الجزائر- ناصر الدين السعدي:
تختلف عادات إقامة أعراس الزواج في الجزائر من منطقة إلى أخرى، تماماً كما تختلف طريقة تحضير الطعام واللباس والاحتفالات الغنائية واللهجات، فحين تحضر عرساً في القبائل ثم تحضر آخر في تلمسان بأقصى غرب البلاد أو في تمنراست بأقصى الجنوب أو في سطيف بالهضاب العليا الوسطى تخال نفسك في أربعة بلدان مختلفة التقاليد والأعراف . الصيف هو الفصل المفضل للأعراس في الجزائر كونه يصادف العطل السنوية ما يسمح لأفراد العائلات بالحضور مهما بعدت المسافات بينهم وحضور العرس مسألة حتمية بالنسبة للأقارب وحتى الذين يعيشون في المهجر خاصة في فرنسا يحضرون خصيصاً لمشاركة العائلة أفراح الزفاف لدى أقاربهم .
تبدأ العائلات التي تَحضّر عرس أحد أبنائها أو بناتها اتصالات مبكرة مع بقية الأقارب حتى لا تتضارب المواعيد ولتأتي الأعراس متفرقة لتسمح للجميع بحضور أكبر عدد منها، وكان الجزائريون في السابق يقيمون أفراحهم سواء تعلق الأمر بالزواج أو ختان الأطفال أو الولائم الخاصة بعودة الحجاج من البقاع المقدسة أو غيرها في بيوتهم، ويستعينون ببيوت الجيران لاستقبال المدعوين، لكن في العقدين الأخيرين صارت معظم الأعراس في المدن الكبرى خاصة تقام في قاعات مخصصة لهذا الغرض، وصار عدد القاعات التي أقيمت خصيصاً للأعراس في العاصمة تعد بالمئات وتعمل طوال الصيف، وكانت الأعراس تقام في نهاية الأسبوع لكن اكتظاظ الطلب على القاعات دفع إلى برمجة الأعراس في كل أيام الأسبوع، أما في الريف فإن الأعراس حافظت عموماً على طابعها التقليدي حيث تجتمع النساء في بيت العريس للغناء والرقص الجماعي وهي نفس الطريقة المتبعة منذ مئات السنين، وفي يوم الفرح تتناول كل القرية وجبة الغذاء أو العشاء عند أصحاب العرس وتوزع القهوة والشاي والحلويات على المدعوين مرات عديدة في ليلة يسهر فيها الجميع حتى الصباح، ويتبادلون الذكريات والحكايات المثيرة، أما في هذه الأيام فقد طغى الكلام في السياسة على تلك اللقاءات، وصار الشباب يتحدثون أكثر من الكبار كونهم مهتمين أكثر بما يجري .
في منطقة القبائل التي يغلب على سكانها اللسان الأمازيغي، (لغة الجزائريين القديمة)، لا يثقل أهل العروس بشروطهم على العريس، في معظم الأحيان تتكرر الكلمات التالية: "نريد الهناء لابنتنا لا غير" وتختلف قيمة المهر المطلوب من جهة لأخرى ففي القبائل الكبرى وعاصمتها تيزي وزو جرت العادة أن يكون المهر زهيداً ورمزياً بحيث يكفي لشراء جزء من "جهاز العروس" الذي يتكون من الملابس والحلي الفضية والأحذية وأمور أخرى مثل العطور ومواد الزينة، وقيمة كل هذا بسيطة ويستطيع كل الناس توفيرها، وفي بعض القرى والبلدات لا يتجاوز مهر العروس 20 سنتيماً (خمس الدينار) كفأل خير وهي عادة قديمة توارثتها الأجيال ولم تتغير حتى الآن، واختلفت الروايات بشأن تحديد قيمة المهر الثابتة ويرجح أكثر الناس إلى أنها وصية ولي صالح لعن من يزيد سنتيماً واحداً على العشرين . ومنذ نحو ربع قرن اختفت تماماً قطعة خمس الدينار من السوق لأنها لم تعد تقضي شيئاً ولم تعد إلا ذكرى . وعرسان هذه الأيام لا يعرفونها إلا في صور الأرشيف . ومن النكت التي يتداولها الجزائريون إن قطعة 20 سنتيماً لا تقضي شيئاً غير عروس من "ميشلي" وهي مدينة بالقبائل بناتها بجمال نادر لكن مهرهن هو بلا شك الأضعف في العالم . "أعطني 20 سنتيماً وخذ عروسك" كلام ربما قاله أحدهم ذات مرة لشاب بعد الاتفاق على تزويجه ابنته، وظل عالقاً في الأذهان يتذكره الناس في مدينة ميشلي وريفها حتى الآن وسيبقى حاضراً مدة طويلة .
