الكتاب الأول الذي قرأته، يشبه اللقاء الأول مع امرأة أو مع صديق . إما ان يوجهك هذا الكتاب الى نوع من البهجة، وإما يترك فيك اثراً بالغ الأسى، وهي استجابات منطقية تجاه الكتب، إذا ما عرفنا ان قراءة كتاب للمرة الأولى تقع في غالبية الاحيان في مرحلة الفتوة أو مرحلة المراهقة البالغة الحساسية، حيث تكون مشاعر الفتى أو المراهق قابلة لامتصاص المادة الأدبية أو الابداعية التي يتضمنها ذلك الكتاب .
الكتاب الأول، أيضاً هو الضوء الذي يأخذك إلى بهجة النهار، إلى بهجة المعرفة، وكم من كتاب قرأناه في مقتبل اعمارنا بقي ماثلاً في الذاكرة حتى الآن، رغم الكثير الكثير من الكتب التي قرأناها بعده أو جاءت بعده، ذلك أن للقراءة الاولى مذاقاً خاصاً لا يمحوه الزمن بسهولة . لكن بعيداً عن الاستعادة الحنينية للكتب الاولى، فإن لها تأثيراً مهماً من شأنه ان يوجد انعطافة كبرى في حياة ذلك القارئ الأول والصغير . . فذلك الكتاب بتأثيره الصامت قد يلقي في قلب قارئه ذاك بذرة الكتابة، ويصوغ ذلك القارئ الأول منذ كتابه الأول، يصوغه كاتباً مبدعاً منذ ذلك الوهج الأولي الذي تعرف إليه في تلك القراءة الأولية . ترى الآن، وبعد ان تقدم الكثير من الكتّاب في الحياة وفي القراءة وفي الكتب هل يعودون إلى كتبهم الأولى تلك، ويعيدون قراءاتها لكن بوعي آخر؟ ما الذي يتذكره الكتّاب من تلك القراءات الاولى وما هو أثرها القديم فيهم وعلى انفعالاتهم التي كانت مهيأة لاستقبال تلك القرءات .
حملنا هذه الاسئلة إلى عدد من كتاب الإمارات حول الكتاب الأول، القراءة الأولى .
الروائية سارة الجروان قالت: أول كتاب قرأته كاملا كان كتاب ألف ليلة وليلة، لم أكن قد تجاوزت العاشرة من عمري عندما أهداه أحد أصدقاء خالي إليه من الكويت، وكان أربعة أجزاء ضخمة وكنت أجد صعوبة كبيرة في حمل الجزء الواحد منها، ولا تقوى يداي على رفعه طول الوقت، لكنني كنت مشدودة إلى قراءة تلك الأسفار وصحبتها سنتين حتى أكملتها .
رغم أن بداياتي في الكتابة لم يكن فيها ما يوحي بجو ألف ليلة وليلة، وكانت كلها كتابات من الواقع الإماراتي، فإن التأثير الأكبر لذلك الكتاب كان في دفعي إلى الكتابة، فقد تولد لدي بعد إكمال قراءته توق جارف على الكتابة وكنت أتساءل، لماذا لا أكتب أنا بدوري شيئا كهذا، وكانت ثمرة هذا التوق بعد خمس سنوات كتابي الأول شجن بنت القدر عام 1992 الذي عد أول رواية نسائية إماراتية، وهناك تأثير آخر اكتشفته بعد حين من كتاب ألف ليلة وليلة يتمثل في جمع الحكايات بعضها إلى بعض والاستطراد في الحكاية الواحدة .
