إعداد: عبير حسين
لطالما كانت إفريقيا مهد الأساطير، وأرضاً خصبة للخرافات عن السحرة وقدرتهم الخارقة على جلب الحظ، وتوقع المستقبل، وكشف أسرار المجهول، وبالرغم من التطور التكنولوجي الهائل الذي يعيشه العالم شرقاً وغرباً، إلا أن هناك الملايين مازالوا يعتقدون في قدرات السحرة على تحقيق أحلامهم، ودفع الشرور عنهم . وبالرغم من أن قضية السحر في إفريقيا قديمة وعتيقة، إلا أن التطور المثير الذي طرأ على أدوات السحرة دفع بها إلى واجهة الاهتمام العالمي، بعدما استبدلت التمائم والتعويذات التقليدية المصنوعة من جلود وعظام الحيوانات بأخرى من أعضاء بشرية خاصة من "الألبينو" أو المصابين بالمهق، وهنا تحولت المسألة من مجرد اعتقاد بخرافات السحر وقدرات السحرة إلى قضية تتعلق بحق الآخر في الحياة .
ما يثير الدهشة هنا أنه لعقود طويلة كانت القبائل الإفريقية تنبذ أبناءها المصابين بالمهق، واعتبرتهم نذير شؤم، وفألاً سيئاً، والبعض كان يتخلص منهم بمجرد ولادتهم باعتبارهم من الأرواح الشريرة القادمة من عالم الجن، أما اليوم فأصبحوا مصدراً لجلب الحظ، فارتفعت أسعار أعضائهم البشرية لتصل إلى آلاف، وليصبح كل "البينو" مهدد بالقتل، أو ببتر ذراعه، أو قدمه في أي وقت بعد انتشار عصابات مسلحة مهمتها جلب أعضائهم إلى السحرة الذين يعملون على طحنها وصناعة تمائم منها تجلب الحظ السعيد لمن يرتديها، وترتفع الأسعار كلما اقترب موعد إجراء انتخابات برلمانية، أو رئاسية في أي دولة، حيث يدفع المتنافسون مبالغ طائلة للسحرة لمساعدتهم على الفوز بمقعد في البرلمان، أو في القصر الرئاسي .
كانت منظمات حقوقية عدة رصدت تجاوزت كبرى بحق المصابين بالمهق في عدة دول بعدما أصبحت التجارة في أعضائهم البشرية أمراً مستباحاً تقف أمامه أجهزة الشرطة موقفاً سلبياً لعدم قدرتها على ضبط الجناة، أو لخوف البعض من عواقب معاداة السحرة، ومع مطلع العام تجاوز الحديث التقارير الحقوقية لتصدر الأمم المتحدة تحذيراً مباشراً تم توجيهه لتنزانيا التي انتشرت بها الاعتداءات على الألبينو خاصة مع موعد إجراء الانتخابات الرئاسية في أغسطس/آب المقبل .
أشار تقرير الأمم المتحدة إلى أن الألبينو في تنزانيا يتم صيدهم مثل الحيوانات بحثاً عن أعضائهم التي تجلب الحظ للمشترين، وهم غالباً من المتنافسين السياسيين لأنهم الطبقة الثرية القادرة على دفع مبالغ مرتفعة نظير الأعضاء التي تبدأ أسعارها من 4 آلاف للأطراف، وتصل إلى 50 ألفاً، وربما 75 ألفاً مقابل الجسم كله، ولفت التقرير الانتباه إلى أن هذه الأسعار دفعت الكثيرين لمهاجمة أبرياء لمجرد أن لون بشرتهم مختلف طمعاً في الحصول على المال، وأن أغلب الجرائم تنفذ بطريقة بشعة، حيث يعمل المهاجم على بتر الذراع، أو الكف ويفر هارباً تاركاً الضحية ينزف ربما حتى يلقى حتفه، والمأساة أن الشرطة لا تستطيع توفير حماية للمصابين بالمهق، وأحياناً يكون المهاجم أحد أفراد العائلة! وربما يكون من المناسب التعريف بالمهق الذي يعرف المصاب به بأنه عدو الشمس، وهي حالة وراثية ناتجة عن غياب صبغة في الأعين والشعر والجلد، وتظهر عند التقاء مورثات متنحية موروثة من الوالدين، وعادة تتسبب الألبينية في مشكلات عدة متعلقة بالحساسية الضوئية .
وعلى عكس ماصورتهم الخرافات من أنهم أصحاب شعر أبيض وعيون حمر، يتصف المصابون بالمهق بشعر أبيض كالكتان، وعينين زرقاوين، وجلد ابيض شاحب، ما يميز شكلهم عن بقية الأفراد، وفي بعض الحالات لا يكون غياب صبغة الشعر كاملاً فيظهر الشعر أصهب فاتحاً، أو متوسطاً بدلاً من الأبيض، ويكون نموهم طبيعياً ولا تتأثر حالتهم الصحية العامة، ولا متوسط أعمارهم ولا ذكائهم بحالتهم، وتعد مشكلة ضعف الإبصار هي العامل المشترك بينهم .
ولفتت حالة التمييز ضد أعداء الشمس في تنزانيا خلال الأعوام الأخيرة المجتمع الدولي لارتفاع نسبتهم هناك بسبب زواج الأقارب، وتبلغ نسبة الإصابة هناك 1 إلى كل من ،1400 بينما تصل النسبة في الغرب 1 إلى 20 ألفاً، وسجل العام الماضي 74 قتيلاً و59 من الناجين من حوادث اعتداء، بينما كانت أسوأ الإحصاءات تلك التي رصدت 16 حالة لنبش قبور المتوفين منهم وسرقة جثثهم .
