دراسات نفسية عالمية عديدة، حاولت تقصي واستقراء سيكولوجية مرتكبي الحوادث والمخالفات المرورية، التي يقوم بها الشباب، واستطاع كثير منها الوقوف عند الحالة النفسية، وتشخيص الأسباب الكامنة وراء ذلك. وفسر البعض منهم نفسية الشخص المتهور، بأنه أكثر عرضة لارتكاب الحوادث المرورية القاتلة، بجانب عدم الاكتراث للمسؤولية المجتمعية الواجب عليه تحملها، إلى جانب الاكتئاب والتهميش وسوء المعاملة من الأسرة، ومنهم من يعزي سبب ذلك إلى الرفاهية والقدرة على امتلاك سيارة في وقت مبكر، لم ينضج فيه الشاب بعد، ولم تكن له من التجارب الحياتية استطاع أن يبلور من خلالها الآثار السلبية الناجمة عما يقوم به.
ويرى اختصاصيو علم النفس أن السبب الرئيسي للمخالفات يرجع إلى هوَس السرعة، الناتج عن تسلط النزعة الاستعراضية القاتلة، والافتتان والمظهرية الخادعة، فالمتهور الاستعراضي، يضرب بحكم العقل والمنطق والقوانين والتعليمات عروض الحوائط، وكلها في النهاية تتعلق بالسمات الشخصية للشاب.
ولكن هل منا من يتصف بالشجاعة والإدراك فيذهب بابنه الشاب عندما يزداد ارتكابه للمخالفات إلى طبيب نفسي للوقوف على الأمر، بتقديم الدعم النفسي، وهل يقوم الأطباء النفسيون بالتوعية اللازمة لأهم فئات المجتمع لحمايته من المخاطر؟
يقول الدكتور أسامة الموسى، اختصاصي الطب النفسي: «يجب ألا ننسي أن العمر الواقع بين 18 و30، الذي يُعرف بسن الشباب، يتصف بالاندفاع والطيش في سلوكه وتصرفاته، وتعد السرعة سمة غالبة له، في كثير من التصرفات، ومنها التعامل مع الآخرين، والحكم عليهم، ويظهر ذلك جلياً في القرارات الخاطئة، التي تُتخذ في المواقف الحاسمة».
ويضيف: «الشباب في هذه السن، ليس لديهم مانع من ارتكاب المخالفات المرورية عشرات المرات، بمبالغ كبيرة، مقابل إثبات قدرتهم على القيادة بمهارة لإثبات رجولتهم وقوة شخصيتهم أمام الأقران، حسب ما يعتقدون، وأن يتجنبوا وصفهم بأنهم جبناء أو خائفون أو مرتجفون في القيادة».
وعن الدور الذي تقوم به مؤسسات الطب النفسي للإسهام في التوعية والحد من ارتكاب الشباب المخالفات المرورية التي تودي بحياتهم، وحياة الآخرين يقول الموسى: «نطالب، دوماً، بعرض أفلام توعوية في المدارس والجامعات، وأن تكون هناك أفلام وثائقية وتوعوية تحمل مضامين توجيهات مرورية، وزيارة المؤسسات الطبية، ليرى الشباب بأعينهم، ما تخلفه الحوادث المرورية من أخطار، وما تسببه من عوائق للمجتمع والآخرين، جراء التهور والاندفاع في قيادة المركبات». ويؤكد أن مطالبة كثير من فئة الشباب بأن يقل سن استحقاق الحصول على رخصة قيادة إلى 16 أو 17 سنة عما هو عليه الآن (18 سنة) خطأ كبير لا يمكن تداركه في حال تحققه، خصوصاً أن سن ال 18 متعارف عليه في المحاكم، وخضع اختياره للمعايير الدولية والعالمية والمحلية أيضاً، وله بعد نفسي وجسدي وديني، حيث يصبح المرء قادراً على أن يتحمل المسؤولية المجتمعة، ويمكن الأخذ برأيه في المحاكم من الناحية القانونية، وهو مسؤول عن أعماله وما يقوم به من سلوكيات وتصرفات، ووعيه وإدراكه يكونان أكثر نضجاً.
