سورة بأسرار خافية... تحمل أفكارا سامية... كيف لا وهي تبدأ بحمد الله ذي النعم الوافية؟ تحمل بين جنباتها روحا ساكنة... روحاً تهبط على القلوب الواهية.. تمنحها الأمن والأمان وتحيطها بدفء يجلو ما علق بها من صدأ الدنيا الفانية..

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7).

يردد المسلم هذه السورة ذات الآيات السبع، حوالي سبع عشرة مرة خلال ليله ونهاره، وإذا أضيفت لها السنن تصبح أضعاف ذلك، وأضعاف أضعاف ذلك إذا ما أراد العبد أن يقف بين يدي ربه متنفلاً، فمن دون الفاتحة لا تصح صلاة وذلك في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل صلاة لم يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج) أي أن أي صلاة بدونها غير كاملة. وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد بن المعلّي: (لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن: الحمد لله رب العالمين وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته).

في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة، وحكمة بطلان كل صلاة لا تذكر فيها.. أمر الله جل وعلا عبادهُ بتلاوتها في كُل صلاة فرضاً ونفلا حتى صلاة الجنازة على قلّةِ أركانها وهذا يدلُ على عظيم شأنها وأهميتها وعلو مقامها.

سبب التسمية

سميت سورة الفاتحة الفاتحة لأنها تفتح القرآن، وما أجمل أن تفتح القرآن على سورة تمتلئ حروفها بأسمى المعاني وأدقها، حيث إنها تشمل جميع معاني القرآن ومقاصده فتتحدث عن العقيدة، والعبادة والرحمة والاستعانة والاعتقاد باليوم الآخر والإيمان بالله تبارك وتعالى وصفاته، وهي تفرد الله عز وجل بالعبادة والدعاء وطلب الهداية إلى الطريق المستقيم.

ومن عجائب سورة الفاتحة أنها مدرسة من نوع آخر ليست ككل المدارس، تعلمنا كيف نتعامل مع الله تعالى فأولها ثناء عليه (الحمد لله رب العالمين) وآخرها دعاء لله بالهداية (اهدنا الصراط المستقيم)، وبين الحمد والهداية رحلة محفوفة بالرحمة والمغفرة والتمجيد، وذلك كما ورد في حديث عن فضل سورة الفاتحة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن رب العزة: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).

وجاء في تفسير (إياك نعبد وإياك نستعين) في كتاب صفوة التفاسير: وردت الصيغ بلفظ الجمع (نعبد ونستعين) ولم يقل (إياك أعبد وإياك استعين) بصيغة المفرد.. وذلك للاعتراف بقصور العبد عن الوقوف في باب ملك الملوك فكأنه يقول: أنا يا رب العبد الذليل لا يليق بي أن أقف في مناجاتك بمفردي بل أنضم إلى سائر المؤمنين الموحدين فتقبل دعائي في زمرتهم فنحن جميعا نعبدك ونستعين بك. وجاء أيضاً: نسبت النعمة إلى الله عز وجل (أنعمت عليهم) ولم ينسب إليه الإضلال والغضب فلم يقل: غضبت عليهم أو الذين أضللتهم، وذلك لتعليم العباد الأدب مع الله تعالى.. فالشر لا ينسب إلى الله تعالى أدباً وإن كان منه تقديراً (والخير كله بيدك والشر لا ينسب إليك).

وتأكيداً على فضل هذه السورة العظيمة فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ويشير إلى ذلك هذا الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال فيه: ما أُنْزِلت في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها. وإنها سبع من المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيته. وحيث إن القرآن الكريم معجزة محمد صلى الله عليه وسلم، فأسراره لا تنتهي، ويبقى نبعاً فياضاً بالأسرار والمعجزات، وما أوردناه من فضل هذه السورة العظيمة، قد لا يكون إلا نقطة في بحر، ونحن نتضرع إلى الله سبحان وتعالى أن يسهل لنا تلاوة القرآن الكريم واستنباط ما فيه من معان وأحكام تكون لنا نورا يضيء دربنا في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

فضل السورة

تُسَمَّى أُمُّ الكِتَابِ لأنهَا جَمَعَتْ مَقَاصِدَهُ الأَسَاسِيَّةَ وَتُسَمَّى أَيْضَاً السَّبْعُ المَثَانِي، وَالشَّافِيَةُ، وَالوَافِيَةُ، وَالكَافِيَةُ، وَالأَسَاسُ، وَالحَمْدُ.

