هي أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصارية الخزرجية، اشتهرت بكنيتها أم سليم، واختلف في اسمها، فيقال اسمها: سهلة أو رميلة أو رميثة أو مليكة أو أنيسة وهي الغميصاء أو الرميصاء حسب بعض الروايات.
أخوها هو حرام بن ملحان، الشهيد الذي قال يوم بئر معونة: فزت ورب الكعبة، لما طعن من ورائه، فطلعت الحربة من صدره رضي الله عنه، وكان فيمن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي براء إلى أهل نجد ليدعوهم إلى الإسلام، فقتلهم عامر بن الطفيل، وأختها أم حرام بنت ملحان، لها صحبة.
زوجة فوق العادة
تركها زوجها الأول لأنها أسلمت، وتزوجت زوجها الثاني فكان مهرها إسلامه، فقد كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية، فولدت له أنس بن مالك، فلما أرسل الله نبيه بالهدى ودين الحق أسلمت مع أول من أسلم من قومها، وعرضت الإسلام على زوجها، فرفض وغضب عليها، وجعلت تلقن ابنها أنس، قل: لا إله إلا الله، قل: أشهد أن محمداً رسول الله فيفعل، فيقول لها أبوه: لا تفسدي على ابني، فتقول: إني لا أفسده، فخرج، فلقيه عدو له فقتله، ولما علمت بمقتله قالت: لا جرم، لا أفطم أنساً حتى يدع الثدي، ولا أتزوج حتى يأمرني أنس.
خسرت زوجها الأول بسبب إسلامها، وكسبت زوجها الثاني فأسلم على يديها، فكان ذلك في ميزانها، فحين جاءها أبو طلحة خاطباً، وهو يومئذ مشرك، قالت له: والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم، فذاك مهري، وما أسألك غيره.
وظل يعرض عليها الزواج وترفضه، وكانت تقول له: أما تعلم يا أبا طلحة أنّ آلهتكم ينحتها عبد آل فلان؟ أرأيت حجراً تعبده لا يضرك ولا ينفعك أو خشبة تأتي بها النجار، فينجرها لك: هل يضرك؟ هل ينفعك؟، وإنكم لو أشعلتم فيها ناراً لاحترقت، فانصرف عنها وفي قلبه ذلك، ثم أتاها وقال: الذي عرضت علي قد قبلت، قالت: فإني أتزوجك ولا آخذ منك صداقاً غيره، فأسلم وتزوجته أم سليم، وكان صداقها الإسلام، فما كانت امرأة قط أكرم مهراً من أم سليم، ودخل بها أبو طلحة فولدت له أبو عمير وعبد الله.
أبناء مميزون
وأبناؤها كلهم مميزون ذوو شأن عظيم، وكان من فطنتها وحسن دينها وحبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن قررت أن تجعل ابنها أنس تحت رعاية نبي الله فأخذته إليه ليتشرف بخدمته ويتربى على يديه، ويروي أنس كيف التحق بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، جاءت بي أمي إلى رسول الله وقد أزرتني بنصف خمارها، وردتني بنصفه، فقالت: يا رسول الله هذا أنيس ابني أتيتك به يخدمك فادع الله له، فكان مما دعا له به: اللهم أكثر ماله وولده، قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم.
