تحتفظ رأس الخيمة بتراث عمراني أصيل ومتجذر تاريخياً، تعد "الأسوار القديمة" أحد وجوهه المشرقة، لكنها محفوفة بالنسيان والإهمال ومهددة حالياً بالضياع، لتغيب معها ملامح ماضيها الجميل .
أسوار رأس الخيمة القديمة مازالت متشبثة بذاكرة جيل المخضرمين من أبناء الإمارة، من رجالات ونساء الرعيل الأول، رغم أنها تفقد بريقها مع السنين، في ظل رحيل الكثير من "الشواب"، في حين أن ما بقي منها في رأس الخيمة، بضآلته، يثير قلق المهتمين بالتراث الوطني، العمراني تحديداً، والغيورين على المصلحة الوطنية .
يقول الدكتور عبدالله الطابور، الباحث المختص في التاريخ المحلي: إن الإمارات شهدت في مراحل تاريخية سابقة بناء العديد من الأسوار حول مدنها وتجمعاتها البشرية الرئيسية، منها سور مدينة جلفار، وهو المسمى التاريخي لإمارة رأس الخيمة، وسور آخر حول مدينة رأس الخيمة، وسور ثالث يمتد مسافة طويلة، ويربط بين قصر الزباء ومنطقة الغب، جنوب شرق مدينة جلفار، وهو (سور الصير)، الواقع في منطقة تعرف باسمه، هي منطقة السور، وهو من أشهر وأقدم الأسوار في الإمارات .
ووفقاً للطابور، الذي تناول في كتابه (جلفار عبر التاريخ)، الأسوار التاريخية في رأس الخيمة فقد تميزت الأسوار في الإمارات تاريخياً بكونها عالية وعريضة نسبياً، حتى تتحمل الارتفاع في البناء، وكانت لها أبراج ومربعات . وغالباً ما تبنى حول الحصون القديمة، التي تقام بدورها بالقرب من ساحل البحر، لتستخدم كمراكز دفاعية .
سور مدينة رأس الخيمة
تذكر مصادر تاريخية أن السور كان يحيط مدينة رأس الخيمة، ويعلوه في نقاط محددة عدد من الأبراج الدفاعية، ودمرت أجزاء كبيرة منه على أيدي القوات البريطانية الغازية عام ،1819 ويعود تاريخ بنائه إلى العام ،1816 أي قبل العدوان الإنجليزي بثلاث سنوات . ووفقاً لخارطة رسمت العام 1819 لمدينة رأس الخيمة كان السور يشتمل على أربعة أبراج مراقبة، في كل منها 5 مدافع، وله بوابة كبيرة وأخرى صغيرة . وخارج السور شيدت قلعة أو حصن .
وعن سور مدينة رأس الخيمة، يرجع الدكتور الطابور إلى ما ذكره سيف خميس سباع، وهو طبيب شعبي مشهور، من أن أساسات السور كانت موجودة قبل أكثر من 70 عاماً تقريباً، وينقل عن الأخير شهادته، التي جاء فيها: "كان عمري 7 سنوات عندما كنا نلعب على ما تبقى من السور وأطلاله . أما باب السور فقد كان، حسب ما وصلنا من الآباء، من خشب الساي، وهو من الأصناف المتميزة من الأخشاب، التي كانت تجلب من الهند وشرق إفريقيا" .
وربطت أبراج خاصة السور، ويسمى أحدها برج الحلو، ويقع في موقع يسمى الحويلة، وهو قريب من دوار الجسر حالياً، والذي يربط مدينة رأس الخيمة بمنطقة النخيل التجارية .
ويضيف الباحث المتخصص إن "السور الأخير اندثر منذ زمن، وبعض كبار السن، ممن التقاهم شخصياً، لم يشاهدوه، وسبب ذلك أن الإنجليز دمروه مع أجزاء من المدينة خلال حملتهم على الإمارة عام 1819 ، إلا أن ذكريات السور ومشاهداته بقيت في ذاكرة بعض الرواة" .
ويعتبر الطابور، اعتماداً على رواية من شاهدوا بقايا السور التاريخي، أن سور مدينة رأس الخيمة كان موجوداً قبل نحو 100 عام ك"أطلال"، فيما كانت آثاره باقية، لكنه دفن مع الزمن تحت الرمال واختفى تحت المنازل، مع توسع المدينة وامتداد البنيان تدريجياً .