ويَدُورُ مِحْوَرُ السُّورَةِ حَوْلَ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَالعَقِيدَةِ، وَالعِبَادَةِ، وَالتَّشْرِيعِ، وَالاعْتِقَادِ باليَوْمِ الآخِرِ، وَالإِيمَانِ بِصِفَاتِ الَّلهِ الحُسْنَى، وَإِفْرَادِهِ بالعِبَادَةِ وَالاسْتِعَانَةِ وَالدُّعَاءِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلاَ بطَلَبِ الهداية إلى الدِّينِ الحَقِّ وَالصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ بالتَّثْبِيتِ عَلَى الإِيمَانِ وَنَهْجِ سَبِيلِ الصَّالِحِينَ، وَتَجَنُّبِ طَرِيقِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَالإِخْبَارِ عَنْ قِصَصِ الأُمَمِ السَّابِقِينَ، وَالاطَّلاَعِ عَلَى مَعَارِجِ السُّعَدَاءِ وَمَنَازِلِ الأَشْقِيَاءِ، وَالتَّعَبُّدِ بأَمْرِ الَّلهِ سُبْحَانَهُ وَنَهْيِهِ.

وقيل للسورة إنها مثاني لأنّها تُثنّى في كلّ صلاة، وقيل: لأنّ فيها الثناء مرّتين، وهو الرحمن الرحيم، أو لأنّها مقسومة بين الله وعبده قسمين اثنين، وقيل إنّ المثاني جمع المَثنية، من الثني بمعنى اللَّي والعطف والإعادة، وسُمّيت الآيات القرآنية مثاني لأنّ بعضها يوضّح حال البعض، ويلوي وينعطف عليه، كما يُشعر به قوله تعالى كتاباً متشابِهاً مثاني. وقال النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم في صفة القرآن: (يُصدِّق بعضُه بعضاً). وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيه: ينطق بعضُه ببعض، ويشهد بعضُه على بعض.

أسباب النزول

عن أبي ميسرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا برز سمع مناديا يناديه: يا محمد فإذا سمع الصوت انطلق هاربا فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك قال: فلما برز سمع النداء يا محمد فقال: لبيك قال: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ثم قال قل: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين حتى فرغ من فاتحة الكتاب.

عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا في مسير لنا، فنزلنا فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم وإن نفرنا غيب فهل منكم راق؟

فقام معها رجل ما كنا نأبه برقيه فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة وسقانا لبناً. فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي؟ فقال: لا ما رقيت إلا بأم الكتاب قلنا: لا تحدثوا شيئاً حتى نأتي ونسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: اوما كان يدريه أنها رقية اقسموا واضربوا لي بسهم (البخاري).

وروى مسلم عن ابن عباس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبرائيل، إذ سمع نقيضاً فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لم تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته.

الملك والمالك

في تفسير القرطبي (اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء أَيّمَا أَبْلَغُ: مَلِك أَوْ مَالِك ؟ وَالْقِرَاءَتَانِ مَرْوِيَّتَانِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر. ذَكَرَهُمَا التِّرْمِذِيّ ; فَقِيلَ: مَلِك أَعَمّ وَأَبْلَغ مِنْ مَالِك إِذْ كُلّ مَلِك مَالِك، وَلَيْسَ كُلّ مَالِك مَلِكاً وَلِأَنَّ الْمِلْك نَافِذ عَلَى الْمَالِك فِي مُلْكه، حَتَّى لا يَتَصَرَّف إِلَّا عَنْ تَدْبِير الْمَلِك، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْمُبَرِّد. وَقِيلَ: مَالِك أَبْلَغ لِأَنَّهُ يَكُون مَالِكاً لِلنَّاسِ وَغَيْرهمْ ; فَالْمَالِك أَبْلَغ تَصَرُّفاً وَأَعْظَم إِذْ إِلَيْهِ إِجْرَاء قَوَانِين الشَّرْع، ثُمَّ عِنْده زِيَادَة التَّمَلُّك.

