توجد في حقلنا الثقافي العربي الحديث والمعاصر مجموعة من التصورات المسرحية النظرية والإخراجية التي حاولت أن تقدم مفاهيم جديدة حول الممثل، مع رصد فاعليته الديناميكية داخل العرض المسرحي تشخيصاً وتمثيلاً وتفعيلاً . وقد انطلقت هذه النظريات والتصورات من البيئة العربية، بغية التأسيس والتأصيل لمسرح عربي حقيقي، بعيداً عن القالب الأرسطي الذي سيج المسرح الغربي لأمد طويل، وذلك من الفترة الإغريقية إلى يومنا هذا، وقد حاول كثير من المسرحيين العرب الرواد استنبات القالب الأرسطي في التربة العربية .

بيد أن هناك مجموعة من الباحثين المسرحيين الآخرين الذين استهجنوا هذا القالب جملة وتفصيلاً منذ ستينات القرن الماضي، فراحوا يقدمون تصورات جديدة حول فن المسرح، نبشاً في خاصية التمسرح الدرامي في التراث العربي، مع البحث عن صيغ جديدة للممثل أو المؤدي، وبالتالي، فهناك مجموعة من النظريات والتصورات الدرامية التي اهتمت بالممثل تصوراً وتقنية وتشخيصاً . إذاً، ما يا ترى أهم هذه التيارات الدرامية والنظريات المسرحية؟ وما هي مرتكزاتها المفاهيمية والاصطلاحية والتصورية؟ وما آلياتها العملية والتطبيقية؟ وما منظورها إلى الممثل المسرحي؟ وما مرجعياتها الثقافية في ذلك؟ وما أنواع الممثل المسرحي؟ وهل نجحت هذه النظريات الدرامية وهذه التيارات الفنية والجمالية في تقديم ممثل مسرحي ناجح تمثيلاً وتشخيصاً وتدريباً، وقادر على تقديم فرجة مسرحية هادفة وممتعة فنياً وجمالياً؟ تلكم هي أهم الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها قدر الإمكان في هذه الدراسة العامة والشاملة .

الممثل الفرفور

يدعو يوسف إدريس في كتابه نحو مسرح عربي إلى بطل شعبي فطري يسمى بالفرفور أو البهلوان، وهو بطل إنساني ساخر قد تربى اجتماعياً وثقافياً في التربة المصرية منذ عهود غابرة، وعاش في وجدان الشعب المصري ذاكرة وهوية وتسلية وترفيهاً وموعظة وسخرية، وكان اللسان الحقيقي، والمعبّر الصادق عن الضمير الجماعي للشعب المصري، يعبّر عن أفراحهم وأتراحهم، وذلك بلغة شعبية موحية ورمزية فكاهة وسخرية، فيها نوع من النقد والهجاء والتعرية والتنكيت والأحجية . ومن ثم، فقد كانت مضامين هذا المسرح، الذي يحضر فيه الفرفور بطلاً رئيسياً، تقدم بروح كاريكاتورية واقعية لاذعة، تنم عن ذكاء الفرفور، وسمو ذوقه الجريء، وقدرته على المحاكاة والتعبير والأداء والتمسرح . ومن هنا، فقد ارتبط الفرفور في ذاكرة الناس بليالي الفرح، والسمر، والسهر، مواسم الحصاد، ومن هنا، يقترب هذا البطل المسرحي كثيراً من البطل الاحتفالي الشعبي، أو من البطل الفطري الذي نجده في الأشكال الدرامية ما قبل المسرح، كما في مجموعة من الظواهر الفنية والفرجات الدرامية المغربية، كالحلقة، وسلطان الطلبة، والبساط، وأعبيدات الرما، والأعراس المغربية، وإمذيازان عند الأمازيغ .

وتعد مسرحية محمد دياب ليالي الحصاد ،1967 نموذجاً تطبيقياً لتوظيف السامر الريفي . وفي هذا الصدد، يقول جلال العشري: غير أنه إذا كان محمود دياب قد استجاب لذلك التيار العام الذي بدأ يطالب بأشكال جديدة للمسرح، أشكال نابعة من فنوننا الشعبية المرتجلة، ومن تقاليدنا المسرحية الفلكلورية، وهي الدعوة التي استجاب لها من قبل يوسف إدريس، عندما قدم مسرحيته المثيرة فرافير، بدعوى التعرف إلى ملامحنا المسرحية الأصيلة، وإيجاد شخصيتنا المستقلة في المسرح، فثمة فارق كبير بين الكاتبين يوسف إدريس ومحمود دياب، الأول تكلم عن السامر باعتباره الشكل المسرحي البدائي الأول الذي تبلور لدى الأغلبية العظمى من جماهير شعبنا في الريف والقرى، أما محمود دياب، فمستفيد استفادة واضحة مما دعا إليه يوسف إدريس، مما أنجزه بالفعل، فقد استطاع في مسرحية ليالي الحصاد أن يتجه إلى التعبير الطبيعي المباشر، محافظاً على السامر في شكله البدائي الأول .