وابنها الثاني هو أبو عمير الذي كان يلاعبه النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث أخيه أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور أم سليم، فتتحفه بالشيء تصنعه له، وأخ لي أصغر مني يكنى أبا عمير، فزارنا يوماً، فقال: مالي أرى أبا عمير خاثر النفس؟، قالت: ماتت صعوة (طائر أصغر من العصفور) له كان يلعب بها، فجعل النبي يمسح رأسه، ويقول: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟
وابنها الثالث هو عبد الله وله قصة تدل على عقلها وحكمتها وتدينها وهي مروية في الصحيح ويرويها أنس ابنها فيقول: مات ابنٌ لأبي طلحة من أم سليم (هو أبو عمير) فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، قال فجاء فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟، قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، فغضب أبو طلحة وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني، فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بما كان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لكما في غابر ليلتكما، فحملت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهم معه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا أتى المدينة من سفر، لا يطرقها طروقاً، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو طلحة يقول: إنك لتعلم، يا رب إنه ليعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى، وتقول أم سليم: يا أبا طلحة، ما أجد الذي كنت أجد، انطلق، فانطلقا، وضربها المخاض حين قدما، فولدت غلاماً، فقالت لي أمي: يا أنس، لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح احتملته، فانطلقت به إلى رسول الله، فصادفته ومعه ميسم، فلما رآني قال: لعل أم سليم ولدت؟، قلت: نعم، فوضع الميسم، وجئت به فوضعته في حجره، ودعا بعجوة من عجوة المدينة، فلاكها في فيه حتى ذابت، ثم قذفها في الصبي، فجعل الصبي يتلمظها، فقال صلى الله عليه وسلم: انظروا إلى حب الأنصار للتمر، فقلت: سمّه يا رسول الله، قال: هو عبد الله.
محبتها للنبي
كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا أم سليم، فإنه كان يدخل عليها، فقيل له في ذلك، فقال: إني أرحمها، قتل أخوها معي، وتقول رضي الله عنها: كان يقيل عندي على نطع، وكان معراقاً صلى الله عليه وسلم، فجعلت أسلت العرق في قارورة، فاستيقظ، فقال: ما تجعلين؟، قلت: أريد أن أدوف بعرقك طيبي تريد أن تخلط عرقه صلى الله عليه وسلم بطيبها.
ويروي أنس ابنها فيقول: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فوجدته جالساً مع أصحابه يحدثهم، وقد عصب بطنه بعصابة على حجر، فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه؟ فقالوا: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة، فقلت: يا أبتاه، قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقالوا: من الجوع، فدخل أبو طلحة على أمي، فقال: هل من شيء؟ فقالت: نعم عندي كسر من خبز وتمرات، فإن جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أشبعناه، وإن جاء آخر معه قل عنهم، ثم أخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخذت خمارا لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبت فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أأرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: قوموا، فانطلقوا وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة حتى دخلا، فقال رسول الله: هلمي يا أم سليم ما عندك، فأتت بذلك الخبز، فأمر رسول الله بذلك الخبز ففت، وعصرت أم سليم عكة لها فأدمته، ثم قال فيه رسول الله ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلا. وكانت تغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت يوم حنين وهي حامل بعبد الله بن أبي طلحة، وشهدت قبل ذلك يوم أحد تسقي العطشى وتداوي الجرحى، وقد أخرج ابن سعد في الطبقات بسند صحيح أن أم سليم اتخذت خنجراً يوم حنين، فقال أبو طلحة: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر، فقالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه.
لا حياء في العلم
كانت لا تستحي في طلب العلم، وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة عنده فقالت له: يا رسول الله، المرأة التي ترى ما يرى الرجل في المنام فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه، فقالت عائشة: يا أم سليم فضحت النساء تربت يمينك، فقال صلى الله عليه وسلم لعائشة: بل أنت فتربت يمينك، نعم فلتغتسل يا أم سليم إذا رأت ذاك.
وفي مسند بقي بن مخلد جاءت أم سليم رقم 51 من الصحابيات الراويات عن النبي صلى الله عليه وسلم مرتبات حسب كثرة الرواية، وذكر أن لها أربعة عشر حديثاً، بينما عدها ابن حزم الأندلسي في كتابه: أسماء الصحابة وما لكل واحد منهم من العدد: رقم 153 من أصحاب الأربعة عشر حديثاً، وفي كتابه: سبر أعلام النبلاء قال الذهبي: روت أربعة عشر حديثاً، وروى لها الجماعة سوى ابن ماجة، واتفق لها البخاري ومسلم على حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين.
وروى عنها ابنها أنس بن مالك: في البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وروى عنها عبد الله بن عباس، وعمرو بن عاصم الأنصاري: في الأدب المفرد للبخاري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (في مسند مالك).