ستظل قصة أوديب خالدة ينهل منها البشر وخاصة الأدباء والمفكرين وعلماء النفس والمجتمع، وسيبقى مبدعها سوفوكليس خالداً إلى جانب عمله الفذ الذي كتبه وعرضه على مدرج المسرح اليوناني في عصره .

أوديب ذلك الإنسان الذي ولد بالخطأ وعاش بالخطأ وتملك أمته عشرين عاماً بالخطأ، لينتهي بتصحيح الخطأ الذي ارتكبه بخطأ أكبر، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بالعقد لدى الكثير من البؤساء في العصور التالية .

دار أسامة للطباعة والنشر في دمشق أصدرت ترجمة حرفية للعمل المسرحي مأخوذاً عن القصة التي كتبها أندريه جيد بدايات القرن العشرين، والكتاب المحلي المترجم يقع في 160 صفحة من القطع الكبير ويتوفر على كل فصول المسرحية بمختلف شخوصها الفاعلين في حياة أوديب .

في الترجمة السورية للكتاب يقدم أوديب على أنه الأسطورة الشهيرة في الحضارة اليونانية القديمة، واسمه باللغة اليونانية يعني صاحب القدمين المتورمتين، ثم يلخص الدار المترجمة قصة أوديب بالقول إن عرافاً اسمه تيرسياس قال لملك طيبة لايوس إنه وزوجته جوكاستا سينجبان صبياً، وإن هذا الصبي سيكبر ويقتل أباه الملك، فما كان من الملك إلا أن احتاط من شر مرتقب وخشي تحقق النبوءة، فقام وفي لحظة ولادة أوديب الطفل، بدق قدميه بمسامير، ثم رماه عبر راع فوق الجبل لتأكله الوحوش . إلا أنه والكلام حسب القصة التاريخية الأسطورية بينما أوديب مرمي فوق الجبل شاهده راع ينتمي إلى مملكة أخرى، هي مملكة كورنثيا فحمله وذهب به إلى ملكه الذي رعاه ورباه تربية الأمراء حتى شب أوديب وهو يظن أنه ابن ملك كورنثيا . يتابع المترجم قصة أوديب: بينما هو في مرحلة المراهقة وكان في جلسة شراب مع مجموعة من أصدقائه فقد الجميع توازنهم ليكشف أحدهم لأوديب في لحظة تخل أنه لقيط وليس ابن الملك، وأن راعياً أتى به من جبل مجاور في مملكة مجاورة، ليهب أوديب باحثاً عن الحقيقة التي كشفها له الملك الذي رباه .

ومن بعد، يبدأ أوديب رحلة البحث عن مملكته الحقيقية، عن أبيه وأمه الحقيقيين، وبينما هو في طريق يصطدم برجل قوي المراس يحاول التعدي عليه، لكن أوديب يتغلب عليه ويقتله، ذلك الرجل كان أباه الحقيقي، الملك لايوس، وبذلك وحسب سوفوكليس واضع الأسطورة تحققت أولى النبوءات بأن يقتل المولود أباه، ذلك العمل الذي تأخر عشرين عاماً .