وهكذا، يعد الفرفور أو السامر -من جهة- بطل يوسف إدريس المفضل، ومن جهة أخرى، فقد ارتبط هذا السارد بالسمر الليلي، وبمواسم الحصاد، وأفراح الصيف، والقص الشعبي .

الممثل المقلداتي أو المداح

يدعو توفيق الحكيم في كتابه قالبنا المسرحي إلى شكل مسرحي جديد نابع من التربة العربية الإسلامية، ومستخلص من تراثنا الشعبي الأصيل . ويرتبط هذا القالب بممثل جديد يسمى المقلداتي أو المداح أو السامر أو الحكاواتي أو المقلداتية، ويصبح هذا المقلد الممثل الحقيقي في تقديم الفرجات المحلية والعالمية، بغية تقريب تجارب الغير إلى الإنسان العربي بأيسر السبل، وذلك ضمن ما يسمى بالقالب المركز، أو ضمن المسرح التشريحي، الذي يعتمد على التقليد التشريحي للشخصيات، بيد أن هذا القالب لا يمكن أن يكون بديلاً جذرياً للقالب الأرسطي، وفي هذا الإطار، يقول توفيق الحكيم: على أني بعد ذلك أريد أن أنبه بوضوح إلى أنه ليس معنى المناداة بهذا القالب الانصراف عن القالب العالمي المعروف، وما يسير فيه من اتجاهات وتطورات، بل على النقيض، فإني إلى جانب ذلك أنادي أيضاً بالاحتفاظ في الوقت نفسه بالخط الذي سرنا فيه حتى الآن من معاصرة الفن المسرحي العالمي، حتى لا ننفصل عن الركب الحضاري في العالم في جميع خطواته وتطوراته .

لكن ما يلاحظ على تصور توفيق الحكيم أنه لا يقصد في نظريته الدرامية ذلك الممثل الرئيسي في المسرحية، بل يقصد به السارد أو الراوي أو الحاكي الذي يستعرض أحداث المسرحية تحبيكاً وتخطيباً وتعليقاً، على عكس يوسف إدريس الذي قدم الفرفور، وذلك باعتباره ممثلاً رئيسياً أو بطلاً محورياً داخل العرض المسرحي .

الممثل المرتجل

تعد دعوة علي الراعي إلى تأسيس كوميديا مرتجلة دعوة درامية تقنية متميزة لتكوين الممثل الموهوب المرتجل القادر على التأثير في المتفرج ذهنياً ووجدانياً وحركياً، والهدف من ذلك هو التوفيق بين التراث والشكل المسرحي الغربي الأرسطي، أو الجمع بين الأصالة والمعاصرة . ومن ثم، فالممثل المرتجل هو البديل المسرحي للمثل التقليدي، الذي لا يستطيع بأي شكل من الأشكال الخروج عن قواعد النص الصارمة والمقننة التي خطها المؤلف المسرحي، وعدم الحياد عنها قيد أنملة . وبالتالي، يمنع الكاتب الممثل، مهما كان باعه الفني، وموهبته الفطرية، التصرف في حوارات المسرحية أو منولوجاتها، وذلك تحت أي ظرف كان، وبهذا، تتعالى سلطة المؤلف والمخرج في المسرح الأرسطي التقليدي، في حين تتهاوى هذه السلطة في الكوميديا المرتجلة، لتكون من نصيب الممثل المرتجل الذي يتحكم في النص روحاً وقالباً، عبر عمليات التغيير، والتعديل، والتنقيح، والإضافة، والحذف، والارتجال .

لكن ما يلاحظ على دعوة الدكتور علي الراعي أنها كانت معروفة في المسرح الغربي، وذلك في إطار ما يسمى بكوميديا دي لارتي الإيطالية في عصر النهضة، أو ما يسمى كذلك بمسرح الشوارع، كما أن الممثل المرتجل قد يكون عاجزاً عن تنويع الموضوعات والمشاهد، ولا يستطيع أن يبلور مسرحاً جاداً، كما هو حال التراجيديات، وبالتالي، فالمسرح العربي ليس مسرحاً فكاهياً أو هزلياً فحسب، بل هو مسرح جاد قد يطرح آراء فلسفية عميقة، وتصورات تأملية مهمة، لا يمكن التعبير عنها بمواقف ارتجالية ساخرة هزلية بسيطة . ويعني هذا أن فن المسرح فن مركّب ومتشعب، يحتاج إلى ممثل شامل، أو ممثل سيميائي متنوع ودال .

