الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
جماليات إماراتية

خلف نسيج الغموض: سمية السويدي تعيد صياغة الذات الأنثوية

17 مايو 2026 19:02 مساء | آخر تحديث: 17 مايو 19:30 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
icon الخلاصة icon
سمية السويدي تدمج السريالية الرقمية والطبيعة لطرح ذات أنثوية قوية وغامضة؛ طيور ودانتيل وألوان متباينة ترمز للحرية والهوية والقوة
إن التعمّق في عوالم لوحات الفنانة سمية السويدي بمثابة رحلة محتشدة بالألوان، والتفاصيل، والرؤى الفكرية، فهي من المبدعات اللواتي تميزن بأسلوب يدمج بين الواقع الافتراضي، والفن السريالي، وعناصر الطبيعة، الزهور والفراشات والأشجار والبحار، لتوصيل رسائل عاطفية عميقة باستخدام برامج الحاسوب المتقدمة، والوسائط المتعددة. وتصنع، عبر تلك الخلطة السحرية، عوالم نابضة بالحياة، خاصة في ما يتعلق بالمرأة، ومشاعرها، وموقعها الاجتماعي، كموقف فلسفي تعبّر عنه بالألوان.
ومن اللوحات البديعة التي سكبت فيها سمية جهداً فنياً وتقنياً كبيراً، تلك التي يهيمن على مشهدها وجه امرأة بملامح حادّة، ونظرات مباشرة وقوية باتجاه المشاهد، تضع أحمر شفاه داكناً، ويرتفع شعرها المصفف إلى الأعلى. ويظهر في الجانب الأيسر من اللوحة طائر يحط بالقرب من كتف الفتاة، بطلة العمل، بينما يطير عصفور آخر أصغر حجماً في الأعلى ملامساً شعرها. ترتدي الفتاة فستاناً يمتزج فيه اللونان الأبيض والبيج، ومزيناً عند منطقة الصدر بنقوش زهرية مذهبة، وألوان متداخلة تشبه التطريز التقليدي؛ ويلتف حول عنقها وخلف رأسها نسيج شفاف يشبه الشاش الأبيض، أو الدانتيل المخرم، ما يمنح اللوحة طابعاً حلمياً. وتأتي الخلفية بدرجات مدمجة من اللونين الأزرق، والبنفسجي الفاتح، مغطاة بزخارف دقيقة ومنتظمة تشبه النقوش القماشية، أو أوراق الشجر.
وتُعد هذه اللوحة واحدة من أبرز الأعمال الفنية للفنانة، والتي تعكس أسلوبها الفريد في دمج البورتريه الأنثوي مع عناصر الطبيعة، والسريالية الرقمية، إذ يركز العمل على ملامح وجه المرأة، ونظرات عينيها المحدقة، ما يتماشى مع اهتمام السويدي الدائم بـ«نظرة المرأة»، وتجسيد عواطفها وقوتها الداخلية في مجموعاتها المختلفة. ولعل مشهد الطيور المحلقة ثيمة متكررة في أعمال سمية، ويشكل رمزية تشير إلى الحرية، والتجدد، والاتصال بالعالم الروحي.