نزعت في كتاباتي الأولى منزعا واقعيا وانطلقت من البيئة والواقع الذي أعيشه وبدأت أقرأ للروائيين العرب الكبار، كانت تلك البداية مع الحكايات الخرافية الغربية قد ولّدت في أيضا عطشا لا يرتوي للقراءة، فأتيت على كل ما تقع عليه يدي من كتب يوسف السباعي وإحسان عبدالقدوس والعقاد وغيرهم من الروائيين المصريين الكبار، واعتقدت أنني نسيت ألف ليلة وليلة، لكنني بعد سنوات عديدة وجدته يتسرب إلي من خلال كتابي رسائل إلى مولاي السلطان ثم رواية طروس إلى مولاي السلطان التي توقفت تماما عن قراءة الروايات أثناء كتابتها مخافة أن يتسرب شيء من تأثيرها إلى الرواية فيفسد علي البناء، الروائي الذي أشيده، ويغير في مسار شخوصي لكنني وجدت أن تلك القراءات البعيدة تسربت إليه وبشكل غير مرئي، فهذان الكتابان ومن غير تعمد أو قصد مني مشبعان بروح ألف ليلة وليلة، ومثل هذا وقع لي مع كتابات العالم النفسي سيغمون فرويد الذي قرأت كتبه جميعا خلال ثلاث سنوات متواليات، ثم ابتعدت عنها ونسيتها، لكن تأثيرها تسرب الى روايتين من رواياتي هما شظايا مرآة ومشاهد من بتر .
فالقراءة تؤثر في الكاتب في اتجاهين، الأول هو التحفيز على فعل الكتابة والثاني أنه مهما تحاشى تأثير ما يقرأه فسوف يجد له أثرا في ما يكتبه، وأنا أثناء الفترة التي انقطعت فيها عن قراءة الروايات لكتابة طروس إلى مولاي السلطان بدأت أقرأ للزهاد والمتصوفة، ووجدتني منجذبة على تلك الأساليب المشبعة بالروحانية والرمزية، فتوغلت في تلك القراءات وأنا موقنة ان ما سأكتبه بعد هذه القراءة لا بد أن يتسرب إلي على نحو ما، وأرجو أن يكون شيئا جديدا وإضافة نوعية إلى ما قدمته سابقا .
وقال الشاعر عبدالله الهدية قرأت كتباً كثيرة في مجال الأدب لكن أول ما بدأت قراءته واستوقفني هو ديوان المتنبي لما يحتويه من قصائد متعددة الاغراض ويتميز بقوة البلاغة وقوة التصوير أبوالطيب المتنبي كبرياء وشجاع ويوصف بأنه نادرة زمانه واعجوبة عصره، تدور معظم قصائده حول مدح الملوك ومدح نفسه، افضل شعره في الحكمة وفلسفة الحياة ووصف المعارك، هو دائما في رحلة بحث عن الذات، وظف الادب في سبيل الحصول على المكانة وتقدير الذات نأخذ من غربته الطويلة واسفاره المتعددة دروساً كثيرة، فكما يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي الشعراء سفراء الكلام فهم احق بالمناصب المتعددة .
ارجع بين الفينة والاخرى الى ديوان المتنبي استمع بجمال القصيدة التي استوحاها من الغربة والتغريب في آن واحدة، فهو ولد في الكوفة في العراق وعاش معظم ايام حياته في بلاط سيف الدولة الحمداني في حلب، كان المتنبي الشاعر الوحيد في عصره الذي يقول الشر وهو جالس على عكس باقي الشعراء الذين يلقون قصائدهم وهم واقفون، وكان يمدح من يستحق المدح، لكن شعره لا يقوم على التكلفة والصنعة لامتلاكه ناصية اللغة والبيان، كما كان يمدح نفسه ايضا .
وأضاف الهدية بدأت القرأة في المرحلة الاعدادية في سن الثالثة عشرة وبدأت الكتابة في سنة الخامسة عشرة، لكن القصائد الاولى كبدايات لا اعترف بها، لكنها كنت الركيزة الاساسية لي ككاتب لذلك لا يمكن تجاهلها . وسيصدر لي قريباً ديوان شعر اضع فيه كل خبرتي وتجربتي بعنوان ابا عون تجتمع فيه رحلة المثقف العربي وغربته وتغريبه . كما سيصدر لي قريبا ديوان آخر عبارة عن أهازيج في البيئة الجبلية الإماراتية يتناول بالشرح كل ما يتعلق بهذه البيئة التي لم يتطرق احد اليها من قبل، كتب كثيرون عن البحر لكنهم لم يتطرقوا الى الجبل كقصائد وأشعار بالشكل المطلوب .