وفي القبائل تتزوج الفتيات في سن مبكرة وحالة العنوسة نادرة على خلاف مناطق الجزائر الأخرى وربما كان للتسهيلات التي يجدها الشباب للزواج دور في ذلك . وفي الليلة التي تسبق يوم العرس يقام حفل "ربط الحناء" للعروس في بيت أهلها وتشرف عليه حماتها أو إحدى قريبات العريس المسنات في جو بهيج تتخلله زغاريد وأغانٍ طربية كما يقام حفل مماثل بين الرجال يربط فيه العريس الحناء ويرقص مع أصدقائه وأترابه من أهل القرية أو الحي . وفي اليوم التالي يرقص الفتيان والفتيات على وقع الأنغام القبائلية التقليدية في ساحة منزل العريس، فيما يتوجه موكب من الأقارب والجيران والأحباب إلى بيت العروس لنقلها إلى البيت الزوجية، وإلى عهد قريب كانت عروس القبائل تدخل بيتها على ظهر حصان ولكن اليوم أصبحت هذه المظاهر نادرة بل قل إنها اختفت لتحل مكانها مواكب السيارات . وعند وصول العروس إلى بيتها مباشرة ينتظم المدعوون على موائد كبيرة لتناول وجبة الغذاء وهي في العادة كسكسي بالمرق الأحمر ولحم البقر .
في المناطق الجبلية لولاية سطيف القريبة من القبائل تمارس طقوس غريبة مند قرون ولا تزال قائمة ومنها مثلاً أن العروس في اليوم الثاني من دخولها إلى بيتها تجتمع العائلتان وتتناولان الغذاء معاً، ثم يجري حفل كبير يجمع الرجال والنساء حول العروس وسط أهازيج وزغاريد وتنطلق "عملية الحزام" حيث يتداول إخوة العريس وأعمامه وأخواله وأقرب مقربيه وضع الحزام على خصرها ويقدم لها كل واحد منهم مبلغاً مالياً . ويسمى هذا الحفل "الحزام" بعض العائلات تكتفي بهذا لكن هناك من العائلات من تمدد الحفل لفترة إضافية يقوم فيها صبي من المقربين للعريس بقص خصلة من شعر العروس بمقص جديد لم يكن قد اشتغل من قبل . وحين ينتهي من القص يضرب العروس بلكمة بين الكتفين ثم يفر بخصلة الشعر والنساء يجرين وراءه، ويعطي المنظر جواً احتفالياً رائعاً، وغالباً ما يفوز الطفل ويتمكن من التخلص من المطاردات ويحمل شعر العروس إلى العريس ليضعها تحت رجله داخل الحذاء حتى يكون هو صاحب الرأي ولا تسيطر عليه زوجته، وفي ذلك رمز الرجولة والغلبة، وفي معظم الأحيان تستمر الاحتفالات في أعراس سطيف طيلة الأسبوع الذي يسبق يوم العرس، ويلتئم شمل الأهل والأقارب والجيران حول موائد القهوة والشاي والحلويات داخل خيم تنصب خصيصاً للمناسبة ويؤدي المطربون المحليون أغاني فلولكورية كما تقوم مجموعات من الرجال والشباب ب"التسبيح" ويشكلون سلسلتين بشريتين متقابلتين ويرددون تسابيح دينية بصوت عال ويدكون الأرض حتى يتصاعد الغبار من وقع أقدامهم .
وعلى خلاف القبائل فإن العرس في منطقة سطيف خاصة في المدن مكلف ويشترط في العريس أن يقدم عدداً كبيراً من الجواهر والحلي الذهبية مختلفة الأشكال والأحجام من الحزام إلى الأقراط مروراً بالخواتم وعقد واحد على الأقل، إضافة إلى ملابس كثيرة من بينها "جبة الفرجاني" المطرزة بالخيوط الذهبية من الفتلة والمجبود وهي أغلى أنواع الملابس في شرق الجزائر، ويبقى أن هناك ملاحظة مهمة تخص أعراس سطيف، فإذا وجدت راية خضراء مرفوعة فوق سطح البيت فاعلم أن الاحتفال ليس زواجاً بل ختان طفل، ففي سطيف تتساوى أعراس الزواج والختان من حيث حجمها وعدد المدعوين إليها .
الظاهرة الأكثر غرابة في أعراس الجزائر نجدها في أقصى جنوب البلاد عند الطوارق وهم قوم ينتمون للبربر يلثم الرجال وجوههم منذ قرون ولا يزالون على عاداتهم، وينتشرون في الجزائر وليبيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا، هنا تختبئ العروس في مكان ما من دار أبيها ويأتي العريس في موكب مع أترابه، ثم يدخل في رحلة بحث شاقة عن عروسه، يدخل الخيم ويقلب كل ما يجده في طريقه وأحياناً يناديها ويستعطفها حتى تعطي إشارة تساعده في العثور عليها .
