قال تعالى: ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليهم بالظالمين . ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون . قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين . من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله الله عدو للكافرين . ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون . أوكلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون . (البقرة 95-101) .

السؤال: ما نوع الباء في قوله تعالى: بما قدمت أيديهم (البقرة 95)؟

الجواب: الباء للسببية، والمراد ما قدموه هم بأنفسهم من كفر قلوبهم، وجحودهم بآيات الله تعالى، واعتدائهم في يوم السبت، وتأييدهم لأسلافهم في ذلك .

السؤال: لماذا قيل: بما قدمت أيديهم ولم يقل: بما قدمت أنفسهم؟

الجواب: لأن فيه إشارة إلى الناحية الحسية فيهم، فهم أيد باطشة آثمة، وليس لهم قلوب مدركة عالمة . ولأن اليد أظهر جوارح الإنسان في العمل، فبها يتم البطش والاعتداء، وارتكاب المآثم الجماعية، وهذا من باب المجاز المرسل بعلاقة الجزئية .

السؤال: ما مدلول قوله تعالى: والله عليم بالظالمين؟

الجواب: الجملة خبرية وغرضها التهديد والوعيد . وفي الاقتصار على تعليق علم الله تعالى بالظالم دليل على حصول الوعيد . وذكر الظالمين، لأن الظلم هو تجاوز حدود الله، ولا شيء أبلغ في التعدي من ادعاء خلوص الجنة لمن لا يعمل لها بأي عمل صالح وانفراده بذلك دون الناس .

السؤال: علام يعود الضمير في قوله تعالى: ولتجدنهم؟

الجواب: اليهود الذين أخبر سبحانه عنهم بأنهم لا يتمنون الموت .

السؤال: ما سر التعبير بصيغة التفضيل (أفعل) من الفعل (حرص) في قوله تعالى: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة . . . (البقرة 96)؟

الجواب: للمبالغة في شدة حرصهم على دوام الحياة، وطمعهم في البقاء في الدنيا .

السؤال: ما نوع اللام في (الناس)؟

الجواب: للجنس فتشمل جميع الناس، أو للعهد والمراد بها إما المجوس أو إما مشركو العرب، لأنهم لا يؤمنون بالبعث .

الحرص على الحياة

السؤال: ما الغرض من التنكير في قوله تعالى: على حياة؟

الجواب: للتعميم، فهؤلاء اليهود يحرصون على أية حياة مهما كانت صورتها، سواء أكانت حياة ذل أم حياة عز، وسواء أكانت حياة استعباد أم حياة حرية، وسواء أكانت تحكمها الفضيلة أم تحكمها الرذيلة . إنهم يحرصون على مطلق الحياة وهذا يدل على كمال الحرص عليها، ويدل كذلك على حرصهم على حياة طويلة، لأن من كان أحرص الناس على مطلق حياة يكون أحرص على حياة طويلة .

السؤال: لماذا جاء قوله سبحانه في الآية الكريمة بالتخصيص ومن الذين أشركوا بعد التعميم أحرص الناس؟

الجواب: في هذا التخصيص توبيخ شديد من الله تعالى لليهود، لأن هؤلاء الذين أشركوا وثنيون لا يؤمنون ببعث فحرصهم على الحياة لا يستبعد، بينما اليهود هم أهل كتاب يؤمنون بذلك جملة، ولكنهم مع ذلك أحرص على الحياة والبقاء فيها من أولئك المشركين، لأنهم يريدون مطلق حياة، ولأنهم غارقون في الذنوب، فهم عالمون بأن مصيرهم إلى العذاب، فكانوا أكثر الناس حرصاً على البعد عنه، لأن من توقع شراً كان أنفر الناس منه، فلما كانت الحياة سبباً في تباعد العقاب كان أحرص الناس عليها .

السؤال: ما موقع جملة يود أحدهم لو يعمر ألف سنة؟ وما فائدتها؟

الجواب: جملة مستأنفة لبيان شدة حرص اليهود على الحياة المتطاولة . وقد فصلت الجملة عما قبلها لكونها بياناً لها .

السؤال: لمَ نص على ذكر الألف في قوله تعالى: يود أحدهم لو يعمر ألف سنة . . (البقرة 96)؟

الجواب: الألف كناية عن أكبر عدد، لأنهم لا يعرفون عدداً أكبر منه .