أما عن المسؤولية المجتمعية، فيرى الموسى أن الوالدين والأسرة المنبع الأول الذي يجب أن يستقي منه الشاب معاييره، ويتعلم من خلاله أثر التصرف المتهور في المجتمع، ثم تأتي المؤسسات التعليمية والشرطية والحكومية لتكمل دور الأسرة في التوعية والإرشاد.
وترى هالة الأبلم، الاستشارية النفسية والتربوية، أن ما يفعله الشباب من مخالفات مرورية، نوعاً من إعلاء «الأنا» لديهم، وسعياً إلى إبراز الذات وإثبات الرجولة على حد اعتقاده، ومن جانب آخر يرجع إلى عجزه عن تحمل المسؤولية والوعي الكامل بها، وإدراك أنه أحد أفراد المجتمع المهمين الذين على كواهلهم تبنى الأوطان وتشيد الحضارة، وأنهم عجلة في التقدم الجاري حالياً.
وتعزي الأبلم ما يقوم به الشباب أيضاً من مخالفات مرورية التي تسبب أحياناً فقد الأرواح، إلى التباهي من جانب الشباب والترف الزائد والطيش في تصرفاتهم، ما يكون سبباً في ارتكاب الأخطاء القاتلة التي تودي أحياناً بالأرواح، واعتقاد البعض بأن ما يقوم به متنفساً لا بد منه.أما عن الجانب التوعوي فتقول: «عادة ليس هناك جانب توعوي للشباب يقوم به الأطباء النفسيون، بل إن التوعية تأتي دائماً من الجانبين الشرطي والأسري، لأن الأخطاء السلوكية التي يرتكبها الشباب وتترتب عليها المخالفات المرورية الجسيمة، خصوصاً السرعة الزائدة، ليست حالة نفسية، ولا اضطراباً نفسياً، ولا حالة مرضية تحتاج إلى علاج وتوجيه، من قبل الأطباء والمختصين النفسيين والتربويين، بل مجرد حركات لا إرادية تكون في الأشهر الأولى للحصول على رخص القيادة، وبعدها يستقيم هذا السلوك».
وتؤكد أن الاستجابة تكون كبيرة حين تأتي التوعية من جانب الوالدين والمربين ورجال الشرطة، خصوصاً أن الوسائل التوعوية الآن كثيرة ومتعددة وتستغل وسائل التواصل الحديثة بقوة في المجال التوعوي من جانب الشرطة، لتوعية هذه الفئة المجتمعية المهمة وإشعارها بالمسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتقها تجاه المجتمع، وأنها جزء من منظومة المجتمع لابد أن يتنبه إلى دوره جيداً، ولا شك أن الدعم الأسري للشاب له أهمية كبيرة في التخلص من هذا السلوك غير السوي.
وعن الآثار السلبية التي تعود على المجتمع، جراء هذه المخالفات المرورية التي يرتكبها الشباب، تقول الأبلم: «لا شك أن هناك تأثراً كبيراً، نظراً لما تسببه هذه المخالفات، خصوصاً السرعة وكسر إشارات المرور الضوئية في إحداث وفيات، وتحدث معظمها بسبب دراجات أو سيارات يستقلها شباب متهورون عاجزون عن تحمل المسؤولية المجتمعية، ولو أن الأسرة تقدم الدعم الكامل للشاب والتوعية الضرورية، مع بدء حصوله على رخصة القيادة، وترك فترات بعيدة بين حصوله عليها وامتلاكه سيارة لتكون له تجارب قيادية، يتعرف من خلالها إلى الشوارع والطرقات، ويتسرب إليه الإحساس بقيمة النفس البشرية، ليكون تقديره للأمور أكثر إدراكاً».