ويذكر الشاعر عبدالله السبب ان أول كتاب قرأه كان البخلاء للجاحظ، بدأ قرأته في سن مبكرة واستمتع بالأسلوب الأدبي للجاحظ الذي يتميز بتهكمه وتعليقاته الساخرة، وقال السبب المتتبع لكتب الجاحظ ورسائله يكشف عن عقلية نقدية بارعة حيث انتهج في كتبه ورسائله اسلوباً بحثياً أقل ما يقال عنه انه منهج بحث علمي مضبوط .
وقال السبب امتلك مجموعة الجاحظ كلها وبعد ذلك تنوعت قراءاتي فانتقلت الى عبقريات العقاد التي استوقفتني كثيراً عند اسلوبه وفلسفته وتحليله وبحثه عن المفردات اللغوية، كما كان مشغولاً بالتفسير النفسي لأي أديب يتجه إليه بأعماله الأدبية أو الفلسفية .
وأشار السبب الى انه بدأ مشواره الأدبي مبكراً فكتب اول رسالة وهو في الصف الثالث الابتدائي لزميل له في الصف ثم تنوعت كتاباته بعد ذلك، ففي البداية كان يكتب لاشباع رغبة خاصة به أو للتعبير عن شيء يجول في صدره غير قادر على الافصاح عنه حيث شعر بالحرمان مبكراً بسبب فقده لوالديه . بدأ من خلال خربشات في الدفاتر المدرسية، الأمر الذي جذب أنظار مدرسيه له .
وأضاف السبب كتبت أول مداخلة لي في مجلة الاصلاح عام ،1983 ثم بعد ذلك تأثرت بالشاعر جمال أبو دف، وهو شاعر فلسطيني قدير صاحب ملحمة القدس واقدساه وفي عام 1984 اشتركت في مسابقات قصصية وتم نشر عملين لي عن التقشف والحرية ثم اصدرت أول ديوان شعر عام 1996 بعنوان الآن ثم عصر، وفي 2008 أصدرت المرايا التي تحدث أخبارها وقريباً سيصدر لي مجموعة قصصية بعنوان جنازة حب وأشياء أخرى قصة حديثة تحاكي الهم الخاص لكنها اسقاط على العام .
وأوضح السبب ان كل شاعر يرجع الى الكتب الحديثة أو التراثية في كتاباته، فهي تكون مستوحاة من التراث العربي ومن تلاقح الثقافات الأخرى .
الشاعر قاسم سعودي العراق يرى أن مناخ القراءة بحد ذاته يفتح المخيلة على فضاءات رحبة وهو مناخ يدفع بالكثيرين إلى الكتابة، وهو واحد منهم ويقول: كنت أقبل على القراءة بشكل عام، لكن الواحد منا يلحظ أن هناك كتابا يدفعه لقراءته بشغف، ويحاكي لديه ملكة الكتابة، ومن تلك الكتب الأولى أشعار بلند الحيدري التي كنت أقرأها بأربعة عيون، وأعيد قراءتها المرة تلو الأخرى، وأيضا أشعار حسين مردان ومحمد الماغوط، وسليم بركات، وفاضل العزاوي، ولمياء عباس عمارة، وغيرهم من الشعراء أو الروائيين الذين ينتسبون إلى جيل الستينات الشعري .
أما الكتاب الأكثر أثرا في ذاكرة سعودي، وهو اليوم كما يقول أنه يبحث عنه لقراءته من جديد هو رواية ليلة لشبونة للروائي الألماني أريش ماريا ريمارك ويقول عنها: لقد كانت بالنسبة لي رواية مذهلة بما تحتويه من حس إنساني عال، وتناول أسلوبي مشوق، وغير مألوف في الوقت ذاته بما فيه من تقنيات وتفاصيل، كما أن الرواية أشعرتني أن هناك من لديه في الضفة الأخرى من العالم معاناة وظلم يتقاطعان مع المعاناة التي نعيشها، وهو ما أشعرني بالتماهي مع العمل، أو أنني جزء منه، لذا فإن هذه الرواية لم تغادر ذاكرتي أبدا، وستبقى تشكل بالنسبة لي عملا خاصا، أعتبره واحدا من الأعمال الأولى التي قرأتها، وحفزت لدي رغبة الكتابة .
