أو تكاسلت لأضاعت على نفسها وعلى بنات جنسها الفرصة في العلم بأمور الدين والدنيا، لكنها أقدمت وتقدمت وسألت وحصلت على الجواب الشافي، فاستفادت وتعلمت وعلمت النساء، وصارت قدوة ومثلاً في هذا الاتجاه .
وقيل إن أسماء بنت يزيد بعد أن شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر، وقامت بواجبها خلالها خير قيام، كما فعلت في سائر الغزوات، عاشت سبعة عشر عاماً تدافع عن رسالة الإسلام، وتدعو للجهاد في سبيل الله وتحمل هموم النساء بوجه خاص، تعلمهن أصول دينهن ودنياهن، من خلال ما اكتسبته من علم على مر الأيام والأعوام .
رحم الله أسماء بنت يزيد ورزق الله نساءنا ما تمتعت به من حكمة وفطنة وحسن بيان .