السؤال: لمَ قال سبحانه: ألف سنة ولم يقل مثلاً: ألف عام؟

الجواب: لمناسبة كلمة السنة لسياق الآية، وبيان ذلك أن أصل مادة السنة واشتقاقها يدل إما على التغير والتعفن، حيث يقال تَسَنه الخبز أو الشراب أو غيرهما: تَغَير وتَعَفن فهو متسنه، وإما أن يدل على القحط وسوء الزمان، كما يدل عليه قوله تعالى: ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (الأعراف 130)، ومنه الإسنات: أي القحط والجدب، وإما أن يدل أصل المادة واشتقاقها على الدوران الذي فيه كد وتعب إن كان أصلها من (سنا يسنو) إذا دار حول البئر .

فتلك المعاني المأخوذة من اشتقاقات كلمة (السنة) تتناسب وسياق الآية المراد به ذم اليهود بتهالكهم على بقائهم في الدنيا على أية حالة كانت علماً منهم بأنها ولو كانت أسوأ الأحوال خير لهم مما بعد الموت لتحقق شقائهم حينذاك .

ولا تجد تلك المعاني المتناسقة مع هذا السياق لو قال سبحانه: ألف عام، فتأمل يرحمك الله قمة الإعجاز بوضع كل لفظة في موضعها المناسب لها، وصدق الله القائل عن قرآنه الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (فصلت 42) .

زعم كاذب

السؤال: ما سبب نزول قوله تعالى: قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه . . (البقرة 97)؟

الجواب: نزلت رداً على اليهود الذين زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم حيث قالوا: إن جبريل يأتي بالخسف والدمار والهلاك . وميكائيل يأتي بالخير والنماء .

السؤال: علام يعود الضمير في قوله فإنه . .؟

الجواب: على جبريل - عليه السلام .

السؤال: ما مرجع الضمير في قوله نَزله؟

الجواب: للقرآن الكريم . وهذا النوع من إضمار ما لم يسبق ذكره، فيه دلالة على فخامة شأن صاحبه ومكانته، حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفى عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته .

السؤال: لمَ أوثر التعبير بحرف الاستعلاء (على) فقيل: نزله على قلبك ولم يستعمل حرف الانتهاء (إلى) فيقال: نزله إليك؟

الجواب: أوثر حرف (على)، لأن القرآن مستعل على القلب، إذ القلب سامع له ومطيع يمتثل ما أُمر به، ويجتنب ما نُهي عنه . وكان التعبير ب(على) أبلغ من (إلى)، لأن (إلى) تدل على الانتهاء فقط، و(على) تدل على الاستعلاء، وما استعلى على الشيء يضمن الانتهاء إليه .

السؤال: لمَ خص ذكر القلب في قوله تعالى: فإنه نزله على قلبك؟

الجواب: لأنه أشرف أعضاء الإنسان .

السؤال: ما السر في تخصيص جبريل وميكائيل بالذكر بعد ذكر الملائكة وهما منهم، وذلك في قوله تعالى: قل من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين (البقرة 98)؟

الجواب: خص جبريل وميكائيل بالذكر بعد ذكر الملائكة، لقصد تشريفها وللدلالة على فضلهما، وأنهما وإن كانا من الملائكة فقد صارا باعتبار ما لهما من المزية والفضل والشرف بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس الملائكة تنزيلاً للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات . وهذا من باب عطف الخاص على العام، وعلى غراره قوله سبحانه: فيهما فاكهة ونخل ورمان .

السؤال: ما المقصود من عداوة العبد لله، وعداوة الله للعبد في قوله تعالى: من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين (البقرة 98)؟

الجواب: كلا العداوتين مجاز، فعداوة العبد لله معناها عصيانه ومخالفة أوامره ومعاداة رسله وأوليائه . وعداوة الله للعبد معناها: مجازاته على عصيانه وتعذيبه، وإظهار أثر العداوة عليه .

ترتيب دقيق

السؤال: جاء الترتيب في قوله تعالى: من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال . . (البقرة 98) في غاية الدقة والحسن، وضح ذلك؟

الجواب: لأنه ابتدئ بذكر الله تعالى، ثم بذكر الوسائط التي بينه وبين الرسل وهم الملائكة، ثم بذكر الوسائط التي بين الملائكة وبين المرسل إليهم وهم الرسل . فهذا ترتيب بحسب الوحي .

ولا يدل تقديم الملائكة في الذكر على تفضيلهم على الرسل من بني آدم، لأن الترتيب المذكور ترتيب بالنسبة إلى الوسائط لا بالنسبة إلى التفضيل . والله أعلم .

السؤال: ما سر العدول عن المضمر إلى الظاهر في قوله تعالى: فإن الله عدو للكافرين (البقرة 98) وكان ظاهر السياق أن يقال: عدو لهم؟

الجواب: ليدل على سبب معاداة الله تعالى لهم وهو الكفر ببعض ملائكته، وأن عداوة المذكورين في الآية الكريمة كفر بَين لا يحتاج إلى الإخبار به .

[email protected]