نقل الروائي الأردني غالب هلسا كتاب «جماليات المكان» للمفكر والفيلسوف «غاستون باشلار» بحميمية ووعي ثقافي تتجاوز مهمة المترجم الوظيفية أو العابرة.. هو من تلقاء نفسه ترجم الكتاب لأنه - ربما - رأى فيه شيئاً من مكان طفولته (غالب هلسا من بلدة ماعين إحدى البلدان المحيطة بمدينة مادبا جنوب غربي الأردن)، ويقول هلسا في تقديمه للكتاب:.. «يثير هذا الكتاب، أو هو قد أثار عندي على الأقل، فكرة دراسة لجماليات المكان العربي..» إذ إن النقطة الأساسية، كما يضيف هلسا التي ينطلق منها باشلار.. «هي أن البيت القديم، بيت الطفولة، هو مكان الألفة، ومركز تكييف الخيال..»، وهنا نقول إن باشلار قرأ جمالياً و«ظاهراتياً» أولاً ما سماه البيت من القبو إلى العلية، وأفرد في الكتاب الفصول التالية وهي: البيت والكون، الأدراج والصناديق وخزائن الملابس، الأعشاش، القواقع، الأركان.. إلخ»، أي إن باشلار قرأ الأشياء المبعثرة - إن جازت العبارة في البيت، وفي محيط البيت، ذهب باشلار أيضاً في هذا المحيط من الجماليات إلى ما سماه المتناهي في الصغر (مثل التفاحة)، ويذهب، أيضاً، إلى ما سماه المتناهي في الكبر.. يقول.. «.. المتناهي في الكبر في داخلنا، وهو متصل بنوع من تمدد الوجود التي تكبحه الحياة ويعيقه الحذر..».

ولكن، بعيداً عن فضاءات هذا الفلسفية الظاهراتية الجمالية.. ألا يمكنك أن تتساءل.. لماذا ترجم غالب هلسا هذا الكتاب بالذات؟. لماذا «جماليات المكان» لباشلار بالذات؟
اجتهد بالقول: ربما لأن غالب هلسا لم يعش في كبره بيت طفولته. ربما لأنه غادر القواقع والأعشاش والأدراج والصناديق وخزائن الملابس مبكراً.. عندما ترك موطنه، وعاش بعيداً في بغداد ودمشق وبيروت والقاهرة في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، وبين هذه المدن كتب روايات تشي بالمكان وناسه، وجمالياته، ولغته، ولكن، بعيداً، عن ظلال باشلار.
إذاً، هو المكان العربي، وجمالياته، الذي نتذكره في عام القراءة، وفي شهر القراءة على وجه التحديد حيث تتوزع فيه الحكايات والأفكار وأيضاً الكتابات والتجارب التي بحاجة إلى القراءة المرة تلو الأخرى.
عاش بعض الشعراء العرب في الأرياف، بل، الكثير من هؤلاء الشعراء هم أبناء فلاحين في أرياف مطرزة بحقول القمح والذرة والبامية ودوار الشمس، وعندما كان هؤلاء الشعراء الريفيون يتركون هذه الحقول باتجاه المدن كانوا يعانون نوعاً من الفصام والوحشة.. إذ تظل (الأعشاش) ليست عالقة فقط في ذاكرتهم الريفية الفلاحية، بل، وتظل عالقة في قصائدهم التي كانت قد خرجت من الأمكنة وجمالياتها الطاغية.
في فرنسا.. وطن باشلار الجغرافي والانثروبولوجي، كما في أي بلد أو وطن آخر في العالم تتشابه الأرياف، ويتشابه الفلاحون.. الأشجار نفسها.. شجرة التفاح هي شجرة التفاح في أي مكان في العالم، والطيور نفسها.. طائر الحجل هو طائر الحجل في أي مكان في العالم.. تبني الطيور أعشاشها بالقش والريش وبعض الخرق الصغيرة في الريف الفرنسي، وفي الريف السوداني أو السوري أو الأردني بالكيفية نفسها وبالفن نفسه.. إذاً، ما الذي يتبقى؟.. يتبقى قلم عربي مثل قلم باشلار ليذهب إلى هذه الجماليات، وهذا مرة ثانية ما أراده غالب هلسا من وراء ترجمة كتاب «جماليات المكان».
عاش أمل دنقل في الريف المصري، ويطلق عليه في مكان آخر «الجنوبي»، وعاش بدر شاكر السياب بالقرب من نهر «بويب» في البصرة، وعاش فؤاد رفقة (في رفقة الطبيعة اللبنانية الآسرة)، وجزء من حياة مصطفى وهبي القل (عرار) يشبه جزءاً من حياة الإسباني لوركا المولع بأغاني الغجر، وبعض الشعراء عاشوا في كهوف ومخيمات.. وفي كل هذه الأماكن ثمة أشياء.. الكثير من الأشياء.. الكثير من الأشياء المخزونة في أشياء.. المفاتيح، الأبواب، (العلية)، الطواحين، الخزانات، الصناديق، الوسائد، الألحفة، الستائر، العصي، الفخاخ، ضفاف الأنهار، الحجارة التي تنبثق منها فضة الينابيع، المرايا، الجدران، السقوف، مزاريب المياه،.. كل هذه الأشياء الشبيهة ب(أشياء) غاستون باشلار موجودة في المكان العربي، وفي أي مكان آخر في العالم.
السؤال هنا، كم من الشعر العربي يحمل على (ظهره) من الأشياء.. أو من الأشياء المخزونة أو المخزنة في الأشياء؟.. أي كم من الجماليات.. جماليات الأشياء غائبة عن الشعر العربي؟، وإن كانت حاضرة.. فظلالها الحاضرة فقط.

يوسف أبو لوز