ربما تستغرق العملية ساعات أو أياماً المهم أنه لن يراها ما لم يجدها بنفسه، وحين يلاقيها يأخذها إلى خيمة خاصة تابعة لعائلتها حيث يبقيان فيها أسبوعاً إلى ثلاثة أسابيع وأحياناً أكثر يصلهما خلالها يومياً ما لذ وطاب من المأكولات، وحين يخرج من الخيمة ويلتقي أصدقاءه يكون تغير ويبدو وكأنه شخص آخر حيث يتخلى عن بعض الأمور التي كان مسموحاً بها للعزاب، أما العروس فتبدأ في تحمل المسؤولية كون المرأة في المجتمع الطرقي هي صاحبة الرأي في الأسرة وهي التي تشحذ حكمتها لتبني تلك الأسرة على طريق الفلاح، وتبقى عروس الطوارق عاماً كاملاً مع زوجها في بيت أبيها قبل أن تنفرد بمنزل لها قرب أهل الزوج . ويقيم الطوارق الأعراس في ساحات تتوسط المساكن والخيم، حيث تغني فرق النساء فيما يقدم الرجال رقصات توارثوها أباً عن جد، ويتبارزون بالسيوف، وينظم الشباب سباقات الجمال بالمناسبة، أما الأكلات التي تقدم فهي مزيج من العجائن والتمور ويحضر الشاي بكثرة، فرجل الطوارق يتناول الشاي أكثر من أي شيء آخر ويشربون عادة ثلاث كؤوس متتالية ومتدرجة من حيث قوتها، أخفها الأول وأقواها الأخير .
أما في منطقة تيميمون الواقعة في الجنوب الغربي للبلاد فيجري العرس في سبعة أيام وسبع ليال يبدأ بيوم "الحنة الصغرى" حيث توضع الحناء للعروس في حفل يضم أفراد أسرتها وأقاربها وجيرانها، وتقوم بوضع الحناء على كفيها أمها أو جدتها . وفي اليوم السابع تلتقي العائلتان وأقاربهما والمدعوون منهما في "الحنة الكبرى" وهذه المرة تقوم أم العريس بوضع الحناء للعروس بعدما ترتدي أجمل ثيابها التقليدية وهي في العادة "الرداء" ويتكون من عباءة حمراء موشومة بالطرز التقليدي ويوضع عليه منديل أصفر أو أبيض يغطي رأس وجسد المرأة، وتزين صدرها ورأسها بحلي من الفضة الخالصة، ومواد تجميل العروس في تيميمون وأدرار وتندوف وغيرها، تتكون من تشكيلة طبيعية وأعشاب مثل الكحل والزعفران الأصفر والأحمر، وبينما تكون النساء منهمكات في تزيين العروس يقوم الرجال بقرع الطبول وتوزيع الشاي والفول السوداني على المدعوين بعد قراءة فاتحة الكتاب الكريم، وتزف الفتاة في اليوم الموالي باللباس الأبيض إلى عريسها ليبدأ الاثنان حياة جديدة .
أعراس العاصمة ليست الأكثر صخباً ولا الأطول مدة لكنها تتميز عن غيرها بعرض فريد من نوعه، حيث ترتدي العروس جميع الملابس والحلي التي أهداها إياها أهل العريس وكذا تلك التي اشتراها لها أهلها، بالتناوب وفي كل مرة تغير تسريحة شعرها بما يناسب اللباس الذي تخرج به أمام المدعوين، وحدث لعروس العام الماضي أن غيرت لباسها عشرين مرة وغيرت تسريحة شعرها عشرين مرة أيضاً في أمسية واحدة، ودام العرض أكثر من سبع ساعات، وتشرف على العروض عادة حلاقة محاطة بصديقات وأخوات العروس، ويسمى عرض الأزياء هذا "التصديرة" وهو أقوى لحظات العرس العاصمي، إذ فيه يظهر للجميع المستوى الاجتماعي للعريس وذوقه، وترتدي العروس في العاصمة "القفطان" و"البدرون" والسروال العريض وهو لباس تنفرد به مدينة الجزائر وعلى رأسها عقد ذهبي يسمى "خيط الروح"، وتشبه أطباق أعراس العاصمة تلك التي تقدم في أعراس القبائل وشرق البلاد خاصة الكسكسي، وأن حضرت عرساً عاصمياً فلن تخرج دون أن تأخذ معك سلة صغيرة تحتوي على قطعة من جميع أنواع الحلويات التي أعدت للعرس، ويحيي الأعراس في عاصمة الجزائر مطربو الفن الشعبي وهو نوع من الغناء مشتق من الفن الأندلسي .