وتشير إلى أن ما تقوم به الدولة من دمج الشباب في العمل وتوجيه الطاقات واستغلالها، لهو الطريقة المثلى للتوجيه الصحيح، فذلك يعد تنفيساً نفسياً لتفريغ طاقات الشباب، فضلاً عن احتوائهم فيشعرون بالمسؤولية ما يكون سبباً في تقليل الحوادث المرورية.
وتوضح أن هناك تخوفاً من قبل البعض بأخذ رأي المختص النفسي فيما يتعلق بارتكاب ابنه للمخالفات الخطرة، ولا تزال هناك شريحة ترى أنه ليست ثمة علاقة بين الأمرين.
ويقول الدكتور علي الحرجان، استشاري الطب النفسي بالشارقة: «أغلبية الحوادث المرورية والمخالفات التي تقع، يقوم بها شباب تتسم شخصيتهم بالاندفاعية والحماس وحب المغامرة والتميز والعدوانية والتهور في الكثير من الأوقات، تجاه الآخرين والمجتمع».
ويعزي الحرجان ما يقوم به الشباب إلى أنه نوع من أسلوب التخلص من الحياة نتيجة مشكلات أسرية يتعرض لها الشاب ما ينتج عنه معاناة نفسية جراء إهانته من قبل أحد أفراد أسرته أو المجتمع، ما يسبب له اضطراباً نفسياً يكون من مظاهره ارتكاب المخالفات الجسيمة، والقيادة بسرعة وتهور ليفرغ طاقاته بعدم احترام قواعد وقوانين السير، كنوع من إيذاء المجتمع.
ويؤكد أن هناك قسماً آخر يعاني الاكتئاب الشديد، ويستخدم السرعة الزائدة كنوع من الانتحار ومعاقبة الذات، أما القسم الثالث فهو يرتكب هذه المخالفات من دون وعي، حيث يكون تحت طائلة المخدرات والمهلوسات، ما يجعله عرضة لارتكاب أخطاء تضر بحياته وتودي بحياة الآخرين أحياناً، وهذه الفئة قدرتها الذهنية مرتبكة وضعيفة ولكنهم يشعرون بالقوة الجسدية عند التعاطي، فتصور لهم مخيلتهم القدرة على القيادة بمهارة بسرعة عالية».
ويشير الحرجان إلى وجود وعي مجتمعي كبير، حيث يوجد كثير من الحالات التي يأتي بها الأهل لعلاج التهور والطيش أثناء القيادة، وارتكاب المخالفات الجسيمة، ويقدم الأطباء النفسيون الإرشادات اللازمة والعلاج النفسي المناسب لهم، والتخلص من الأسلوب الانتحاري الذي يقصده بعض الشباب. ويضيف أنه قدم بالتعاون مع المؤسسات التربوية والتعليمية كثيراً من المحاضرات التعليمية لفئة الشباب للتقليل من السرعات الزائدة التي تودي بالنفس وتقضي على أفضل المنجزات الوطنية وهي الشباب.

إظهار التفوق والقدرة

ترى الإعلامية سهاد الصوالحة، أن الدافع وراء القيادة المتهورة يعود إلى عوامل نفسية، لإظهار التفوق والقدرة العالية على التحكم وإثبات السيطرة، وهي في الأصل عوامل خاصة بالرجال يميلون دائماً لإثباتها، الأمر الذي يؤدي إلى حوادث نتيجة الضغط الزائد على المكابح أو الاحتكاك العالي وارتفاع حرارة المحرك، فضلاً عن عدم التركيز على الطريق، وما يحدث عليه من مفاجآت يصعب عليه تداركها في الوقت المناسب. 

وتقول: «شخصياً أعرف من فقدوا أرواحهم بسبب السرعة، وهناك من فقد أعضاءه، وهناك من دخل في غيبوبة دائمة، كلها كانت نتيجة حوادث سرعة، وهنا يأتي دور تذكير الشباب بالنتائج السلبية للسرعة وسرد أمثلة عليها، يمكن أن تشكل وازعاً من الخوف لكبح جماح التهور وانعدام الإحساس بالمسؤولية».