إعداد: محمد هاني عطوي
كتب الفيزيائي الفرنسي إتيان كلاين، أستاذ فيزياء الجسيمات، وفيزياء الكم، وفلسفة العلوم، أن أبا النظرية النسبية ألبرت أينشتاين، صورة عملاقة، وصخرة متينة، وأسطورة متجذرة على مدى التاريخ، والحديث عن أينشتاين لا يكون متيناً، إلا إذا صدر عن أناس جديرين وحائزين جوائز نوبل في الفيزياء، وأساتذة أمثال كلود تانوجي وسيرج هاروش، من كلية «دو فرانس». ويعتقد هذان الباحثان أننا جميعاً مدينون لعبقرية هذا الرجل في مجالات عدة: الليزر، نظام تحديد المواقع «جي بي إس»، الألياف البصرية، الساعة الذرية، التصوير بالرنين المغناطيسي، وحتى الهاتف الذكي، فبعد مرور قرن على المفاهيم التي طرحها أينشتاين، ظهرت تطبيقات جديدة، في الوقت الذي تحققت فيه توقعاته واحداً تلو الآخر، كما حدث في بداية هذا العام، حيث تمكن الباحثون من رصد موجات الجاذبية، أو كما حدث في العام 2004، عندما قدم قمر صناعي أمريكي الدليل على انحناء الزمكان، كما تصوره أينشتاين قبل مئة سنة، ومن خلال إثباته أن مرور الزمن ليس سوى وهم، استطاع أينشتاين ألا يحدث ثورة فقط في العلم، بل أثر أيضاً في أعمال فلاسفة كبار أمثال هنري برغسون ومارسيل بروست، وإذا كان حلمه بوجود نظرية لكل شيء قادرة في الوقت نفسه، على وصف الكبير اللانهائي، والصغير اللا متناهي في الصغر لم يتحقق بعد، إلا أن نظريته النسبية العامة، ونظرية الزمكان قلبتا فهمنا للكون بشكل جذري.
في عددها الخاص الذي صدر في ديسمبر/‏‏‏‏ كانون الأول عام 1999، تحت عنوان «أينشتاين، شخصية القرن»، قدمت مجلة تايم الأسبوعية الأمريكية الرجل، على أنه «المهاجر الذي فر من الاضطهاد، والسياسي المثالي»، لكنه يبقى عبقري الفيزياء الخالد، لأنه بكل بساطة لم يتخل عن المسائل التي آمن بها، سواء في العلم أم في السياسة.
ففي سن المراهقة وبالتحديد في يونيو/‏‏‏‏ حزيران 1895، أي في سن ال 16 عاماً، وعندما ترك مدرسته الثانوية في ميونيخ، أرسل إلى عمه قيصر كوخ، خمس صفحات مقتضبة بعنوان «عن الوضع الراهن للأبحاث المتعلقة بالأثير، ودوره في الحقول المغناطيسية»، وذكر له المسائل والموضوعات البحثية التي سيعالجها خلال حياته، وكلها كانت على ما يبدو تدور حول انتشار الضوء في الفضاء، ومنذ نعومة أظفاره، كان أينشتاين يسأل نفسه: ماذا سيحدث لو انبعث ضوء من الضوء؟ وما سرعة الموجة المنبعثة؟ وهل يمكن للضوء أن يتحرك أسرع من الضوء المنبعث ؟ وهل يمكن لضوء ما أن يتحرك بأسرع من الضوء؟ وماذا يمكن أن يحدث لو أن الضوء المنبعث انبعث منه ضوء أيضاً ؟ أفلا يمكن للمرء في هذه الحالة أن يبني سلماً حركياً إلى ما لا نهاية؟
أسئلة غريبة تنبع من روح شابة كبيرة وعلى معرفة جيدة جداً بالطريقة التي ينظر بها الفيزيائيون إلى الضوء، لكن بعد عشر سنوات، وفي برن، استطاع أينشتاين أن يقدم إجابة عن الأسئلة التي طرحها في مراهقته، وعن أعماله المستقبلية.
والحقيقة أن جوابه كان ذائع الصيت وتمثل في النظرية النسبية الخاصة، التي تنص على أن سرعة الضوء هي نفسها في جميع الأطر المرجعية، وبالتالي فهي الشيء ذاته، بالنسبة لجميع المراقبين، بغض النظر عن سرعتهم وسرعة مصدر الانبعاث، كانت فرضية أينشتاين ثورية، لأنها طرحت أرضاً وبشكل صريح، المفهوم السابق لحيز الفضاء، والزمن الفيزيائي الذي وضعه إسحاق نيوتن.
وبعد عامين، وبينما كان أينشتاين لايزال في برن، خطرت بباله الفكرة التي كانت حجر الزاوية في نظريته النسبية العامة، ويروي هو ذلك بالقول: «كنت جالساً على مقعدي في المكتب الفيدرالي ببرن، وأدركت فجأة، أنه إذا كان شخص يسقط سقوطاً حراً، فإنه لن يشعر بوزنه، وعندما فكرت في ذلك اقشعر بدني، وترك هذا الأمر لدي انطباعاً جياشاً ودفعني إلى صياغة نظرية جديدة عن الجاذبية».
وما فهمه أينشتاين هو أنه عندما يسقط أحدنا سقوطاً حراً، فإن كل ما هو قريب منه «مظلة.. قبعة»، يسقط مثلنا، لأن سرعة سقوط الأجسام هي نفسها لجميع الأجسام، ولذلك يتكون لدينا انطباع بأن الجاذبية قد اختفت بجوارنا، رغم أننا خاضعون لقانونها. بعد هذه الإثارة التي عاشها أينشتاين، افترض أن هناك نوعاً من الهوية النموذجية بين التسارع (العجلة) والجاذبية: فإذا تمكنت العجلة من إلغاء حقل الجاذبية الحقيقي، فإنها يمكن أن تكون قادرة على توليد مظهر لحقل غير موجود بالفعل، ونتيجة «لمبدأ التكافؤ» هذا، لو أن شخصاً كان في مصعد بلا نوافذ، فإنه لن يتمكن من أن يقول ما إذا كان المصعد في حالة سكون وخاضع لحقل الجاذبية أو إن كان خارج أي مجال للجاذبية، لأنه يخضع لتسارع ثابت، وبالتالي، فإن التعبير عن القوانين الفيزيائية، ينبغي أن يكون متشابهاً في كلتا الحالتين.

