ربما يثير منظر منزل قديم ومهدم الأسى والحزن في نفوسنا، بيد أن هناك من الأطلال ما يقف عند جمالها الرائي مشدوهاً متأملاً جمالها وما تجسده من تاريخ يثير في النفوس الدهشة والإعجاب، ومن أهم الأطلال الباقية في القرن العشرين قصر هتلر في هوليوود حيث سادت قناعة لدى مجموعة نازية تدعى "القمصان الفضية" بأن هتلر كان متيقناً من دحر أعدائه ومن ثم حكم العالم بأسره من قصره الفاخر في هوليوود .
قاد هذه المجموعة ثريان يدعيان "نورمان، ووينونا ستيفنز"، وامرأة من ملاك المناجم تدعى جيسي مورفي، وأنفق ثلاثتهم آنذاك 4 ملايين دولار، ما يعادل 66 مليوناً الآن، في شراء العقار من ممثل الكاوبوي ويل روجرز، وأملت المجموعة في أن يستخدم هتلر العقار كقاعدة لحكمه، فسارعوا إلى تجديده، وحولته إلى مخزن للقنابل يحرسه جنود مدججون بالأسلحة، وشيدوا بجانبه محطة لتوليد الكهرباء بالديزل، كما شيدوا حماماً للسباحة، ومكتبة، وصالة ألعاب .
بيد أن خططهم انهارت بعد بيرل هاربور، عندما اقتحمت المباحث الفيدرالية الأمريكية المبنى وألقت القبض على خمسين عنصراً من المجموعة .
وهجر المبنى الذي يقع في بقعة مهمة في العالم، ليصبح واحداً من أهم الأطلال حيث زينت جدرانه برسومات رائعة، وفي 2012، أعلن عن خطط لهدم المكان وتحويله إلى منتزه .
أما مدينة فوردلانديا فلها قصة أخرى، إذ لم تكن لأحلام هنري فورد حدود، وتشهد له شركة فورد للسيارات التي أحدثت ثورة في الصناعة والنقل في الولايات المتحدة الأمريكية، بيد أنه لم يكتف بذلك، فأراد أن يغير العالم بأسره .
في 1928، شرعت شركته في إنفاق أموال طائلة في تشييد مزارع للمطاط على منطقة منعزلة من غابات الأمازون، وكان لظاهر المشروع دوافع اقتصادية، فاعتماد فورد على مطاط الأنجلو ماليزي كان ضد مبادئه حول التكامل الرأسي، إلا أنه كانت للمشروع في الحقيقة أهداف أسمى، إذ خطط فورد لإنشاء مدينة أمريكية نموذجية، يقطنها العمال البرازيليون، يعودون إليها بعد ساعات عمل شاقة حيث يتوفر لهم فيها الطعام الجيد، وملاعب الجولف، وسبل الترفيه الأخرى، وسميت مدينة فوردلانديا .
أنشئت المدينة على طراز مدينة ديربورن في ولاية ميتشجان، وأُلزم فيها قاطنوها بأعمال البستنة، وحظر عليهم شرب الكحول، أملاً في إعادة صياغة العامل البرازيلي ليكتسي بالصبغة الأمريكية، ومع الأسف، لم تفلح خطط فورد، ليس لسبب إلا لأن البرازيليين كرهوا إجبارهم على ارتداء الملابس الأمريكية، وتناول الطعام الأمريكي، كما أنهم لم يجدوا مبرراً لإجبارهم على العمل في أشد فترات النهار حرارة وليس في فترات المساء الباردة .
اجتاحت الملاريا والحمى الصفراء المدينة، وأقيمت القضبان العازلة، وفشل العمال في التأقلم على العيش في منازلهم الجديدة، وسارعوا إلى هجرها بمجرد تسلم مستحقاتهم المالية، وفي 1945، باع فورد المكان الذي استثمر فيه 20 مليون دولار، إلى الحكومة البرازيلية بأقل من 250 ألف دولار . وما تزال المدينة شبحاً قابعاً وسط الأدغال .
يضم ساحل باربادوس الشهير، غربي نورث أتلانتيك، واحداً من أغلى العقارات في العالم، تحيط به الفنادق، والفيلات، واتحاد تأجير الزلاجات المائية . أقامت الحكومتان الأمريكية والكندية مشروع HARP هدفا به إلى بناء مدفع ضخم له القدرة على إطلاق المقذوفات في الفضاء، بقيادة مهندس كندي الأصل يدعى دكتور جيرالد بول، عرف عنه هوسه بتصنيع المدافع الضخمة .