أما القاص إبراهيم مبارك فيعود بذاكرته إلى عام ،1974 حين كان في المرحلة الثانوية ليتذكر تلك الرواية الأولى التي فتحت أمامه باب الكتابة الأدبية، أو لنقل قربته إلى أهمية الكتابة وتحديدا الكتابة القصصية فيقول: لقد كانت رواية الأم للكاتب الروسي مكسيم غوركي من الروايات الأولى التي تركت فيّ أثرا كبيرا، ولقد اكتسبت أثناء قراءتها الكثير من المعاني الإنسانية المهمة ومنها تضحية الإنسان بذاته من أجل قضايا تتجاوز ذاتيته، كما أن تلك الرواية بما احتوته من أحداث تاريخية كتبها غوركي بأسلوب له مذاق خاص جعلتني أدرك إلى حد ما حينها معنى الكتابة القصصية وأهميتها، وقدرة السرد على التعبير عن مكنونات الذات الإنسانية، وعن المجتمع، والتاريخ، وكلها أمور كانت تحتويها رواية الأم ما جعلها تشكل بالإضافة إلى قراءات أخرى البداية الأساسية للولوج إلى عالم القصة .
ويتابع مبارك: ما زلت حتى الآن أتذكر الكثير من التفاصيل التي تحتويها رواية الأم وأعتقد أنني في حال قراءتها من جديد فإنني سأستمتع بها، فالروايات والأعمال المهمة لا يستهلكها الوقت، خاصة إذا كان مؤلفها كاتباً عظيماً مثل غوركي، وأنا الآن فعليا أعيد قراءة بعض الأعمال الإبداعية التي اطلعت عليها في البدايات، وأجد أنني أستمتع بتلك الأعمال بطريقة مختلفة لكنني لم أكن لأعود إليها لو أنني لا أشعر بأهميتها بالنسبة لي، فالأعمال الأولى التي حفزتني على الكتابة هي جزء من ذاكرتي، وسيبقى لها أثر كبير رغما من مرور وقت طويل على قراءتها للمرة الأولى .
الشاعر أحمد العسم تحدث عن تأثره في الصغر بتجربة الرائد الشاعر الكويتي فهد العسكر، الذي كانت له اراء في الحياة اصطدمت بالواقع المحافظ في زمنه، وقال كل من قرأ سيرة فهد العسكر يلحظ مدى التصاقه بحاجات البشر وتطلعاتهم الى الحرية، وقد كان العسكر شاعرا سبق له ان دعا الى الانفتاح في المجتمع الكويتي في اربعينات وخمسينات القرن الفائت .
وكانت القاصة والروائية ليلى العثمان أول من جذب العسم الى الكتابة بوصفها كاتبة مبدعة لامست قصصها الاولى قضايا المجتمع الكويتي والخليجي، كما احترفت كتابة الرواية، وقد اختيرت روايتها وسمية تخرج من البحر ضمن أفضل مائة رواية عربية في القرن العشرين .
يقول العسم كنا في الصغر شغوفين بالكتابة المغايرة التي تحدث ردات فعل في البينات العربية، وقد كان العسكر والعثمان نموذجين خارجين عن مألوف الصورة النمطية في منطقة الخليج، وبطبيعة الحال فإن مجرد التفكير في الكتابة كوسيلة تغيير يعتبر بحد ذاته من المهام الشاقة التي يعانيها الأديب في وطننا العربي .
وانجذبت الكاتبة باسمة يونس في صغرها الى قصة بائعة الكبريت للمؤلف الدنماركي هانز اندرسون، هذه القصة المملوءة بعوالم الخيال والتي اشتهرت على نطاق عالمي، حتى ان بعض البلدان قد ادرجتها في مناهج تعليم الاطفال .