ثغرة ثانية

في مدينة براغ وبعد أربع سنوات «1911» من صياغة قانونه الأول، حقق أينشتاين ثغرة ثانية مهمة من خلال فهمه أن مبدأ التكافؤ يعني أن الضوء رغم من أنه عديم الكتلة، لا يسير في خط مستقيم في مجال الجاذبية. هذه الفكرة التي ولدت في دماغ أينشتاين، كانت قادرة في نهاية المطاف، على قلب بنية الكون في عقول علماء الفيزياء، ففي العام 1913، وحين عودته إلى زيوريخ، درس أينشتاين بمساعدة مارسيل جروسمان، هندسة الفضاءات المنحنية التي وضعها وطورها برنارد ريمان، علماً أن هذا الأخير لم يتخيل سوى انحناء الفضاء فقط، لكن أينشتاين وصديقه عمما أعماله إلى انحناء الزمكان بأكمله.
ومنذ العام 1914، واصل أينشتاين العمل على حل هذه المسألة في برلين، إلى أن عثر في النهاية على المعادلات الصحيحة في نهاية العام 1915، وخلال الكلمة التي ألقاها يوم 25 نوفمبر/‏‏‏‏ تشرين الثاني، أعلن أن انحناء الضوء أثناء مروره بالقرب من الشمس، ينبغي أن يكون مساوياً ل 1.75 ثانية قوسية. وبعد انتهاء الحرب العالمية، نظم آرثرأدنجتون، مدير مرصد كامبردج حملتين لمراقبة الكسوف «29 مايو 1919»، وذهب بنفسه لرصده مع الفريق الأول، في جزيرة صغيرة تقع في جنوب المحيط الأطلسي، في حين جهز الفريق الثاني آلاته في مدينة برازيلية، وعلى الرغم من رداءة الطقس نوعاً ما، وتوافر لوحات للصور الفوتوغرافية ذات نوعية رديئة أيضاً، أكدت القياسات حسابات أينشتاين، ما جعل من أينشتاين نجماً عالمياً.
وفي العام 1916، وقع أينشتاين طريح الفراش، بعد أن أنهكته سنوات من العمل المكثف، وبدأ يتساءل، عما إذا كان بإمكان كتلة تتحرك بحركة متسارعة، أن تشع «موجات جذبوية» بنفس الطريقة التي تشع فيها شحنة كهربائية موجات كهرومغناطيسية، عندما نسرع حركتها؟ وسرعان ما اكتشف أينشتاين حلولاً لمعادلاته الممثلة لتموجات الزمكان التي تنتشر بسرعة الضوء، فهذه التموجات خلال رحلتها، ينبغي أن تهز الزمكان، ما سيؤدي إلى تغيير لحظي للمسافة بين نقطتين في الفضاء.