كان إطلاق المدفع يحدث هزة عنيفة في الساحل الجنوبي للجزيرة، مسبباً تلفيات أجبر المسؤولون عنه على إصلاحها . وتقلص الدعم المالي للمشروع في 1968 بعدما أدركت الولايات المتحدة أن هناك وسائل أسهل لإطلاق المقذوفات في الفضاء، كما لم توافق حكومة باربادوس على تجديد إيجار المكان بعد اكتشاف تورط بول في تزويد جنوب أفريقيا العنصرية بالأسلحة، وهجر المكان وأهمل المدفع العملاق وطاله الصدأ والتآكل، ولم يتبق منه إلا الأجزاء الحديدية القابعة هناك تطل على مياه الكاريبي . وقيل إن دكتور بيل تعرض للاغتيال في ظروف غامضة في 1990، أثناء بنائه مدفعاً ضخماً في العراق .
منطقة في العاصمة الفرنسية باريس يطلق عليها جوسانفي فيوبايز تقطنها 144 عائلة هي بالنسبة إليهم أجمل مكان على الأرض، بيد أن البقعة الجميلة فقد رونقها وبريقها وطابعها الريفي الهادئ، في صيف 1973، عندما سقط النموذج التجريبي لطائرة الركاب النفاثة السوفييتية، وزلزل سقوطها أرجاء المكان ما أدى إلى تدمير 15 منزلاً ومقتل ثمانية من السكان، كما مات طاقمها المكون من ستة أفراد .
بعد مرور عام من الحادث، افتتح مطار شارل ديجول الدولي في باريس، ويعد واحداً من أكبر المطارات في العالم، على مقربة من مكان الحادث، وسيرت ممراته الجوية فوق جوسانفي فيو بايز، لتنغص الطائرات حياة السكان بسبب ضجيجها المزعج ليل نهار، وتذهب النوم من أعينهم .
كانت فوزروزهدينيا جزيرة صغيرة في بحر الآرال في 1948، تنعم بالهدوء، إلى أن أقامت عليها الحكومة السوفيتية مركزاً للأبحاث، اكتشف فيما بعد أنه المختبر الروسي للحرب البيولوجية، ولأربعين عاماً، أجرى العلماء السوفييت الاختبارات على أسلحة بيولوجية فتاكة بإطلاقها في سماء المنطقة، فتركت آثارها المدمرة على المواشي، وشملت المواد التي أطلقت الجمرة الخبيثة والجدري وحمى الأرانب، والطاعون الدملي، والتي أعيد هندستها جينياً لتصبح أكثر فتكاً .
وفي 1971، تسرب الجدري من المختبرات وأودى بحياة عشرة أشخاص، وفي 1988، قامت الحكومة السوفيتية بنقل مخزون الجمرة الخبيثة إلى الجزيرة، وصبت عليه مبيضات ثم دفنته تحت الأرض، مسبباً تسمم التربة، وهجرت المختبرات بعد ذلك .
وازداد الأمر سوءاً في الستينات عندما تحولت مسارات الأنهار التي كانت تغذي الجزيرة لتزويد مشروعات أخرى بالمياه، فتقلصت مساحة بحر الآرال بوتيرة متسارعة، وفي 2007، انكمش البحر ليصبح عُشر مساحته الأساسية، بعد أن كان واحداً من أكبر الشرايين المائية في العالم، ليمهد بذلك لكارثة بيئية مدمرة في تاريخ البشرية، وعندما انكمش البحر، تمددت الجزيرة، وبذا لم تعد جزيرة من الناحية الفنية، بعد اتصالها باليابسة منذ 2001، لتشكل ممراً لمنطقة وصفها الخبراء بالقنبلة الموقوتة في وسط آسيا .
في 1989 ضرب إعصار مدمر جزيرة مونتسيرات الهادئة في البحر الكاريبي، ما أدى إلى تدمير أكثر من 90 في المئة من بنيتها واقتصادها، فقرر سكان الجزيرة مواجهة الأمر وعدم الخضوع أو اليأس، فتكاتفوا لإصلاح ما لحق بموطنهم من ضرر، ونجحوا في إعادة إعماره، بيد أنه بعد مرور ست سنوات ثار فجأة بركان ظل خامداً لفترة طويلة، تسبب في إجلاء سكان الجزيرة في يوليو/ تموز 1995 كإجراء احتياطي، لكن سمح لعدد صغير من السكان بالعودة بعد عام .
في 25 يونيو/ حزيران 1997، ثار بركان ضخم طمر البلدة بأكملها تحت حممه . وبعد 15 عاماً، ما تزال الجزيرة مدفونة تحت الأرض .