الكندي بيتر آش مؤسس جمعية "تحت نفس الشمس" under the same sun عام ،2009 كان أول من لفت الانتباه إلى ما يتعرض له أعداء الشمس في تنزانيا، وقال إن 10 أشخاص فقط تم تقديمهم للمحاكمة الأعوام الماضية، بعضهم اعترف بأسماء السحرة الذين استأجروهم لتنفيذ اعتداءات على الألبينو وتقطيع أطرافهم، وبالرغم من ذلك لم يدن أي شخص لعدم وجود الأدلة الكافية على السحرة الذين يرفضون تماماً التحدث أمام المحاكم، أو الإفصاح عن الشخصيات المهمة التي يعملون لحسابها، لأنها غالباً تكون من السياسيين المتنفذين بالبلاد .
ويوثق التنزاني جوزيفات تورنر مؤسس حملة من أجل الدفاع عن حياة الألبينو حالات الاعتداء عليهم، ويشير إلى أن بعض الآباء يشتركون في التخطيط لما يحدث لأبنائهم طمعاً في المال، ويتساءل إذا كانت العائلة تضحي بأبنائها فبمن نثق؟ لم يعد أحد يعرف من هو العدو؟ وتعد حالة اختفاء الطفلة بينيدوا ايمانويلا نموذجاً لذلك، حيث اختفت عام 2013 ولم يعثر عليها حتى اليوم، ووجهت الشرطة اتهامات لوالدها وعمها بقتلها وبيع أعضائها للسحرة، وبعد احتجازهم 10 أيام أطلق سراحهم بكفالة 130 .1 دولاراً .
والحال نفسها تكرر في قضية اختفاء سيدة 38 عاماً العام الماضي ودارت الشكوك حول زوجها الذي اعترفت ابنته 8 أعوام بأنها شاهدته يغادر المنزل حاملاً ذراع والدتها، وبالرغم من ذلك لم تتمكن الشرطة من إثبات التهمة عليه، أو العثور على جثة الزوجة .
أما ميغولا ماتوتانج فلم يكن تجاوز العاشرة من عمره عندما هاجمه شخصان وهو عائد من المدرسة وقطعا جزءاً من ذراعه اليسرى ثم اختفيا بعد ذلك وسط الغابة، والمحزن أن الفتى قال في إفادته إن الرجلين احتجزاه مثل "الخروف" وتعاملا معه مثل الذبيحة، ولم ينجح في التعرف عليهما لأنهما غرباء، ولم تنجح الشرطة في تعقب أثرهما .
والغريب أن تورنر نفسه مؤسس حملة الدفاع عن حياة الألبينو تعرض لاعتداء ،2012 ومازالت تصله رسائل تهديد بالقتل تطلق عليه "الصيد الثمين"، أو "السمكة الكبيرة"، إلا أن أغلب الضحايا اليوم من الأطفال غير القادرين على الدفاع عن أنفسهم، ويعمل المهاجمون على قطع ما يمكنهم من أطرافهم: الآذان، الألسنة، الأكف، أما الأعضاء الأغلى فهي العيون، والقلب .
ورصدت حملة تورنر ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الاعتداء على الألبينو مع مطلع العام فخلال 11 يوماً من يناير/ كانون الثاني الماضي عثرت الشرطة على أمهق بالعشرين من عمره مقتولاً ومقطع الأطراف في إحدى ضواحي العاصمة دار السلام، وبعدها عثر على أم لسبعة أطفال في إقليم تابورا فاقدة الوعي بعد بتر ذراعها اليمنى، اما الاعتداء على الفتاة بيندو سينجيرما فكان مأساوياً بعدما هاجمها مجهولان خلال تناولها العشاء مع عائلتها وبترا ذراعها، ولم يتمكن أحد من الدفاع عنها .
ويرى تورنر أن السبب في ذلك يرجع إلى اقتراب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية في تنزانيا في أغسطس/آب المقبل .
واليوم تقدم الشرطة في العاصمة دار السلام دار إيواء كبيرة للألبينو يحيط بها سور عال، محاط بحراسة مشددة لحماية نزلائه من أي اعتداء، ويقيم بها أطفال لم يروا عائلاتهم منذ 7 سنوات أو أكثر، نظراً لخوفهم من التوجه لزيارتهم ووقوعهم فريسة في أيدي القناصين المتربصين بهم، أو لفقر أسرهم التي لا تتمكن من تحمل نفقات السفر من قراهم البعيدة النائية إلى العاصمة .

"تحت ظل الشمس"

لعب الفيلم الوثائقي "تحت ظل الشمس" دوراً مهماً في لفت انتباه العالم إلى معاناة الألبينو في تنزانيا، وأعده المخرج الكندي هاري فريلاند الذي تردد في زيارات عدة على تنزانيا لمدة 7 سنوات رصد خلالها المعاناة الكاملة لأبرياء يتم الفتك بهم بسبب لون بشرتهم . ويبدأ الفيلم باستعراض قوة ونفوذ السحرة في تنزانيا عبر تصريح للرئيس السابق جاكايا كيكوتي عام 2009 يشير فيه إلى أنه بصدد تجريم عملهم، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، لأن السحرة هناك هم من يتولون مهام الطب التقليدي صاحب الحضور والسطوة الكاملة على البسطاء هناك الذين لا يفرقون بين التداوي بالأعشاب والسحر، إضافة إلى تنامي نفوذهم المستمر بسبب ضعف الخدمة الطبية وندرة المستشفيات .
ويختتم الفيلم بعدة مشاهد لضحايا قطعت أطرافهم يطرحون أسئلة مثل: لماذا نعيش مطاردين في بلدنا؟ ولماذا يتعامل معنا الآخرون هكذا؟ نتمنى العيش بسلام .