هذا، وقد تأثرت نظرية المرتجلات المغربية في مجال المسرح - كما عند محمد الكغاط - بالكوميديا المرتجلة عند علي الراعي، وقد تعاملت هذه النظرية بدورها مع الممثل المسرحي، وذلك باعتباره ممثلاً مرتجلاً يستعمل آلية الارتجال في التبليغ والتوصيل، وتقديم الفرجة الدرامية . وتنبني المرتجلات الكغاطية على إشراك الممثلين في بناء الفرجة الدرامية، وذلك عن طريق الحذف، والزيادة، التحوير، والخروج عن النص، وكل ذلك لعرض مشكلات المسرح بصفة عامة، ومشكلات المبدعين المسرحيين من مؤلفين، وممثلين، ونقاد، وسينوغرافيين، ومخرجين بصفة خاصة، انطلاقاً من رؤية إنسانية ارتجالية قائمة على التقعير، والميتامسرح، والنقد الساخر، والكوميديا السوداء .

وبناء على ما سبق، يمكن تدريب الممثل المرتجل في ضوء مجموعة من التمارين الارتجالية، كتمارين خاصة بالطلاقة والعفوية، وتمارين تفجير الطاقة الإبداعية، وتمارين الاشتغال على الارتجال، وتمارين في بناء الشخصية، وتمارين في البحث عن الاختيارات الفنية، وتمارين تثبيت الاختيارات الفنية بموضوع المرتجلة، وتقديم تمرين مشروع مرتجلة في صيغة كوميديا سوداء قاتمة .

الممثل الجماعي

يتميز مسرح سعد الله ونوس بطابعه السياسي الجدلي، حيث يتخذ من المسرح أداة للتسييس والتوعية السياسية، بمعنى أن المسرح مجرد قناة أيديولوجية لتمرير الرسائل السياسية المباشرة وغير المباشرة، كما أنه وسيلة فنية وجمالية لتوعية المتفرج الراصد، كما أنه فضاء للتنوير والتعلم والتغيير، لذا، ينطلق سعد الله ونوس من رؤية جدلية ماركسية على مستوى التصور الفلسفي، كما يستلهم التجربة البريشتية في مجال التنظير المسرحي . وما يميز سعد الله ونوس أنه جعل المسرح سياسية، وأعطى أهمية كبرى للمتفرج، وأدمج الممثل ضمن فرقة جماعية متعاونة على الخلق والإبداع والعطاء، ويعني هذا أن الممثل الذي يتبناه ونوس ممثل جماعي، ينصهر في فريق عمل منسجم، موحد المشارب، ومتفق من حيث الرؤى الأيديولوجية، ومسؤوليته هي التبليغ السياسي، وتوعية المتفرج، وتنويره ذهنياً ووجدانياً وسياسياً، ليتحمل مسؤولية التغيير، والتحرر، والانعتاق من أوهام الاستغلال والاستلاب والتخلف .

وما يلاحظ على هذا التصور النظري أنه تصور أيديولوجي ليس إلا، لا يخدم المسرح في شيء، إذ يحوّل سعد الله ونوس المسرح إلى وثيقة سياسية مباشرة وتقريرية، بعيداً عن التجريب الفني، والجمالي الحقيقي .

الممثل الاحتفالي

ثمة مجموعة من النظريات والتجارب الاحتفالية في الوطن العربي، ومن أهم هذه التجارب التنظيرية، نستحضر منها: احتفالية عبدالكريم برشيد، ومسرح السرادق، ومسرح الفوانيس . بيد أن احتفالية عبدالكريم برشيد هي أقوى هذه التصورات الاحتفالية بياناً، ورؤية، ومنهجاً، وفلسفة .

وهكذا، ينظر عبدالكريم برشيد إلى الممثل على أنه ممثل احتفالي شامل وفطري، يعيش تجارب احتفالية عيدية يشرك فيها المتلقي والراصد والمحتفل، وذلك ضمن فرجة احتفالية درامية ثرية تتسم بالعفوية والتلقائية، والفطرية، والشعبية، والعيدية، والإنسانية، والتواصل الحميم .