انتعش الاقتصاد التايلاندي في التسعينات، واستثمر الأثرياء أموالهم في إقامة ناطحات السحاب لتجسد الطفرة التي شهدتها البلاد، بيد أنه سرعان ما تحول الأمر إلى كارثة، بعد أن ثبت أن هذه البنايات الشاهقة شيدت على أرض متصدعة، وفي 1997، عصفت الأزمة الآسيوية باقتصاد تايلاند، عانت إثرها كوارث مدمرة، وتقلص تمويل مشروعات التعمير، وقل الإقبال عليها، ومن بين أشد الخسائر "برج ساذورن يونيك، الذي ضم شققاً سكنية فاخرة" .
وعندما انهارت العملة التايلاندية، توقفت المشروعات الإعمارية، ومنذ 2013، أهمل المبنى المكون من 49 طابقاً والقابع وسط العاصمة بانكوك، ويقال إنه ليس مستقراً، كما أن الثقوب في أرضياته تثير رعب الزوار وتهدد حياتهم، وتحتل الشقق السكنية الخاوية والبالغ عددها 649 شقة تماثيل عرض الأزياء .
بارون السكر الفلبيني دون ماريانو لاكسون تعرض في 1920 لصدمة عنيفة عندما ماتت زوجته البرتغالية عند ولادتها الطفل الحادي عشر . قرر لاكسون أن يشيد منزلاً جديداً تخليداً لذكرى زوجته، صممه على الطراز الايطالي وأنفق فيه مالديه من أموال، واشتهر بأنه أحد أجمل المنازل في البلاد .
ونحت على أعمدته الحرف الأول من اسم الزوجة الراحلة، وبعد سنوات، اندلعت الحرب العالمية الثانية، واحتلت القوات اليابانية الفلبين، وعلم لاكسون بنية اليابانيين الاستيلاء على منزله فعزم ألا يتركه لهم فاتصل بحركة مقاومة نشأت حديثاً في المنطقة، وطلب منهم حرق المنزل، وقيل إنه استغرق ثلاثة أيام ليتحول بالكامل إلى تراب .
الطيور قادت البشر إلى جزيرة كليبرتون
إحدى الجزر الاستوائية المرجانية الصغيرة شرق المحيط الهادي، غرب المكسيك . كانت الجزيرة خاوية على مر التاريخ، بيد أنه في فترة وجيزة في القرن العشرين، انتقل للعيش فيها كثير من الناس، ولقوا ما لقوا هناك بسبب براز أحد الطيور، إذ تراكمت فضلاته عبر سنوات فكونت كتلاً هائلة من الرواسب، وبحلول القرن التاسع عشر، تهافت عليها الكثيرون بعد أن ثبت فاعليتها كنوع جيد من السماد، وباتت الجزيرة التي لم يكن يعرفها أحد من قبل، محل نزاع بين فرنسا والمكسيك، ونشب بينهما صراع تغلبت فيه المكسيك، فتمركزت حامية صغيرة هناك تحت إمرة الكابتن رامون آرناود، الذي استاء بسبب بعد المكان، لكن تغيرت أفكاره بعد إقناعه بأنه اختير دون غيره من قبل رئيس المكسيك لحماية المكان .
وفي 1910، ترأس آرناود كتيبة من الجنود والعمال فاق عددهم المئة . وحدثت الكارثة، إذ اندلعت الثورة المكسيكية، واجتاح العنف البلاد، وأهملت تماماً المستعمرة الصغيرة التي شكلها آرناود، وتوقفت سفن الإمداد التي كانت تزود سكانها بالطعام والدواء، وحدث ذات مرة أن مرت سفينة أمريكية بجوار الجزيرة، وعرضت على السكان إجلاءهم، لكن رفض آرناود بشدة إيماناً منه بأنه مرسل من قبل رئيس البلاد لحماية حدودها، ولحراسة ثروتها من السماد المتراكم هناك، وظناً منه بأن المدد آتٍ .
في 1915، أودى سوء التغذية ومرض الإسقربوط بحياة الكثيرين، ورحل آرناود على متن مركب صغير برفقة ثلاثة من رجاله بحثاً عن سفينة كبيرة في مياه المحيط، ولما أصابهم اليأس قرروا العودة إلى الجزيرة، لكن غرقوا قبل الوصول إليها . وفي 1917، لم يتبق على قيد الحياة من سكان الجزيرة سوى رجل واحد و15 امرأة وطفلاً، وأطلق الرجل الذي كان حارساً للفنارة، على نفسه لقب ملك الجزيرة، وبدأ حملة مرعبة ضد النسوة الباقيات عليها، وانتهى استبداد الرجل عندما تمكنت منه امرأتان، وطعنتاه وضربتاه بمطرقة حتى الموت، وقيل إن إحداهما كانت أرملة آرناود، وبعد سويعات، حطت سفينة أمريكية على الجزيرة وأنقذت من تبقى من سكانها على قيد الحياة، وهجرت المستعمرة وتركت أطلالاً إلى يومنا هذا .