نزلت هذه الآية في أبي سفيان صخر بن حرب، بعدما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته أم حبيبة، والآية استئناف متصل بما قبلها من أول السورة، حيث خوطب به المؤمنون تسلية لهم على ما نهوا عنه من مواصلة أقربائهم، بأن يرجوا من الله أن يجعل قطيعتهم آيلة إلى مودة بأن يسلم المشركون من قرابة المؤمنين، وقد حقق الله، عز وجل، ذلك يوم فتح مكة بإسلام أبي سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام.
قال ابن عباس رضي الله عنه: كان من هذه المودة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، تزوجها بعد وفاة زوجها عبيد الله بن جحش بأرض الحبشة بعد أن تنصر ، وثبتت هي على الإسلام، فلما تزوجها النبي، صلى الله عليه وسلم، لانت عريكة أبي سفيان، وكانت رملة بنت أبي سفيان أسلمت قديما، ولما اشتد الأذى على المسلمين من المشركين في مكة، وأذن النبي عليه الصلاة والسلام للمسلمين المستضعفين بالهجرة فرارا بدينهم إلى الحبشة، هاجرت أم حبيبة مع زوجها عبيد الله مع من هاجر من الصحابة إلى الحبشة، وتحملت هذه الزوجة الكثير مما تحمله الصحابة من أجل إسلامهم.
محنة عظيمة
حينما استقرت أم حبيبة في الحبشة آمنة مطمئنة، فاجأتها محنة شديدة وعصيبة، حيث ارتد زوجها عن الإسلام، وتنصر بعد أن هداه الله للإسلام، وكانت هذه المحنة منكرة، فالناس يدخلون في دين الله أفواجا، والنجاشي أعلن إسلامه، وأسلم كبار البطارقة، وهذا زوجها تنصر، وشرب الخمر وعاقرها حتى مات من شرب الخمر.
تزوج النبي، صلى الله عليه وسلم، أم حبيبة خلال مدة وجودها بالحبشة، وليس في أزواجه من هي أكثر صداقا منها، ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها، وثبتت أم حبيبة بنت أبي سفيان، رضي الله عنها على الإسلام، رغم كفر أبيها، وتنصر زوجها، ورأت في منامها كأن آتيا يقول: يا أم المؤمنين، قالت: ففزعت فأولتها أن رسول الله يتزوجني، فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن، فإذا جارية له يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه، فدخلت عليّ، فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله كتب إليّ أن أزوجكه.. فقالت: بشرك الله بخير.. قالت: يقول لك الملك وكلي من يزوجك.. فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص، فوكلته وأعطت أبرهة سوارين من فضة وخدمتين كانتا في رجليها، وخواتم فضة كانت في أصابع رجليها؛ سرورا بما بشرتها به فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا، فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم؛ أما بعد: فإن رسول الله كتب إليّ أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ، وقد أصدقتها أربعمئة دينار.. ثم سكب الدنانير بين يدي القوم.
فتكلم خالد بن سعيد، فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستنصره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، أما بعد، فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله للرسول ، ودفعت الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا؛ فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام وأكلوا، ثم تفرقوا.
لفتة ملكية
قالت أم حبيبة: لما وصل إليّ المال أرسلت إلى أبرهة التي بشرتني، فقلت لها: إني كنت أعطيتك ما أعطيتك يومئذ ولا مال بيدي، فهذه خمسون مثقالا، فخذيها فاستعيني بها، فأبت وأخرجت حقا فيه كل ما كنت أعطيتها فردته عليّ، وقالت: عزم عليّ الملك ألا أرزأك شيئا، وأنا التي أقوم على ثيابه ودهنه، وقد اتبعت دين محمد رسول الله، وأسلمت لله، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر، قالت: فلما كان الغد جاءتني بعود، وورس، وعنبر وزباد كثير، فقدمت بذلك كله على رسول الله، فكان يراه عليّ وعندي فلا ينكره، ثم قالت أبرهة: فحاجتي إليك أن تقرئي على رسول الله مني السلام، وتعلميه أني قد اتبعت دينه. قالت: ثم لطفت بي وكانت التي جهزتني، وكانت كلما دخلت عليّ تقول: لا تنسي حاجتي إليك، قالت: فلما قدمت على رسول الله أخبرته كيف كانت الخطبة، وما فعلت بي أبرهة، فتبسم، وأقرأته منها السلام، فقال: «وعليها السلام ورحمة الله وبركاته».
تزوج النبي السيدة أم حبيبة في العام السابع من الهجرة النبوية المشرفة، وكان زواجه منها تكريما لها على ثباتها على دين الله، ولما بلغ أبا سفيان والدها، وكان مشركا، أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ابنته، قال: «هو الفحل لا يجدع أنفه»، أي أنه الكفء الكريم الذي لا يعاب ولا يرد.
وبعد زواجها من رسول الله، صلى الله عليه وسلم ،ظلت مخلصة له ولدينه ولبيته؛ فيروى أن أبا سفيان بن حرب والد السيدة أم حبيبة جاء من مكة إلى المدينة طالبا أن يمد النبي ،صلى الله عليه وسلم، هدنة الحرب التي عقدت في الحديبية، فلم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى ابنته أم حبيبة رضي الله عنها زوج النبي، فأراد أن يجلس على فراش رسول الله فطوته دونه، فقال: يا بنية، أرغبت بهذا الفراش عني، أو بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول الله وأنت امرؤ مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله. قال: يا بنية، لقد أصابك بعدي شر، فقالت: بل هداني الله للإسلام، وأنت يا أبت سيد قريش وكبيرها، كيف يسقط عنك الدخول في الإسلام، وأنت تعبد حجرا لا يسمع ولا يبصر؟ فقام من عندها.
وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ظلت السيدة أم حبيبة رضي الله عنها مستمسكة بسنته؛ ولما جاء نعي أبي سفيان من الشام دعت أم حبيبة رضي الله عنها بصفرة في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها وذراعيها، وقالت: إني كنت عن هذا لغنية، لولا أني سمعت رسول الله يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا».
على سنة الحبيب
عاشت السيدة أم حبيبة رضي الله عنها بعد رسول الله ثلاثا وثلاثين سنة، متمسكة بهدية، سائرة على سنته، عميقة الصلة بالمؤمنين جميعا، مشاركة للمسلمين في الأحداث العظمى؛ ففي أيام الفتنة الكبرى، ولما اشتد أذى المتمردين على عثمان بن عفان رضي الله عنه قال الناس: لو جئتم بأم المؤمنين؛ عسى أن يكفوا عنه، فجاؤوا بأم حبيبة بنت أبي سفيان، وهي على بغلة بيضاء في محفة، فلما جاؤوا بها إلى الدار، صرفوا وجه البغلة حتى ردوها.
كانت حبيبة حسنة الصلة بأمهات المؤمنين رضي الله عنهن جميعا، حريصة على ودهن واسترضائهن، وحتى في اللحظات الأخيرة من حياتها رضي الله عنها تجسدت روح الحب والألفة بينها وبين أمهات المؤمنين الباقيات، فقد طلبت من السيدة عائشة رضي الله عنها أن تحللها من أي شيء فحللتها؛ ففرحت بذلك أيما فرح، فقد روى عوف بن الحارث قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: دعتني أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند موتها، فقالت: قد كان بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت: غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وحللك من ذلك. فقالت: سررتني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة رضي الله عنها، فقالت لها مثل ذلك، وماتت أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها بالمدينة سنة أربع وأربعين عن ثماني وستين سنة، في خلافة أخيها معاوية بن أبي سفيان. رضي الله عنه.