ويشير الطابور إلى "صعوبة البحث والتنقيب عن سور مدينة رأس الخيمة حالياً وإعادة تأهيله وترميمه، لوقوعه تحت عدد من المنازل في مدينة رأس الخيمة القديمة، رغم أن دائرة الآثار والمساحة في رأس الخيمة سابقاً بادرت إلى مسح ميداني بحثاً عن السور، وعثرت فعلياً على آثاره مدفونة في المكان ذاته، الذي وصفه بعض الرواة من كبار السن" .
سور جلفار
وبحسب ما يرويه د . عبد الله الطابور، في كتابه "جلفار عبر التاريخ"، فقد كان هذا السور يحيط مدينة جلفار التاريخية، ويحميها من أي هجوم خارجي، ويستشهد بما ذكره الدكتور جفري، رئيس فريق التنقيب عن الآثار في رأس الخيمة سابقاً، من أن مدينة جلفار العريقة كانت محاطة بسور عظيم، وتم العثور على بقايا هذا السور، الذي كان يحيط خمسة مساجد والبيوت . وأوضح أن الطوب والطين استخدما في بناء السور، الذي بلغ طوله 400 متر . وأرجع سبب إنشائه إلى حماية أهالي المدينة من أي عدوان خارجي .
ويرجع تاريخ تشييد السور، وفقاً للطابور، إلى القرن الرابع عشر الميلادي، حين كانت جلفار أحد الموانىء الأساسية للطريق التجاري بين العالم العربي والشرق الأقصى، بسبب موقعها الاستراتيجي . ويؤكد الطابور أن السور هو أحد أقدم الأسوار المكتشفة في منطقة الخليج العربي .
ويروي ناصر الكاس، رئيس جمعية ابن ماجد للفنون الشعبية والتجديف في رأس الخيمة، عن بعض الرواة ممن أدركهم، أن مدينة رأس الخيمة القديمة اشتملت على سورين رئيسيين، يمتد الأول من منطقة بري الحلو إلى موقع حصن رأس الخيمة (المتحف حالياً)، ويترامى الثاني من منطقة الدورة (موقع فندق رأس الخيمة حالياً) حتى منطقة بري بوشاق .
ومن أسوار رأس الخيمة القديمة، سور آخر قديم في منطقة الصير، كما يشرح الباحث التاريخي، يلف قصر الزباء، ويمتد على طول المسافة من جبل القصر، المعروف ب(جبل البياتة)، إلى المنطقة التي تسمى حالياً منطقة السور .
وادي السور
يقع وادي السور في منطقة شمل، وسمي بذلك نسبة إلى سور الصير، الذي يلف قصر الزباء ثم يتجه جنوباً إلى سيح الغب، ثم غرباً إلى سيح الحديبة، وينحدر جنوباً نحو سيح العريبي، ومنها إلى منطقة العريبي، وصولاً إلى منطقة القرم، حيث تكثر أشجار القرم المعروفة محلياً . ولا تزال آثار السور باقية حتى يومنا على هيئة ركام من الحجارة والطين . ويعد أطول سور في الإمارات، إذ يقدر طوله بعدة كيلومترات، وربما كانت له بوابة كبيرة بالقرب من قصر الزباء، كما يشير الطابور .
وخلف السور وعلى امتداده خندق عميق، استخدم على الأرجح لحماية المنطقة مع السور في وجه أي هجوم خارجي . ويمر بالخندق ماء البحر، القادم من منطقة القرم، فيما كان السور يستخدم في حماية قصر الزباء والمنطقة من أي عدوان خارجي من جهة الجنوب الغربي .
سور ملحة
يقول الدكتور الطابور: تقع منطقة ملحة على بعد 16 كيلومتراً شرق مدينة رأس الخيمة، وإلى الجنوب من منطقة البريرات يقع السور القديم بين جبلين، ويبلغ طوله نصف كيلومتر تقريباً، واستخدم لتحصين المنطقة ضد الغزو الخارجي .
ويتذكر سعيد علي، من أبناء منطقة السور (الصير)، حيث نشأ وترعرع، أن "السور كان قائماً خلال طفولته وصباه في المنطقة، وكان يضم عدداً من البوابات، تجتازها القوافل والبشر خلال ساعات النهار، في حين يتم فرض الحراسة عليها ليلاً، لحفظ الأمن" .