وَقَالَ أَبُو حَاتِم: إِنَّ مَالِكاً أَبْلَغَ فِي مَدْح الْخَالِق مِنْ مَلِك، ومَلِك أَبْلَغ فِي مَدْح الْمَخْلُوقِينَ مِنْ مَالِك وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الْمَالِك مِنْ الْمَخْلُوقِينَ قَدْ يَكُون غَيْر مَلِك وَإِذَا كَانَ اللَّه تَعَالَى مَالِكاً كَانَ مَلِكاً.

رَوَى الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَقْبِض اللَّه الْأَرْض يَوْم الْقِيَامَة وَيَطْوِي السَّمَاء بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُول أَنَا الْمَلِك أَيْنَ مُلُوك الْأَرْض).

اهدنا الصراط المستقيم

قال الطبري في تفسير مَعْنَى قَوْله: اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم: وَفِّقْنَا لِلثَّبَاتِ عَلَيْهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ جِبْرِيل لِمُحَمَّدٍ: وَقُلْ يَا مُحَمَّد اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم.

يَقُول: أَلْهِمْنَا الطَّرِيقَ الْهَادِيَ. وَإِلْهَامُهُ إِيَّاهُ ذَلِكَ هُوَ تَوْفِيقه لَهُ كَاَلَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيله. وَمَعْنَاهُ نَظِير مَعْنَى قَوْله: إِيَّاكَ نَسْتَعِين فِي أَنَّهُ مَسْأَلَة الْعَبْد رَبّه التَّوْفِيق لِلثَّبَاتِ عَلَى الْعَمَل بِطَاعَتِهِ، وَإِصَابَة الْحَقّ وَالصَّوَاب فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ فِيمَا يَسْتَقْبِل مِنْ عُمُرِهِ دُون مَا قَدْ مَضَى مِنْ أَعْمَاله وَتَقَضَّى فِيمَا سَلَف مِنْ عُمُرِهِ.

كَمَا فِي قَوْله: إِيَّاكَ نَسْتَعِين: اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُد وَحْدك لا شَرِيك لَك، مُخْلِصِينَ لَك الْعِبَادَة دُون مَا سِوَاك مِنْ الْآلِهَة وَالْأَوْثَان، فَأَعِنَّا عَلَى عِبَادَتك، وَوُفِّقْنَا لِمَا وَفَّقْت لَهُ مَنْ أَنْعَمْت عَلَيْهِ مِنْ أَنْبِيَائِك وَأَهْل طَاعَتك مِنْ السَّبِيل وَالْمِنْهَاج، وعَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ضَرَبَ اللَّه مَثَلاً صِرَاطاً مُسْتَقِيماً. وَالصِّرَاط هو الْإِسْلام. فعن نَوَّاس بْن سِمْعَان الْأَنْصَارِيّ وَإِنَّمَا وَصَفَهُ اللَّه بِالِاسْتِقَامَةِ، لِأَنَّهُ صَوَاب لا خَطَأ فِيهِ.

إنها أعظم سور القرآن، صح بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري، وهي أم الكتاب لأنها أوله، ومتضمنة لجميع علومه، وهي كذلك القرآن العظيم لتضمنها جميع علوم القرآن، وذلك لأنها تشتمل على الثناء لله عز وجل، وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص فيها والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته سبحانه، وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم وكفاية أحوال الناكثين.. والقرآن لا يخرج عن هذه المقاصد.