*طيور محلّقة


ولئن كان توظيف الطيور في اللوحة مرتبطاً بالحرية الفكرية، والتحليق العاطفي، والتوق إلى الانعتاق، فهو أيضاً يمثل ملمحاً أساسياً في تعبيرات السويدي الإبداعية عن الذات الأنثوية. إذ يرمز الطائر القريب من الأذن أو الرأس، إلى الأفكار المشتركة والرسائل الصامتة، بينما يرمز استقراره على الكتف إلى الأمان، والسند، والديمومة. كما يعكس استخدام الطيور رغبة الفنانة في دمج الروح البشرية بعناصر الطبيعة البكر؛ لبيان أن المشاعر الصادقة تنتمي إلى فضاءات فسيحة لا تقيّدها حدود.
تستخدم سمية طبقات الدانتيل والشاش الرقمي المتداخلة حول العنق والخلفية، كأداة لتجسيد النظرة الأنثوية؛ فالدانتيل يخفى ويظهر، في آنٍ واحد، ما يرمز إلى الأسرار والمشاعر الدفينة التي تحيط بعالم المرأة، وتجعلها غير مكشوفة بالكامل للعالم الخارجي. فهو يجسد العلاقة بين الغموض والأنوثة، كما يحاكي نمط الدانتيل والتطريز في اللوحة النقوشَ والأقمشة التقليدية؛ ما يربط الهوية المعاصرة للمرأة بجذورها الثقافية بطريقة بصرية، ناعمة وعصرية.
كما أن النسيج المخرّم الرقيق يوازن بين الملامح الحادة والنظرة الحازمة للمرأة، ليخلق تناقضاً جذاباً بين الرقة الظاهرية والقوة الداخلية الكامنة، بمزيج جمالي يحوّل اللوحة من مجرّد بورتريه عادي إلى مرآة بصرية، تعبّر عن أزلية الروابط الإنسانية، وحصانة المشاعر الأنثوية في وجه الزمن.

*تقنية لونية


وظف العمل الفني الألوان بعناية؛ بحيث تبرز الأبعاد الجمالية والفكرية، اعتماداً على التناقض والانسجام بين الدرجات اللونية الباردة والدافئة، لتعميق البعد النفسي السريالي في المشهد. فالألوان الباردة «الأزرق والبنفسجي» تغمر مساحة واسعة من الخلفية والطيور، وتكشف عن دلالات شعورية عميقة؛ والأزرق النيلي يرمز إلى الولاء الأبدي، والثقة، والعمق العاطفي، بما يدعم فكرة الارتباط الدائم، بينما يرتبط البنفسجي بالخيال والسحر؛ إذ يعزل هذا اللون المرأة عن الواقع المادي، وينقلها إلى فضاء حلمي يعبر عن عالمها الداخلي.
أما الألوان الدافئة والترابية «الذهبي، والبيج، والأحمر الداكن»، فهي تتركز في جسد المرأة وملابسها، لتصنع نقطة جذب بصرية تتناقض مع برودة الخلفية، حيث الذهبي والأصفر الخافت يظهران في التطريزات الزهرية على الفستان، ويعكس هذا اللون الأصالة، والقيمة العالية، والبريق، ما يضفي لمسة من الفخامة التراثية والمعاصرة على حضور المرأة، في حين يُمثل البيج والأبيض العاجي لون بشرتها والنسيج الشفاف المحيط بها، ويرمزان إلى الهدوء والنقاء، ويخففان من حدة الألوان الأخرى لمنح اللوحة توازناً ونعومة بصرية. وفي المقابل، يحتل الأحمر مكانة مركزية؛ فهو يتركز على الشفاه، ويُعد أقوى نقطة بصرية في العمل، ويرمز إلى القوة، والشغف، والحيوية.
وتتجلى الرؤية الفلسفية لسمية في اللوحة من خلال تقديم طرح بصري يعيد تعريف حضور المرأة ومكانتها، متجاوزة النظرة التقليدية والسطحية؛ فالمرأة هنا ليست مجرّد «موضوع» أو عنصر جمالي يُنظر إليه، بل هي «الذات العاقلة والمُبادِرة»، وترفض الفنانة فكرة أن تكون المرأة كتاباً مفتوحاً ومكشوفاً بالكامل؛ لذا تستخدم الطبقات الرقمية المخرمة لتصنع حداً فاصلاً بين ما تسمح للآخرين برؤيته، وما تحتفظ به لنفسها من أسرار وأفكار. هذا الغموض الفلسفي يمنح المرأة هيبة، ومساحة فكرية مستقلة، لا يمكن اختراقها بسهولة.
اللوحة
اللوحة

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة