قال تعالى في سورة مريم:

واذكر في الكتاب إبراهيم صديقاً نبياً، إذ قال لأبيه يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سويا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً .

يستخرج ابن القيم من هذه الآيات ما وصل إليه إبراهيم الخليل عليه السلام من اللطف في الحديث والأدب في الخطاب، فيقول:

ابتدأ إبراهيم خطابه لأبيه بذكر أبوته الدالة على توقيره، ولم يسمه باسمه، ثم أخرج الكلام معه مخرج السؤال، فقال: لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا؟ ولم يقل: لا تعبد .

ثم قال: يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فلم يقل له: إنك جاهل لا علم عندك، بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على هذا المعنى، فقال: جاءني من العلم ما لم يأتك .

ثم قال: فاتبعني أهدك صراطاً سوياً، وهذا مثل قول موسى لفرعون في سورة النازعات: وأهديك إلى ربك فتخشى .

ثم قال: يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه، كما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه .

وقال: يمسك فذكر لفظ المس الذي هو ألطف من غيره .

ثم نكر العذاب، ثم ذكر الرحمن، ولم يقل: الجبار ولا القهار . فأي خطاب ألطف وألين من هذا؟

ومع ذلك اللين البالغ اقصاه، فقد كان رد والد إبراهيم من أقسى الردود، فقال: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً .

وفي مقابل هذا الرد القاسي كان جواب إبراهيم عليه السلام مما يلين الحجارة، فقال: سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً، وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً .