كان الضباب كثيفاً والهواء يصفر بقوة فيحرك السيارة يميناً ويساراً، كان صوته هادراً مخيفاً لم يسمع محمد مثله من قبل فأمسك المقود بكلتا يديه وشد عليه وكأنه سيسحبه من مكانه. قالت له خلود: ما بك لماذا انت متوتر هكذا؟ أجابها ألا ترين رداءة الطقس انا أفكر بأن أعود أدراجي. صرخت به ماذا مستحيل فأهلي ينتظرون قدومنا بفارغ الصبر، قال: لكننا في هذا الطقس يمكن ألا نصل أبداً، قالت: لِمَ التشاؤم؟ انت فقط خائف دعني أقود السيارة عنك، قولي والله؟ إذا كنت أركز أكون خائفآً، فقط انظر على الطريق فأنا لا أكاد أرى منه شبراً واحداً، انا من يجب أن يرى وليس انت إن نظري ستة على ستة كما اني أحب أن أذكرك بأنني السائق، مرت سيارتان بقربهما تجاوزتا سيارتهما بسرعة فقالت له بسخرية: انت تسمي نفسك سائقاً؟ ماذا تعنين بكلامك اني لست ماهرا في القيادة؟ ابتسمت ولم تعلق ثم أدارت رأسها لتنظر إلى جانب الطريق قال لم تجيبني أيجب أن أكون ابن سليّم لأحظى بإعجابك؟ لا ليس هذا لكنك لا تملك سرعة البديهة في القيادة ثم انك تسرع جداً وفجأة تدوس الفرامل بقوة ولولا اني أضع حزام الأمان لكنت طرت من الزجاج، وها انت الآن خائف من الضباب، وأنت يجب أن تطمئنني لا أن تزيد من خوفي، تأففت ثم دارت ومدت يدها لتتناول كيساً من الحلويات والبطاطس المقرمشة فتحته وبدأت تقرمش. انه يكره الصوت الذي يصدر منها عندما تأكل قال لها ألا تخافين أن تسمني أكثر إن أكلت كل هذا؟ أجابت بعد أن توقفت عن المضغ والطعام لا يزال في فمها هل تقصد أنني سمينة؟ فرح عندما شعر بأنه ضرب على الوتر الحساس. صمت دقيقة قبل أن يقول لها أنت أعطيتني رأيك في قيادتي ولِمَ لم تجيبني على سؤالي؟ لذلك لن أجيبك ثم حسبما أذكر كنت تتمنين الخروج معي، وعندما ذهبنا عدة مرات مع والديك لشراء الحاجيات كنت فرحة ونظرك معلق علي لكنك لم تعلقي على قيادتي لماذا لم تتكلمي عن هذا الموضوع قبل الآن؟ لكن يبدو أن هناك الكثير من المواضيع التي لم تتكلمي فيها معي قبل الزواج لأن هدفك كان فقط أن تتزوجي، نظرت إليه تلك النظرة القاسية وقالت: كيف تجرؤ على هذا القول تراجع عما قلته وإلا. وإلا ماذا؟ أجابها، أقسم بأنني سأنزل من السيارة حتى لو لم تتوقف، لا تجرؤين على هذا ثم انه يعتبر نوعاً من الانتحار أليس كذلك؟ انت فعلا لا تطاق، هيا قولي ما عندك مرة واحدة فأنا اكتشفت الآن فجأة انني لا أتقن القيادة ولا أطاق ماذا أيضاً؟ لا تستفزني أكثر، سأستفزك هيا قولي ما عندك، لن تفهم حتى لو قلت، أيضا أصبحت غبياً، هيا فضفضي لعلني اكتشف أنك لم تكوني تريدينني وقد أجبرت على الزواج بي أيتها السيدة الشبه كاملة فلولا ان الكمال لله وحده لكنت أنت الخالية من العيوب وكلك حسنات لا توجد عندك سيئة واحدة أليس كذلك؟ أجابته عن الغلط. انا لا أسمح لك أن تسخر مني، أنا لا أسخر إنها الحقيقة انت إنسانة رائعة، محبة، حنونة، مثقفة وجميلة، ثم نظر إليها تلك النظرة الباسمة الساخرة التي تفقدها صوابها وكأنه يقول لها: انت لا شيء من هذا، ثم ضغط على الراديو وأخذ يقلب المحطات فكبست على الزر لتغلقه بغضب قائلة انت إنسان بلا مشاعر ولا أحاسيس أتعرف هذا؟ نعم يبدو انني أصبحت هكذا فمن يعاشر القوم أربعين يوما، من تقصد بكلامك أنا أو عائلتك؟ فأنت لم تعاشرني بقدر ما عاشرتهم، داس على الفرامل بقوة وتوقف إلى جانب الطريق ثم أشعل إشارات التحذير الأربع، وقال: إياك أن تتكلمي عن عائلتي، هم خط أحمر ولا أسمح لك بالكلام عنهم بالسوء. دعي عائلتينا خارج نقاشنا فإن للكل عورات وللناس أعين، قالت: انت لا تستطيع أن تمس أهلي بكلمة فهم يشرفونك ويشرفون أهلك، قال بغضب واضح من أهلك؟ اسمعيني جيدا يا ابنة الحلال سأقول لك شيئاً كنت قد عاهدت والدك ألا أقوله لأحد وخاصة انت فوالدك المحترم الذي تتكلمين عنه قد.. قد.. ماذا، تكلم، انطق، لكنه ضرب على المقود بيديه وصمت، كانت خلود تحملق فيه في انتظار أن يتكلم، لكنه بدا متردداً، ثم قال: انسي الموضوع، صرخت أنسى ماذا قل لي انا لن ارتاح إلا إن تكلمت، ثم مدت يدها إلى مفتاح السيارة سحبته ووضعته في حقيبة يدها ثم رمتها على المقعد الخلفي حاول أن يأخذه منها لكنه فشل قال لها ألا يكفي اليوم ألم ننته بعد؟ أعطيني المفتاح لأوصلك الى منزل ذويك و(أفتك) من كل شيء، قالت: لن تفتك مني قبل أن أعرف ما أردت قوله ولو كان هذا الشيء آخر ما أفعله في حياتي. هيا تكلم قل لي ماذا فعل والدي؟ ظل صامتا لكنه كان يصر على أسنانه بشدة وهو يقول إنها غلطتي أنا أوصلت نفسي إلى ما انا فيه، فأخذت ترفع سقف الكلام وتستفزه قائلة انت لا تستطيع قول شيء لأنك كاذب أو لأنك لست رجلاً، لو كنت رجلاً بحق لقلت لي ولم تتردد وأخذت تلكمه على ذراعه وقدمه بقوة وهي تردد تكلم لا تصمت هكذا كان يحاول أن يطال مفتاح السيارة وهي تشده بكمه ثم أطاحت له عقاله فدفعها عنه قائلاً: أتريدين فعلاً أن تعرفي؟ حسناً سأقول لك لقد وافقت على الزواج بك لأن والدك طلب مني ذلك فقد كنت قد بدأت تخرجين عن طوعه وتفتعلين المشاكل مع والدتك وزوجة شقيقك فأنت معقدة من كونك مطلقة وعندك عنجهية غريبة، كما انك لئيمة وحاقدة على من حولك حتى شقيقاتك أصبحن يكرهن المنزل بسببك لكني لم أكن أعرف انك بهذا السوء ولديك تلك الطباع إلا حين أصبحنا في منزل واحد، لأن والدك قال لي كلاماً جيداً عنك ولم أعرف الباقي إلا حين اختلفنا في المرة الأولى كنت قبلها قد رأيتك ووجدت أنك جميلة فوافقت علماً ان زوجتي الأولى هي من أفضل النساء وأجملهن على الإطلاق، لكن همها الوحيد في الحياة هو أولادها وقالت لي إن أردت الزواج مجدداً فلا مانع عندي لأنني مقصرة في واجباتي الزوجية معك وأنت لا تزال شاباً، ساد الصمت السيارة ولم يعودا يسمعان سوى صوت الريح فقالت خلود بعد أن استفاقت من صدمتها: انت كاذب فوالدي لا يقبل أن يعرضني على أحد أجابها: اسأليه وهو سيؤكد لك كل ما قلته وأنا كنت أريد أن أتركك منذ اليوم الأول عندما اكتشفت زيفك في كل شيء بدءا من شكلك وصولا لعقلك وتفكيرك. صرخت شكلي لا يعجبك؟ كان يعجبني قبل أن أعرف انه مصطنع أتعتقدين بأنني لا أعلم ذلك؟ لقد رأيت صورتك قبل التعديل لم تكوني انت ثم ضحك من قلبه وقال: يجب أن تنتبهي إلى الصور التي لا تزال والدتك تحتفظ بها إلى اليوم وقد صدمت صراحة عندما رأيتها وسألت من هذه الفتاة؟ قالت إنها زوجتك، كان أنفك كأنف الصقر وحاجباك كثيفان، شفتاك رقيقتان وصغيرتان، أما جسدك فحدّث ولا حرج كنت كالدبة وضحك مجدداً فثارت وبدأت تصرخ قائلة انت كاذب إنها ليست صورتي قال: أثبتي لي دعيني أرى صورة لك عندما كنت صغيرة أي في الخامسة عشرة وليس الآن وأنت قد تخطيت الثلاثين بأعوام تسعة واجتاحته موجة من الضحك الهستيري خاصة عندما رآها تفقد أعصابها فأخذت تقول أيها السخيف الحاقد كنت تتمنى نظرة واحدة مني، أية نظرة؟ قال، تلك التي بالعدسات أو النظرة العادية ومن دون الماكياج الصارخ الذي لم أعرفك من دونه في الصباح. اعتقدت انك واحدة أخرى أتذكرين؟ ذهبت يومها إلى والديك أطالبهما بالتي طلبتها للزواج وليست التي في الغرفة أين الرموش الطويلة والعيون الخضراء؟ أين رسم الحواجب والشفاه المكتنزة؟ أين ذاك الشعر الطويل الأسود والوجه الأبيض؟ فما ان نظفت وجهك حتى بان اسمرارك ثم رأيت رموشك قد أصبحت على المغسلة وشعرك الطويل الذي لطالما أحببته معلقا على الكرسي، أسنانك البيضاء كاللؤلؤ كانت هي الأخرى قد تم تبييضها عند طبيب الأسنان، نفخ الخدود، حقن البوتكس البطن الأملس، وكأنك لم تنجبي هذا ولم أتكلم بعد عن الصوت الناعم، الهدوء والابتسامة الدائمة كل هذا تبخر. هيا تكلمي ألا تريدين أن تعلقي على كلامي يا ست الحسن والجمال، تمنت لو أن الأرض تبتلعها قالت: لهذا فقط تزوجتني لأنني جميلة؟ قال كنت أعتقد انك جميلة وهناك فرق بينهما، لكن صدقيني لو كانت أخلاقك جيدة لكنت رأيت جمالك الداخلي، لكنك بشعة من الداخل والخارج انت فعلاً لا تطاقين وأنا لا ألوم زوجك لأنه طلقك وأخذ أولادك منك حتى لا يتشربوا أخلاقك الشرسة وطبعك الحاد، سقطت دمعة على خدها ثم تناولت حقيبتها من على المقعد الخلفي للسيارة سحبت المفتاح ورمته له ثم فتحت الباب بسرعة وترجلت من السيارة بينما هو يبحث عن المفتاح الذي وقع على الأرض قال لها ماذا تفعلين؟ عودي إلى السيارة فلم ترد عليه بدأت بالسير وهو يسير بسيارته جنبها انزل زجاج النافذة، وقال اصعدي إلى السيارة وهي لا ترد كرر هذا الكلام عدة مرات، كانت السيارات تمر بالقرب منهما تخفف قليلا ثم تعاود السير شعر بأن رأسه بدأ يؤلمه فأسرع بسيارته قليلا ثم أوقفها إلى جانب الطريق وترجل هو الآخر: اقترب منها امسكها بيدها وجرها خلفه أخذت تصرخ وتحاول أن تفلت يدها فمرت سيارة وتوقفت وسألهما سائقها: هل كل شيء على ما يرام؟ أجاب محمد: نعم شكراً، فقالت هي لا انه يضربني من فضلكم خذوني معكم. شد على يدها بقوة قائلاً: اصمتي لا تفضحينا أمام الناس توقفت السيارة وترجل منها الرجل تتبعه زوجته وكان الهواء يصدر أصواتاً مخيفة كان محمد يمسك عقاله حتى لا يقع عن رأسه وتطير غترته. الغبار يملأ عينيه حتى كاد لا يستطيع أن يفتحهما جيداً سمع صوت السيدة خلفه تقول لزوجته إن كنت تريدين أن نقلك معنا فتفضلي وهي تنظر شزرا إلى محمد قال أشكركما لكن زوجتي وأنا قد تشاجرنا بسبب موضوع خاص شكراً لكما لكن لا داعي لذلك، فأفلتت من يده وركضت نحوهما وهي تقول خذاني معكما، قال: عودي إلى هنا يكفي اركبي السيارة فاختبأت خلف المرأة تحتمي بها وتقول: لا ستضربني أنا أعرفك جيدا انت قاس ومتوحش حالما أصبح داخل السيارة ستنتقم مني، دهش محمد من كلامها وغضب بشدة لأنها تكذب فهو لم يمد يده عليها أبدا. انه ليس من النوع الذي يضرب النساء. انه عادة هادئ لكنها أخرجته عن طوره تلك المجنونة، فخلع عقاله عن رأسه ووضعه في يده ليلف غترته ويغطي وجهه فصرخت مجددا: يا ربي يريد أن يضربني بعقاله كما يفعل دائما أنقذاني منه أرجوكما أنا خائفة، عندها فقد محمد عقله واقترب ليمسكها ويضعها في السيارة فوقف الرجل الضخم له بالمرصاد وقال إياك أن تقترب منها سوف أتصل بالشرطة أمسك محمد أعصابه وقال للرجل بعد أن سحبه بهدوء ليبتعد عن المرأتين: يا أخ مشكور لأنك توقفت وسألت فأنت مواطن صالح بالتأكيد انا اسمي محمد رقم سيارتي أمامك وهذه إجازة السوق سجلهم، عندك لو أردت، لكن زوجتي مريضة نفسياً وأعصابها متعبة فقد تجادلنا في السيارة لأنني أردت العودة إلى أبو ظبي خوفاً من رداءة الطقس وهي تصر على الذهاب إلى دبي لرؤية أهلها هذا هو الموضوع، وإن أردت اتصل بوالدها وهو يقول لك إنني لست كما تدعي، فأنا لم أصفعها بحياتي، انت تعرف النساء فأرجو ألا تتدخل، انه شيء خاص بيني وبين زوجتي، على كل حال تستطيع أن تتبعنا لتتأكد من أنني صادق ولا أمد يدي عليها سأوصلها إلى منزل ذويها، لكنني لن أسمح لها بأن تركب معكما وانا لا أعرفكما، هل تفعلها أنت وتسمح لزوجتك بأن تركب السيارة مع أشخاص غرباء اقتنع الرجل بكلامه وقال معك حق يا أخي أنا آسف لكنني اعتقدت بأنها معرضة للخطر أجاب محمد: بارك الله فيك، حسناً في أمان الله نادى زوجته وعاد لينطلق بسيارته تاركا خلود ومحمد يحلان مشاكلهما وحدهما، عندما اقترب منها هددته بأن ترمي نفسها أمام أول سيارة قادمة، احتار بأمره وقرر أن يعتذر منها ليكسر الشر ففعل ذلك وقال كنت أمزح معك لأغيظك فقط هيا سامحيني واركبي لنكمل الطريق فأهلك ينتظرونك، وافقت بعد جهد جهيد وركبت السيارة لينطلق محمد، بدأ المطر يتساقط بقطرات متقطعة ثم انهمر قوياً وغسل الزجاج الأمامي، فاتضحت الرؤيا أمامه ليرى ليس فقط الطريق بل درب حياته مع إنسانة مزيفة مثلها.