ويقول مصطفى رمضاني عن الممثل في تصور الاحتفالية: ومن هنا، كان الممثل الاحتفالي مطالباً بأن يكون موسوعة للخبرات والتقاليد والمعارف الإنسانية، إذ ليس المهم فقط هو حسن أداء الدور، لأن من شأن ذلك أن يسقط الجمهور في الإيهام الأرسطي، ولكن المهم هو أن يحيا بوجود الآخرين، فتصبح عيونه هي عيون الجماعة، وفعله هو فعلها أيضاً . فالممثل يكتسب هذه الخطوة في المسرح الاحتفالي، لأنه ليس أداة سينوغرافية عادية، ولكنه وسيلة تعبير متفجرة تزداد تفجراً، كلما كان لهذا المتلقي حضور فعلي في الحفل المسرحي .

ويوظف مسرح السرادق في مصر ممثلاً احتفالياً شعبياً مبنياً على الفرجة الشاملة والمتنوعة، والاعتماد على فضاءات ركحية مفتوحة، بغية التحرر من العلبة الإيطالية المغلقة من جهة، والانعتاق من قيود المسرح الأرسطي، الذي لايزال يفرض مقاييسه الصارمة على مسرحنا العربي إلى يومنا هذا من جهة ثانية، وبالتالي، يتكئ مسرح السرادق نظرياً على الرؤية الاحتفالية، وتمثل المنهجية البريشتية، واعتماد تقنيات الحلقة في تدريب الممثل، وتكوينه، وتأطيره فنياً وجمالياً وتطبيقياً، ومن ثم، فمن أهم مرتكزات مسرح السرادق: شعبية الممثل واحتفاليته، والانطلاق من الفلسفة العيدية الاحتفالية، والمشاركة الجماعية في الأداء، وبناء الفرجة الاحتفالية، والانفتاح على الفضاءات السينوغرافية العامة، والاهتمام بالإبداع الجماعي المشترك .

ويعد مسرح الفوانيس في الأردن أيضاً تجربة احتفالية تفرعت عن التجربة الاحتفالية المغربية بشكل من الأشكال، نظراً لوجود مجموعة من الروابط المشتركة بين التجربتين معاً فنياً وجمالياً ونظرياً وإبداعياً وتقنياً، كما يعد مسرح الفوانيس، حسب عبدالكريم برشيد، تجربة جديدة وجادة وجريئة . تجربة تحمل داخلها روحها الاحتفالية . كما تحمل طموحها -المشروع- في تأسيس مسرح يشبه هذا الإنسان، يشبه هذا المكان، وهذا الزمان . هذه التجربة عبّرت عن نفسها من خلال فعلين متكاملين، فعل إبداعي، وآخر تنظيري، وأن اجتهاداتها الإبداعية لا تقل جرأة وخطورة عن مغامراتها النظرية .

وما يهمنا في طرح مسرح الفوانيس أنه ينظر إلى الممثل على أنه كائن احتفالي شامل، يقدم فرجات درامية وإثنوسينوغرافية احتفالية وطقسية، قوامها الثقافة الشعبية، والانطلاق من التراث، والاتصاف بالنزعة الشعبية، وخلق لحمة وجدانية بين المتلقي والمتفرج الراصد .

الممثل الحكواتي عند روجيه عساف

يعد مسرح روجيه عساف مسرحاً حكواتياً، يستثمر الاحتفالية باعتبارها آلية للتعبير والتجسيد والتمثيل، بيد أن هذا المسرح يوظّف الحكواتي باعتباره ممثلاً فطرياً شاملاً، يستغل كل طاقاته الذهنية والوجدانية والحركية، وذلك في تقديم فرجات تراثية وتاريخية قائمة على التخييل، والتناص، والإسقاط، والتأويل، وتشغيل الرموز الموحية، وتفتيق الذاكرة التراثية الشعبية، وتمثل العمل الجماعي، والارتكان إلى تقنية الارتجال، والتأثر بالبريشتية ومسرح الشمس، عبر استعمال آليات التخييل، والتأويل، والإدهاش، وإرباك المتفرج .

وهكذا، فالممثل في مسرح روجيه عساف هو الممثل الحكواتي الذي يقوم بمجموعة من العمليات الدرامية المتنوعة والشاملة، كالسرد، والحكي، والوصف، والتشخيص، والتخييل . . . وبالتالي، فهو ممثل تراثي شعبي فطري، لا يمكن فصله عن الجمهور تواصلاً وترابطاً، مع مشاركته الفاعلة والبناءة في بناء الفرجة الاحتفالية الزاخرة بالفنون الشعبية، مع الانفتاح على آليات المسرح الغربي المعاصر، والاطلاع على تقنياته الإخراجية، ومبادئه في مجال التمثيل والتشخيص .

* جزء من ورقة مقدّمة إلى ملتقى الشارقة للمسرح العربي