يتابع أوديب حسب سوفوكليس المؤلف وأندريه جيد واضع العمل المسرحي الرهيب، وحسب المترجم الذي ينقل حرفياً ما ورد في أسفار الماضي، يتابع طريقه في البحث وهو لا يدري أنه قتل أباه في المعركة التي تغلب فيها على الرجل القوي، فيدخل في مملكة طيبة موطنه الأصلي دون أن يعرف أنها موطنه، فيرى الناس هناك يعانون الأمرين من وجود خطر يتهددهم عن طريق ما سمي في ذاك العصر السيفينيكس وهو ما يرمز إلى قوة خرافية تطرح أسئلة تعجيزية على كل فرد، فإن لم يحسن الإجابة يقتل، وفي الرواية صورها سوفوكليس على شكل رأس امرأة وجسم أسد وله جناحان . قتل الكثير بحسب المؤلف من أبناء طيبة لعجزهم عن الإجابة عن أسئلة تعجيزية، ليقوم كريون وهو الوصي على عرش طيبة بعد وفاة الملك لايوس بالإعلان عن عرض قوي ومشجع يقول فيه: إن من يخلص أهالي طيبة من خطر السيفينيكس سينال عرش المملكة ويصبح الملك، وبالمناسبة كريون هو شقيق الملكة جوكاستا التي يتولى هو عرشها بالوصاية . وصل أوديب إلى طيبة فاصطدم مباشرة بالسيفينيكس، الذي وجه إليه سؤالاً ثقيلاً هو: شيء يمشي صباحاً على الأربع ونهاراً على قدمين وليلاً على ثلاث . . ما هو؟ . . ليأتي رد أوديب بأنه الإنسان . . الإنسان الذي يكون طفلاً يحبو على الأربع، ثم يمشي على قدمين في مرحلة الشباب، وفي مرحلة الشيخوخة يستعمل عكازاً إلى جانب قدميه لتصبح ثلاثاً .

جاءت الرواية بفكرتين واحدة تقول إن السيفينيكس انتحر بمجرد إجابة أوديب عن السؤال، والأخرى تقول إن أوديب هو من قتله، ليعلن أوديب ملكاً على طيبة بحكم العرض الذي قدمه الوصي على العرش كريون .

تحققت النبوءة القديمة بشقيها: قتل أوديب والده دون أن يعلم وأصبح ملكاً على عرش طيبة دون أن يعلم أنها موطنه الأصلي . واجه نظام حكم أوديب مشكلات كثيرة ومر بمنغصات عديدة أهمها أن الشعب كان يطلب من الملك أوديب الكشف عن قاتل لايوس، ليتعهد أوديب بالاقتصاص من القاتل كائناً من يكن، وهو قال ذلك ولا يعلم أن الرجل الذي قتله في الطريق هو والده، وبالتالي أصبح كمن يتعهد بالاقتصاص من نفسه .

مرت عشرون عاماً على ملك أوديب لطيبة وكان لا يعرف أن جوكاستا هي أمه، ورغم ذلك كان بحثه عن قاتل لايوس مستمراً وبصدق، فهو الحاكم الديمقراطي الذي كان يحب شعبه ويحاول جاهداً إشراك الرعية في سياسات البلاد الداخلية والخارجية .

حتى كان المخرج لدى سوفوكليس الذي عرض المسرحية على المدرج اليوناني القديم بأن جاء تيرسياس العراف نفسه الذي تنبأ بولادته وقتله لأبيه وتملكه عرش طيبة، ليخبره الآن وهو ملك بأنه هو من قتل أباه لايوس، مدعماً ذلك بأدلة دامغة يعجز أي شخص عن دحضها بحسب عقائد اليونانيين القدامى . تأكد أوديب أنه القاتل، فقامت الملكة جوكاستا زوجة الملك المقتول بالانتحار شنقاً، ليقوم أوديب نفسه بفقء عينيه بدبوس حرم نفسه الرؤية ومشاهدة البشر، وليعلن أمام الشعب أنه قام بذلك تنفيذاً لعهده لهم بأن يقتص من القاتل .

الشعب وحسب الرواية عبر عن أسفه وندمه لما حصل وحاول ثني أوديب عن أي رد فعل بحق نفسه كونه أقدم على القتل دون أن يعلم، ولأنه في الوقت ذاته ملك عادل محب لشعبه، لكن شيئاً من أمنيات الشعب لم يتحقق، وانطلق أوديب في رحلة أخرى مع العمى . . العمى الذي يقوده إلى المجهول رفقة ابنتيه الصغيرتين اللتين آلتا على نفسيهما عدم مفارقته إطلاقاً، بينما ظل ولداه في المملكة ينتظران أن يكبرا ليحكما بالتناوب مملكة طيبة، وليبقى كريون وصياً على العرش كما كان بعد مقتل لايوس وقبل وصول أوديب إلى البلاد، وذلك ريثما يكبر الشابان القاصران .