حقيقة الثقوب السوداء

الواقع أنه من الناحية الرياضية الصرفة، استطاعت معادلات أينشتاين من خلال الآثار المترتبة عليها، الكشف عن عناصر جديدة حقيقية، فقدمت بالفعل من خلال التنبؤ، الدليل على وجود الفوتونات، والجسيمات المضادة، والكواركات، وفي العام 2012، على وجود جسيم يسمى بوزون هيغز، وربما تظهر لنا هنا سخرية التاريخ، لأن أينشتاين لم يؤمن يوماً بوجود الثقوب السوداء، فهذه الثقوب ومن خلال ذلك الاندماج بينها، مكنتنا من الكشف عن موجات الجاذبية التي تنبأ بها أينشتاين، لقد كان ذلك الاكتشاف المزدوج الدليل على حقيقة موجات الجاذبية، التي أكدت بدورها وجود الثقوب السوداء «التي لا تزال محل جدل من قبل البعض»، وكذلك على إمكانية الالتحام فيما بينها، لقد جاء الإعلان عن اكتشاف هذه الموجات في 11 فبراير/شباط الماضي في الوقت المناسب للاحتفال بالذكرى المئوية لبناء فكري استثنائي، جاء نتيجة لفكرة بسيطة و«سعيدة»، تفجرت ذات يوم مثل فقاعة في دماغ عبقري اسمه أينشتاين.

مفهوم مزدوج

الثورة التي أحدثها أينشتاين في الفيزياء، تركزت على طبيعة الضوء، وهي مشكلة اعترضت نيوتن وهيغنز في القرن السابع عشر، فقد نظر نيوتن إلى الضوء على أنه ذا طبيعة جسيمية، في حين نظر إليه هيغنز على أنه ذا طبيعة موجية، ولحل هذه المشكلة، وضع أينشتاين مفهوماً مزدوجاً للضوء، وفق فيه بين نيوتن وهيغنز، بطريقة أدهشته، هو نفسه حين، قال إن الضوء عبارة عن موجة وجسيم معاً، والحقيقة أن الدفع نحو ازدواجية الموجة/‏ الجسيم، يعني الاعتقاد بمبدأ «تراكب الحالات» الذي يقول «إنه إذا وجدت ذرة أو جسيم مرتبطة مع موجة، فإن هذه الموجة ستضل موضعها الصحيح، ولذلك يمكن أن توجد في نقاط مختلفة في وقت واحد». ويقول سيرج هاروش الحائز جائزة نوبل للفيزياء، وأستاذ كرسي فيزياء الكم في كلية فرنسا: هذا المبدأ هو واحد من أسس فيزياء الكم، وقد استطاع أينشتاين إدراك نتائجه بشكل جيد، وحتى الآن، أكدت جميع التجارب أن العالم يخضع لقوانين الاحتمالية في فيزياء الكم.