وحاولت باسمة يونس حينذاك كتابة قصة من وحيها أثناء وجودها في لندن اسمتها هبة، بعد ذلك وفي دبي واثناء فترة السبعينات كانت باسمة تتردد على المكتبة العامة في دبي والتي كانت تشتمل على كتب كثيرة ومجلات ثقافية كالهلال المصرية وسلسلة المكتبة الخضراء، كما تشتمل على قائمة طويلة من القصص المترجمة الخاصة بالطفل، وشكلت هذه المكتبة ملاذا يوميا لباسمة يونس التي اصبحت إدارة المكتبة تقدم لها كل التسهيلات لتقرأ ما تشاء من القصص التي شكلت مدخلاً لاحترافها عالم الكتابة في ما بعد .
القاص حارب الظاهري انتبه في صغره الى كتاب لعدة مؤلفين يتحدث عن أدباء المهجر، وما جذبه في هذا الكتاب هو السيرة الذاتية الخارجة عن المألوف للكتاب المهجريين الذين اتسمت حيواتهم بالغربة والحنين وما رافق ذلك من اصرارهم على الكتابة بعيداً عن اوطانهم، وكان الأسلوب الشعري لهؤلاء قد استحوذ على اهتمام الظاهري بطريقة لافتة جعلته في ما بعد يقدم على الكتابة، اضف الى ذلك ميل الظاهري الى قراءة قصص الأطفال وخيالاتها الرائعة .
ويؤكد الظاهري ان مثل هذه البدايات تنغرس في ذاكرة الكاتب ويرتبط معها بعلاقة شجن تدفعه الى الاستذكار، حين كانت تداعب خياله اطياف من عالم الطفولة الذي يشاغب البدايات في تلك اللحظات المقتنصة من عالم الدهشة .
وقال الكاتب المسرحي والقصصي ماجد بوشليبي في ذاكرتي كتابان قرأتهما وأثرا فيّ تأثيراً عميقاً، هما الوعد الحق لطه حسين والرسالة العاشرة ولا أذكر مؤلفها، إلا أن بطل ذلك الكتاب كان طالباً بعيداً عن أهله، وتعود أن يبعث إليهم رسائل يضمنها حكايات أدبية وتاريخية، والكتابان كانا مقررين علينا في حصة القراءة، وكانت مادة القراءة يومها مادة مستقلة يوضع لها برنامج تحدد فيه كتب من الأدب الراقي على التلميذ أن يقرأها كاملة، وهكذا كان علي أن أستكمل قراءة هذين الكتابين، وقد وجدت فيهما متعة لا تصدق، واستفدت منهما مسألتين مهمتين، الاستمتاع بالسرد الوارد في كليهما، فالوعد الحق يحكي قصة عمر بن الخطاب، والرسالة العاشرة تناول صاحبه حياة عمار بن ياسر، وهاتان شخصيتان غنيتان في تاريخ الإسلام، يوفران لمتصفح حياتهما متعة الحكاية، ويمدانه بشحنة من الإيمان والقوة وحب العدل والتضحية في سبيل المبدأ وغيرها من المبادئ العظيمة .
أما المسألة الثانية فهي ما احتوى عليه الكتابان من جماليات أدبية، كإتقان فنيات القص وسلاسة الأسلوب، وهذه اللغة الأصيلة الجميلة القوية البعيدة عن الإسفاف والخطأ والتي يندر أن نجد لها مثيلا في ما يكتب اليوم .
هذان الكتابان أول ما قرآت من كتب كاملة، وقد استشعرت من خلالهما متعة القراءة فكانا دليلا إلى قراءات أخرى كثيرة، وحافزا من حوافز الكتابة التي نشأت لدي لاحقاً، وأنا لا آسف على شيء أسفي على اختفاء هذه الكتب وأمثالها من المقررات الدراسية، واختفاء مادة القراءة نفسها كحصة مستقلة لها مقررها، لم يعد الطلاب اليوم يدرسون تلك الكتب القيمة، ولا الشعر العربي الأصيل، فلا أجد أياً من ذلك في الكتب التي يدرسها أبنائي، ولا أعرف لماذا، ولا شيء يمكن أن يفعل فعله العميق في نفس الإنسان مثل فعل القراءة، فلها مفعول السحر بما تنقله إليه من أجواء وما تغيره لديه من مفاهيم، ولها هذا الدافع القوي على الكتابة .