في أحضان الطبيعة الخضراء تتوسط مجموعة من الأضرحة القديمة بلدة عورتا الواقعة على الأطراف الجنوبية الشرقية لمدينة نابلس، شمال الضفة الغربية، وشكلت هذه الأضرحة هدفاً خلال العقود الماضية من الاحتلال الإسرائيلي لمجموعات متطرفة يهودية تدعي أنها تعود لزعماء التلمود .

وتقع تلك الأضرحة في مقبرة خاصة ملاصقة لمسجد بلدة عورتا القديم محاطة بالأسلاك وتشرف عليها مديرية الأوقاف والشؤون الدينية والمجلس القروي للبلدة، كونها جزءاً من حرم المسجد، فيما يرتادها المستوطنون اليهود في مناسبات عديدة يغلب عليها الطابع السياسي في محاولة لربطها بمعتقدات تلمودية، من أجل إضفاء الشرعية على الوجود الصهيوني في فلسطين .

ويقول عبد الله كلبونة، مدير دائرة الآثار في محافظة نابلس والباحث المتخصص في المقامات والمواقع الأثرية، إنه يوجد في قرية عورتا 11 ضريحاً، أبرزها ضريحا العزير والمفضل، من الأولياء الصالحين وليس أكثر من ذلك .

وأكد أن هذه الأضرحة تعد جزءاً مهماً من تراث وتاريخ الشعب الفلسطيني، ما يستوجب حمايتها وصيانتها كونها كنزاً للأجيال اللاحقة .

وشدد كلبونة على أن إطلاق بعض الأسماء التوراتية على بعض الأضرحة وطبيعة وشكل البناء لا تعطي أحقية للمستوطنين والعصابات الصهيونية في تلك الأماكن، كونها ترتبط فقط بحقبة زمنية معينة، وهي الآن وقف إسلامي خالص، أضحت الصبغة الإسلامية هي السائدة عليها .

وحسب المعطيات المتوفرة لدى مؤسسات مجتمعية في البلدة، فإن الرصد الأثري يشير إلى وجود القبور الآتية: العزير، ويقع على بعد نصف كيلو غرب البلدة وهو عبارة عن ضريح كبير . مقام الشيخ المنصوري، وهو ضريح كبير يقع في ساحة المسجد . الشيخ المفضل، وهو ضريح كبير يقع شمال البلدة . مقام العزيرات ويتألف من غرفتين تعلو كلاً منهما ثلاث قباب، وينقل أهالي البلدة عن محدثين أن سبعين مجاهداً أو نبياً مدفونون في هذا المقام، وينقل عن الرحالة الشيخ عبد الغني النابلسي ذكره في رحلته إلى بلدة عورتا عام 1101 هجرية قوله: فدخلنا إلى مسجد فيه مغارة يقال إنه دفن فيها أربعون من الأنبياء فصلينا ركعتين وأكثرنا من الدعاء .

فيما قال ياقوت المتوفى سنة 626هجرية عن بلدة عورتا في معجمه: بليدة بنواحي نابلس . بها قبر العزير النبي في مغارة وكذلك قبر يوشع بن نون، ومفضل بن عم هارون . ويقال بها سبعون نبياً عليهم السلام . وإلى جوار بلدة عورتا، تقع خرب تاريخية، هي: خربة الرأس: وفيها مقام العزير المار ذكره تحتوي على أساسات جدران، وأكوام حجارة ومبان متساقطة وصهاريج منقورة في الصخر . وخربة حية وتقع إلى الشرق من عورتا، ترى فيها آثار أنقاض . خربة الشراربة وخربة شراب: وتقعان إلى الشمال الشرقي من عورتا .

ويقول رئيس المجلس القروي في بلدة عورتا قيس عواد: إن الأضرحة في البلدة والتي تعود لأولياء صالحين، هي أضرحة إسلامية بحتة ويشرف عليها إشرافاً كاملاً المجلس القروي كما يقوم بالعناية بها من خلال توفير عمال مهنيين .

ويضيف إننا معنيون بترميم المقبرة والأضرحة من أجل تحويلها إلى مناطق أثرية ومزارات لكن مخططاتنا تصطدم دائماً بالمستوطنين الذين يدعون باطلاً انتساب هذه الأضرحة لهم، ويصرون على تزييف التاريخ .

وذكر عواد أن أطماع المستوطنين في البلدة بدأت في الأيام الأولى لاحتلال الضفة الغربية، حيث حضرت قيادات عسكرية إلى البلدة وعاينت الأضرحة ثم شرعت جماعات متطرفة بزيارتها من أجل وضع اليد عليها، وتكررت محاولات المستوطنين وضغوط الأحزاب الإسرائيلية المتطرفة في مسعى لبسط السيطرة عليها وبخاصة بعد إقامة مستوطنة يهودية بجوار البلدة أطلق عليها ايتمار .

وأقيمت النواة الجديدة لمستوطنة ايتمار في العام 1984 على يد طلبة معهد مئير الصهيوني بالقدس، وأطلق عليها في البداية اسم تل حاييم في محاولة لربطها بمعتقدات يهودية في ذلك المكان، الذي يعتبرونه رمزاً دينياً وعقائدياً له ارتباطات مزعومة بالعيزر ايتمار بنحاس، والسبعين شيخاً، وفقاً للتاريخ التلمودي . وبدأت المستوطنة - التي حول اسمها من تل حاييم إلى ايتمار - بالتوسع ببطء شديد حتى تمددت، وتضاعفت على مدار عدة سنوات لتصبح مسيطرة على سبع قمم جبلية .

ويصف عبد السلام الجمل، وهو مدرس من سكان البلدة طريقة قدوم المستوطنين إلى البلدة لزيارة الأضرحة، بأنه أشبه باحتلال البلدة من جديد حيث ترافق حافلاتهم عشرات المركبات العسكرية الإسرائيلية، التي تغلق مداخل البلدة ويعتلي جنودها أسطح المنازل، فيما تتعالى أصوات المستوطنين بالصراخ موجهين التهديدات والشتائم إلى الأهالي .

ويقول انه في إحدى المرات خط المستوطنون على قبور المسلمين القريبة من الأضرحة عبارات مسيئة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وشعارات الموت للعرب، الأمر الذي تسبب بحالة غضب عارمة.